“التجريدة” لأحمد إبراهيم الشريف.. قاو من الأزل حتى الأبد

ahmed ibraheem al shareef

د. عفاف عبد المعطي

على مدار أزمان وسنوات لا تُحصى، هناك أحداث كبرى لا ينساها التاريخ والبشر، مثل حادثة دنشواي التي وقعت في المنوفية جنوب دلتا مصر عام 1906. ومن قبلها أحداث قرية «قاو» (قاو غرب حالياً) في صعيد مصر، وتحديداً في أسيوط، التي شهدت أحداثاً دامية في عهد الخديوي إسماعيل (1863–1879) تُعرف بـ«ثورة قاو»، حيث أرسل الخديوي جنوده ومدافعه لوأد تمرد أهل القرية، مما أسفر عن تدمير القرية وقتل وتشريد أهلها، وتعد مثالاً للوجه التعسفي لسياسة المركزية الحاكمة في تلك الفترة.

تعود أصل حكاية واقعة قرية قاو أو «ثورة قاو الكبرى»، إلى تعدّي أهالي القرية على أحد التجار الموالين للخديوي، مما استدعى رد فعل عنيف من السلطة الحاكمة.

التجريدة أو الحملة تجسدت عندما أرسل الخديوي إسماعيل حملة عسكرية بقيادة «فاضل باشا» ورجاله لتأديب، بل تدمير، قرية قاو، مما أدى إلى غارة وخراب وتشريد واسع لأهالي القرية.

التوثيق التاريخي والأدبي:

وثّقت هذه الحادثة الحقيقية، التي وقعت عام 1865، واقعة تاريخية لتمرد أهالي «قاو الكبرى» جنوب أسيوط ضد ظلم الخديوي إسماعيل بقيادة الشيخ الطيب أحمد، حيث واجه الأهالي سلطة الدولة في معركة غير متكافئة انتهت بتدمير القرية.

اهتم كتّاب كبار بهذا الحادث، فظهرت رواية بعنوان «التجريدة» أو «قاو.. أسطورة الدم» للكاتب الكبير ماهر مهران، صدرت عن سلسلة «وعد»، حيث تُشبّه رحلة أهالي قاو بحلقات الذكر في السيرة الهلالية الأشهر.

كما كتب عن «تجريدة قاو» الكاتب د. عمرو شعراوي رواية «ثورة قاو الكبرى» (صدرت عن دار العين)، في إشارة إلى الكوارث الإنسانية في التاريخ المصري.

وذكرت أيضاً بطولة قرية قاو ضد بطش جنود فاضل باشا نائب الخديوي إسماعيل ومواليه في كتاب «مذكرات قرية» للدكتور عصمت سيف الدولة، صدر ضمن سلسلة “كتاب الهلال”.

ثم أخيراً، في رواية الكاتب الأشهر أحمد إبراهيم الشريف «التجريدة.. ثورة الصعيد المقدسة»، منشورات الربيع العربي، في هذه الرواية الشائقة يجد القارئ مجموعة من الأصوات الروائية الكثيرة، منها: (رجب علي بخيت – جريس برهومة «أجمل الحكائين وأخطر شخصيات النص، المتكررة بحرفية السارد، والباعث على نكبة الحدث الرئيسي للرواية» – عامر ضيوف – الشيخ سالم أبو عقيل – صالح ابن الشيخ سالم أبو عقيل – وهدان مساعد – عطفة برهومة – فاضل شاكر المفتش العام للصعيد كله والخادم الأمين لمولاه الخديوي إسماعيل – راغب الشامي الخائن لأهل القرية الذي أنقذ فاضل شاكر من الاختطاف، ويظهر السر عبر المونولوج الداخلي كيف يبرر راغب لنفسه واقعه وخيانة القرية في سرد مشهدي بلاغي يحمل لغة الجسد الجديرة بالاحتفاء. وكذا نجد شخصيات: فتحي ضيوف – السوداني عجيب تاج السر الذي يُسرّ لنفسه ما لا يطيق البوح به لأهل القرية – ثم الشيخ الطيب أحمد زعيم المقاومة).

في رواية «التجريدة.. ثورة الصعيد المقدسة» نحن أمام رواية أصوات من الدرجة الأولى، ميزتها أن القارئ إذا انتزع صوت أي شخصية بوصفها للأحداث ولنفسها صار ذلك الصوت قصة قصيرة مكتملة الأركان. وهذا يعيدنا إلى قدرة الكاتب أحمد إبراهيم الشريف على السرد المتكامل، بمعنى أن كل شخصية معبّرة بلغة فائضة عن وجودها داخل النص، ليس بمعزل عن الشخصيات الأخرى، بل باكتفاء مبدع دال على الشخصية والحدث الذي يحيط بها. ومن الحدث الأكبر لاجتياح تجريدة الخديوي إسماعيل لقرية قاو تأديباً لأهل القرية، إلى الحدث الرئيسي للفتنة الطائفية التي ابتدعها جريس برهومة، تقع أحداث الرواية.

ولأن رواية «التجريدة» بالأساس رواية الشخصية، بمعنى أن الشخوص هم أسياد الموقف والحكي، فإن ثلاثة شخوص بأعينهم — بغضّ النظر عن انتماءاتهم وأغراضهم — هم ركيزة السرد الأساسي:

الشخصية الأولى: المنافق صانع الفتنة الطائفية المفتعلة جريس برهومة، الذي بعث برسالة إلى ولاة الأمر، وهما الكنيسة الأرثوذكسية والخديوي إسماعيل، ليثيرهما تجاه قرية قاو جمعاء، والذي أيضاً أشاع في القرية أن لديه جارية مسلمة يضاجعها مضاجعة الأزواج، لأنه يحمل ضغينة وجوده في مجتمع يرى أنه فيه مجرد شبه إنسان: «جدودي رضوا المذلة ولكني لن أرضاها أبداً، حتى لو تربص بي الموت، سأظل شرارة نار تقضي على قاو كلها» (ص11). ينجح ما خطط له حين يهاجم شباب القرية بيته لتخليص الجارية، وتدور معركة عنيفة يكون هو أول ضحاياها.

الشخصية الثانية: شخصية المناضل الشيخ الطيب أحمد، الذي كان يستنهض أهل القرية ضد تعسف حكم أسرة محمد علي: «إن الوالي في قلعته يعرف أنني لو انتصرت في معركة فسأعيد سيرة همام، لكنني لا أريد دنيا لنفسي كما أراد شيخ العرب، بل أريد للناس أن يعيشوا حياة طيبة» (ص133). (يقصد بهمام شيخ العرب بن يوسف أحمد 1709–1769، أمير الصعيد/ فرشوط، زعيم قبائل الهوارة، الذي وردت سيرته في «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» لعبد الرحمن الجبرتي).

وأخيراً شخصية راغب الشامي، الخائن لأهل القرية، الذي هرب وأنقذ فاضل شاكر والي التجريدة حينما اختطفه أهل القرية، مبرراً ذلك لنفسه بأن القرية تستحق ما يجري عليها، وكأنه الشخصية المنشقة التي تبرر لنفسها الخيانة.

ومن الشخصيات المكتوبة بحرفية شديدة شخصية سعدان مخيمر، الذي يتحول إلى بوق إعلامي للنميمة، يدور في الأسواق ليحكي ما جرى من خراب ودمار في قاو، في لغة جسدية تفضح الفرحة والشماتة: «زرت كل أسواق مصر أبيع الحكايات وأروي الحكاية، وفي كل مرة أرى وجوهاً جديدة تستمع إليّ، وقد خوّفني البعض بأن ذلك سيعرضني للألم ولم أهتم، أنا جزء من الحكاية نفسها، أنا لسانها الذي يرويها للناس» (ص154).

هناك سلطتان متباينتان في النص، هما:

السلطة الأولى/ الخديوي إسماعيل، الذي يعيش في القصور منعّماً بالحاشية، ويصرف ببذخ، مبيحاً لنفسه البطش بيد من حديد، متوعداً رعيته: «أصدرت أوامري أن تظل قاو خرائب لا يمسها العمار، وأن يصبح اسمها قاو الخراب كي يتعظ من يراها، ويعرف أن التمرد ضدي سيكون مصيره الدمار التام والقتل والتهجير» (ص168).

السلطة الثانية، وهي الأجمل والأكثر إنسانية ودلالة على اللُحمة الوطنية/ سلطة الكنيسة الأرثوذكسية، التي تأوي المسلمين وجميع أهل القرية حال بطش تجريدة الخديوي إسماعيل، وهي في الآن نفسه رافضة لإشعال الحرائق التي افتعلها جريس برهومة وراحت القرية ضحيتها. أجاد لدرجة الإتقان الكاتب أحمد إبراهيم الشريف في تصوير الوحدة الوطنية التي تعم مصر في الشدائد: فلا أنا مسيحي ولا أنت مسلم، لكن كلنا أبناء جلدة الوطن والنسيج الواحد لصورته الآمنة.

تعددت الأصوات الحاكية في نص «التجريدة – ثورة الصعيد المقدسة» للكاتب أحمد إبراهيم الشريف، والشخصيات التي تسرد واقعها والأحداث، مما منح الرواية عمقاً فنياً وتاريخياً وواقعياً مميزاً عبر حادثة حقيقية تُلقي الضوء على بطش السلطة الحاكمة، وتكاتف الشعب الواعي تحت مظلة: الدين لله، والحفاظ على الوطن واجب الجميع.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع