د. رشا الفوال
تبدأ رواية “رقصة الهيكل العظمي” للكاتب الدكتور حاتم رضوان، بتصدير للفيلسوف: نيتشه “أولئك من شوهدوا يرقصون كانوا مجانين في نظر أولئك الذين لم يتمكنوا من سماع الموسيقى. الرقص هو عنفوان الإنسان” يُمثل مفتاحًا تأويليًا للحكاية ككُل، ويؤسس منذ البداية للمنظور السيكولوجي الذي سنقرأ من خلاله شخصية: هبة الكاشف؛ ربما لأن الموسيقى في الحكاية تجلت كرمز للعالم النفسي الخفي( الصدمات/ الرغبات/ المخاوف/ الاحتياجات التي لا يُدركها الآخرون).
في رواية: رقصة الهيكل العظمي الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2025م، يغدو الرقص استعارة لكل سلوك تُصدره الشخصية المحورية تحت ضغط جراحها النفسية، بينما تمثل الموسيقى البنية النفسية العميقة التي تُحرك ذلك السلوك، لذا كان اختيار فلسفة: نيتشة التي تحتفي بالحياة رغم الألم، وترى أن الإنسان يواجه مأساته الوجودية بالخلق والحركة والتجاوز لا بالاستسلام، كأن الرقص في الرواية فعل مقاومة، وإعلان ضمني على انتصار إرادة البقاء، يتجلى ذلك في حث المتلقي ضمنيًا: ليس المهم ما تفعله الشخصية المحورية، بل ما الذي يدفعها إلى ذلك، وما الأصوات الداخلية التي لا يسمعها سواها .
هنا تتضح الوظيفة الرمزية لعنوان الرواية؛ فالهيكل العظمي لا يُمثل الموت، بل يُمثل ما تبقى داخل الشخصية بعد تآكل طبقات الإحساس بالأمان والاستقرار. أما الرقصة فترمز إلى المقاومة؛ فكلما اقتربت البطلة من الانهيار، لجأت إلى الحركة والموسيقى والجسد والحب باعتبارها وسائل لمواجهة الفراغ الداخلي. نتناول ذلك بمزيد من التفصيل من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: تمثلات الصدمة وآثارها في تشكيل الشخصية الروائية
تكشف الرواية عن تمثلات الصدمة والآثار التي نتجت عن هذه التمثلات وساهمت في تشكيل الشخصية المركزية، من هذه التمثلات:
أولًا: الشخصية التي تعاني جُرحًا تأسيسيًا مبكرًا نتيجة فقدان الأم، وما يليه من خسارات متلاحقة(فقد الجدة ثم الأب)، الأمر الذي كوّن داخلها شعورًا مزمنًا باليُتم، هنا يتجلى ميكانيزم التعويض النفسي من خلال البحث الدائم عن بدائل عاطفية، بينما يظل القلق الوجودي ممثلًا في الخوف من الفقد حاضرًا ومحركًا للسلوك.
ثانيًا: الصراع النفسي الذي تمثل في ثنائية غرائز الحياة/ الموت من ناحية، وإشكالية الصراع بين الرغبة والضبط الداخلي من ناحية أخرى؛ فالشخصية تتحرك باستمرار مندفعة نحو التجارب الحسية، ثم تعود للقلق الوجودي المرتبط بالإحساس بالذنب والندم والرغبة في الخلاص الروحي، لاحظنا ذلك من خلال تكرار التوتر بين النزوع الحسي في العلاقات مع الآخرين، والبحث عن الصفاء الديني في العلاقة مع الله. وهو التوتر الذي يعكس انقسامًا داخليًا بين ما تريده الشخصية وما تعتقد أنه ينبغي أن تكون عليه. ” ليست الصلوات أو المناسك التي تؤدونها تقربكم من الله، بل قلوبكم الصافية، المليئة بالرحمة هي التي تجعلكم قريبين منه” في هذا السياق تكتسب هذه الجُمل أهمية خاصة؛ لأنها لا ترِد بوصفها حكمة عابرة، بل كإشارة لعجز الشخصية المحورية عن تحقيق الاستقرار الروحي.
ثالثًا: العلاقة الملتبسة بالجسد، إذ يتحول الجمال إلى أداة لإثبات الوجود واستدرار اعتراف الآخرين بذلك الوجود، هنا تتضح النزعة الاستعراضية التي لا تُقرأ بوصفها غواية فحسب، بل باعتبارها محاولة للتعبير عن الحرمان العاطفي والحاجة المستمرة إلى التقدير وجذب الانتباه، لذا يظهر الموت في الرواية كحضور نفسي دائم يلازم البطلة ويُعيد تشكيل إدراكها للعالم.
رابعًا: أزمة الهوية الأنثوية التي لاحظناها من خلال شخصية: هبة الكاشف التي فقدت الأم في سن مبكرة، والأم: شمس هي النموذج الأول الذي تتشكل من خلاله صورة الذات لدى الفتاة، ربما لذلك يأتي حضورها باستمرار عبر الذكريات والصور والاستدعاءات الحُلمية، كأن الشخصية المحورية: هبة لم تنجح في تجاوز مرحلة الفقد الأولى وتسعى بطريقة لاواعية من أجل استعادة ذلك الجزء المفقود من الذات.
المحور الثاني: البنية الرمزية وآليات الدفاع النفسي في الرواية
على افتراض أن ذاكرة الشخصية المحورية تحولت إلى مستودع للصور الصدمية التي تواصل فاعليتها في الحاضر، فتتجلى في شكل أحلام وكوابيس وهلاوس تُعيد إنتاج القلق بصورة متكررة؛ فالكائن الهلامي وقطار الموت والفضاءات الكابوسية تؤدي دور المعادل الرمزي للاشعور؛ حيث تتجسد المخاوف المكبوتة والذكريات الجارحة والتهديدات التي تعجز الشخصية عن مواجهتها بشكل مباشر، من خلال ذلك يمكننا النظر إلى الرقص بوصفه آلية دفاعية يؤديها الجسد، ويُشكل أحد المحاور المركزية في رحلة: هبة الكاشف نحو التكيف مع جراحها القديمة.
من ثم تنشأ داخل الرواية مواجهة رمزية بين نموذجين للتدين، تدين يزرع الرهبة خاص بذكرياتها مع(شيخ الرقية) وما ارتبط به من مشاعر الرعب والتهديد، وآخر يفتح باب الطمأنينة ويرتبط بمعاني الرحمة والسكينة والقبول، مع ملاحظة أن الكوابيس والأحلام الطيفية تكشف بصورة رمزية عن البنية العميقة لشخصية المحورية؛ فظهور الكائن الهلامي المتحوّل الذي يلاحقها باستمرار، ويطوقها بأذرعه، ويشدها إلى قاع بحر مظلم، ثم يتحول إلى قوة خانقة تشل حركتها وتتركها فريسة للخوف والعجز، لا يمثل خطرًا خارجيًا، بل هو تجسيد رمزي لمحتوى نفسي مكبوت، فهى لا تواجه خصمًا محدد الملامح يمكن التصدي له، بل تواجه قوة غامضة تحاصرها من كل الجهات، وهذا يتسق مع خبرتها الحياتية؛ إذ جاءت معظم الصدمات التي تعرضت لها بصورة مباغتة، أما البحر المظلم الذي يسحبها إليه، فيرمز إلى اللاوعي؛ ذلك الفضاء النفسي العميق الذي تُختزن فيه التجارب المؤلمة التي عجزت الذات عن استيعابها، أما صورة السقوط في بئر بلا قرار، فهى من أكثر الرموز النفسية دلالة؛ إذ تشير إلى الشعور بالتيه، دون الوصول إلى مساحة آمنة، كأن الذات معلقة بين النجاة والانهيار، بين الرغبة في الحياة والخوف من استمرار الألم، مع ملاحظة أن الكوابيس والأحلام الطيفية لا تؤدي وظيفة تشويق المتلقي، بل يمكننا اعتبارها بمثابة السيرة النفسية لعودة المكبوت، تلك التي تم تلخيصها في مشهد إحساسها بالحصار، وعجزها عن التخلص من ماضيها، وخوفها من الهجر، وافتقادها لليقين.
ربما يفسر ذلك الميول الاستعراضية؛ إذ تصعد: هبة فوق سريرها أمام نافذة تطل على المدينة الجامعية، وتؤدي رقصة متعمدة أمام الطلاب الواقفين في الشرفات، مستمتعة بحالة الدهشة والانتباه التي تثيرها فيهم، لا تُفهم هذه الممارسة بوصفها مجرد رغبة في الإغواء، بل بوصفها تعبيرًا عن إحدى الغرائز الجزئية المرتبطة بحب الظهور وجذب الأنظار؛ فالاستعراض يؤدي وظيفة نفسية تتجاوز الجسد إلى إثبات الوجود؛ إذ تشعر الشخصية بأنها مرئية ومؤثرة وقادرة على تحريك مشاعر الآخرين، اللافت هنا أن الكاتب نفسه ربط هذا السلوك بطاقة كامنة داخل الشخصية حين وصفها بأنها تطلق“الجني المحبوس تحت جلدها”، وهى عبارة ذات دلالة نفسية عميقة؛ لأنها توحي بأن الاستعراض ليس فعلًا عابرًا، بل اندفاع داخلي متراكم يبحث عن منفذ للتعبير؛ فالفعل الاستعراضي ليس مجرد حركة جسدية، وإنما لحظة تحرر من القيود الاجتماعية والنفسية. أما العين الواحدة المتضخمة في الحلم الطيفي فتكتسب دلالة نفسية خاصة؛ إذ ترمز إلى الإحساس الدائم بالمراقبة والحكم والتقييم سواء في علاقتها بجسدها أو بعلاقاتها مع الآخرين.
ثم تأتي آلية التلاعب العاطفي والنرجسي في علاقاتها بالآخرين، من خلال وعي مبكر بتأثيرها الجسدي وقدرتها على استثارة الاهتمام الذكوري. لا تنبع هذه الممارسات من رغبة عاطفية حقيقية في الارتباط بقدر ما تنبع من حاجة إلى تأكيد الذات، يتجلى ذلك في الصورة المجازية التي يرسمها الكاتب، حين يشبهها بلهب الشمعة الذي يجذب الفراشات ثم يحرقها. ويمثل الحلم الطيفي الذي يبدأ بصورة تبدو مألوفة نسبيًا “شاب حسن الهيئة يجلس في ظل شجرة وسط فضاء صحراوي”، ثم تتعرض الصورة لتحول مفاجئ يخرجها من منطق الواقع إلى منطق الكابوس، حيث تتضخم إحدى عينيه لتبتلع جسده كله، وتنبت من محيطها آلاف الأذرع الحاملة لسهام مسمومة تُطلق في اتجاهات متعددة، هذا التحول يكشف عن اهتزاز ثقتها بالعلاقات الإنسانية؛ إذ يتحول موضوع الأمل أو الحماية في وعيها إلى مصدر محتمل للأذى، أما صورة الكائن الهلامي الذي يهز السرير فتؤدي وظيفة رمزية بالغة الأهمية. فالسرير في التحليل النفسي يرتبط عادةً بالأمان والراحة، لكن الكائن يقتحم هذا الفضاء الحميم ويحوّله إلى مصدر للفزع.
تُحيلنا الأحلام الطيفية كذلك إلى ما يُعرف في التحليل النفسي بغريزة النظارية Scopophilia، وهي إحدى الغرائز الجزئية التي تتمثل في التلذذ بالنظر وما يصاحب ذلك من شحنة انفعالية، مع ملاحظة أن الكاتب لم يُقدّم هذه الغريزة بوصفها سلوكًا جسديًا مباشرًا، بل بوصفها آلية نفسية تتداخل فيها الرغبة بالفضول ومحاولة إثبات الذات.
في فصل : جنود الملك يقدّم الكاتب رؤية رمزية ذات طابع أسطوري تبدأ من طقس غجري للتنبؤ، يبدأ بالضباب ثم الباب الكامن وراءه، إذ يمثل الضباب حالة الالتباس التي تعيشها الشخصية، ويمثل الباب الذي يظهر خلف الضباب رمزًا لاواعيًا للانتقال والتحول؛ كأنه العتبة الفاصلة بين وضع نفسي قديم وآخر جديد لم تتحدد ملامحه بعد، وذروة الحلم تتمثل في ظهور جنود الملك الذين يقتحمون فضاء الرقص ويقضون على حالة الحرية والنشوة، ثم يتجهون مباشرة نحو: هبة ويقيدونها بالسلاسل، هنا يتحول المشهد إلى معادل نفسي للصراع بين الرغبة والقيد.
فإذا كانت الغرابة مفهوم ملتبس يجمع بين الآمن والمخيف في شخصية الإنسان؛ فيمكننا اعتبار التحول من الخفي إلى المرئي محفوفًا بالأخطار(1) في هذا السياق تتجلى اللحظات الغرائبية في الرواية؛ إذ تغادر الأحداث منطق الواقع المألوف لتدخل فضاءً تخيليًا تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والرموز. فنجد أن شخصية: هبة ترافق “كائنًا ناريًا عجيبًا” يحملها في رحلة عبر الزمن، لتجد نفسها فجأة أمام سينما مترو عام 1996، ثم تشارك شخصيات فيلم: أحدب نوتردام أحداثها ورقصاتها وكأنها جزء من عالمها. الكاتب هنا يقدم واقعًا باطنيًا تتجسد فيه الرغبات والذكريات والهواجس في صور فانتازية. لذلك يبدو الانتقال عبر الزمن، والتحاور الضمني مع الشخصيات الكرتونية، والانخراط في أجواء“حفل المجانين”، امتدادًا لحركة الخيال أكثر من كونه حدثًا واقعيًا، كما ترتبط الغرائبية في الرواية بآلية الهروب التعويضي؛ إذ تلجأ الذات إلى بناء عوالم بديلة أكثر رحابة من الواقع الذي يثقلها بالفقد والقلق، كأن المخيلة تستدعي فضاءات موازية تمنحها قدرًا من الحرية والانطلاق؛ ولأن الغرائبية تقوم على تشويه الواقع وإعادة تشكيله وفق منطق النفس المضطربة؛ فالمكان لا يُبنى على قوانين جغرافية، وإنما على قوانين الخوف والقلق، إذ تنتقل: هبة فجأة إلى ما يشبه“مدينة الدماء”، حيث تختفي معالم الواقع المألوف، وتتحول الشوارع إلى متاهة، ويغيب الناس وتتدفق الدماء في كل مكان، بينما تعبر كائنات هلامية فوق جسر رافعة رايات بيضاء ملطخة بالدم، وتهتف باسمها، هنا تبدو المدينة انعكاسًا لحالتها النفسية أكثر منها مكانًا خارجيًا حقيقيًا.
وفي فصل: رقصة غجرية / طاعون الرقص تتكثف الغرائبية والحلم الطيفي في صورة واحدة، حيث ينتقل السرد من الواقع إلى فضاء أشبه بالهذيان الجماعي، وتتحول الرقصة من فعل فردي إلى قوة غامضة تجتاح البشر وتستولي على إرادتهم. هنا يستدعي الكاتب أسطورة “طاعون الرقص” التاريخية، لكنه يعيد توظيفها داخل البنية النفسية للرواية، إذ يقوم الحلم الطيفي على فكرة الاستحواذ، وتتجلى الغرائبية في تلاشي الحدود بين الفرد والجماعة، وما يعكسه ذلك من رغبة الذات في الذوبان داخل جماعة أوسع للتخلص من وطأة الوحدة والعزلة.
المحور الثالث: البنية الزمنية ووظائف الراوي
من خلال تتبع البنية الحكائية في الرواية نفهم أن الراوي عليم بضمير الغائب، يصف الشخصيات وأفعالها وتحولاتها النفسية، ويكشف ما يدور في أعماقها من مشاعر وهواجس وأحلام طيفية. وتظهر الشخصية المحورية: هبة الكاشف بوصفها موضوعًا للحكاية ترد أفعالها وأفكارها بصيغة الغائب( استيقظت، تذكرت، شعرت، رأت)، هذا وقد تعددت وظائف الراوي ومن أبرزها أولًا: الوظيفة التفسيرية، إذ يقوم بالكشف عن دوافع السلوك، فلا يكتفي بسرد الحدث، بل يربطه بتاريخ الشخصية وصدماتها وخبراتها السابقة.
ثانيًا: الوظيفة التأويلية، فلا ينقل الوقائع فقط، بل يوجه المتلقي إلى قراءتها بوصفها رموزًا وإشارات، ساعده في ذلك تحول الكائنات النارية، والهيكل العظمي، وقطار الموت، وساحات الرقص إلى عناصر ذات أبعاد نفسية تتجاوز معناها الظاهري.
ثالثًا: الوظيفة الوصفية التي تتجلى في بناء المشاهد الغرائبية؛ التي تعتمد على تصوير التفاصيل البصرية والحركية والوجدانية بدقة، بما يمنح الأحلام والرؤى حضورًا محسوسًا داخل السرد.
رابعًا: الوظيفة السيكولوجية إذ يتحول الراوي إلى وسيط بين المتلقي ولاوعي الشخصية المحورية، فنراه يكشف ما تعجز الشخصية عن الإفصاح عنه مباشرة، ولذلك تبدو الأحلام والكوابيس والهلوسات جزءًا من خطابه السردي، لا مجرد أحداث عارضة.
فإذا افترضنا أن الزمن في الرواية أشبه بالهوه السحيقة التي نعتبرها قوة ضاغطة أبرزت الأحداث الفرعية في شكل فصول منوعة، يمكننا اعتبارها قفزات سردية دالة(2) تتناوب بين الواقعي والغرائبي من ناحية، وتقوم على التداخل بين الحاضر والذاكرة والحلم والرؤيا من ناحية أخرى، اعتمد الكاتب أولًا على آلية الاسترجاع التي تعكس طبيعة الشخصية نفسها؛ فالشخصية التي تُعيد إنتاج الصدمات لا تدرك الزمن خطيًا، وإنما تدركه وتُعبر عنه في صورة شذرات وارتدادات وذكريات مباغتة، وثانيًا على آلية الاستباق التي تحضر بدرجة أقل من الاسترجاع، لكنها تؤدي دورًا بالغ الأهمية في صناعة التوتر وتهيئة المتلقي لمصير الشخصية عبر الأحلام الطيفية والهواجس.
وثالثًا تناوب الإيقاع؛ فالكاتب يبطئ الزمن عندما يدخل إلى النفس، ويُسرّعه عندما يتعلق الأمر بالأحداث الخارجية، تناوب الإيقاع السردي بين الوقفات السردية _من أجل الوصف أو التفسير أو التأمل والتعليقات السردية_ وبين تكرار صور الرقص، وتكرار ذكر الكائن الناري والموت والفقد والكوابيس والأحلام الطيفية، مع ذلك فالرواية تتفوق في رسم العالم الداخلي للشخصية أكثر من تفوقها في تطوير الحدث، الأمر الذي يجعل إيقاعها أقرب إلى إيقاع الوعي والذاكرة.
خاتمة: في رواية: رقصة الهيكل العظمي تبرز آلية إعادة إنتاج الصدمة في تكرار الأحلام والهلوسات واستدعاء الذكريات المؤلمة، وما في ذلك من دِلالة أن تعجز الذات عن استيعاب خساراتها، فتظل التجارب المؤلمة متخفية في صور ورموز وأحداث عجائبية، أما الكائن الهلامي والقاتل المتكرر وقطار الموت، فتمثل إسقاطات رمزية لمحتوى لاواعي مثقل بالخوف والذنب والقلق.
تتمحور البنية النفسية للشخصية المركزية حول الصراع بين نزعة الحياة ونزعة الفناء؛ فالرقص والموسيقى والحب تمثل محاولات لاستعادة التوازن ومقاومة الانهيار، بينما يحضر الموت بوصفه قوة كامنة تطاردها عبر الرموز والرؤى والذكريات. ومن ثم تبدو الحركة الراقصة فعلًا دفاعيًا في مواجهة العدم أكثر من كونها مجرد ممارسة جمالية.
تتجاوز أحداث الرواية الواقعية التقليدية إلى الفضاءات النفسية التي تتداخل فيها الحقيقة بالخيال، ويتداخل الحدث الخارجي بالتجربة الباطنية.
من أبرز الخطوط النفسية في الرواية العلاقة المعقدة بالجسد؛ فالجسد هنا أداة لإثبات الوجود واستدرار الاعتراف من الآخرين.
النزعة الاستعراضية في الرواية لا تُقرأ أخلاقيًا، بل تُفهم بوصفها تعبيرًا عن هشاشة داخلية تحاول الاحتماء بقوة الجاذبية الجسدية. مع ملاحظة أن النظارية في الرواية تتكامل مع الاستعراضية؛ فالاستعراض يقوم على الرغبة في أن يكون الإنسان موضوعًا للنظر، أما النظارية فتتمثل في متعة النظر نفسها أو في استشعار أثره. وهكذا يبني الكاتب علاقة جدلية بين النزعتين
الفانتازيا ليست انقطاعًا عن البناء الواقعي للرواية، بل هي جزء من منطقه النفسي؛ لأنها تكشف ما تعجز الشخصية عن التعبير عنه مباشرة، وتحول رغباتها ومخاوفها وأحلامها إلى مشاهد غرائبية تمنح السرد بعدًا رمزيًا وإنسانيًا أعمق.
الرواية تجربة تكشف بعمق كيف يمكن للصدمات المبكرة أن تعيد تشكيل الهوية، وأن تجعل الإنسان يعيش حياته كلها في محاولة متواصلة للنجاة من أشباح ماضيه
………………..
الهوامش:
1_Freud, S.(2003) The Uncanny: penguim Books. (Originally Published1919)
2_ رشا الفوال(2024)، تعطيل الجسد وغرابة المعنى في رواية: ابتسامة بوذا، دراسة منشورة في جريدة أخبار الأدب، العدد 1621، القاهرة.


















