البحث عن الشعر.. بحث عن معنى الحياة

osama kamal

أسامة كمال أبو زيد

ربما بدأت حكايتي مع الشعر قبل أن أعرف أن تلك الرجفة المستحيلة تسمى قصيدة. كنت أرى الشعر في أشياء لا يلتفت إليها أحد. في لمعة البحر الأبدية، وفي شجرة تقف وحيدة على حافة طريق مهجور، وفي تجاعيد وجه رجل أنهكه التعب، وفي ابتسامة أم تخفي وجعها حتى لا يراه أطفالها. كنت أشعر أن الشعر يهمس بلغة لا يسمعها الا الشعراء، وأن الشعر ليس شيئا يكتب، بقدر ما هو لحظات تعاش.

لهذا لم أقتنع، منذ البدايات، بأن للشعر تعريفا وحيدا. فكل تعريف كنت أقرؤه كان يمسك بطرف منه، بينما يفلت جوهر الشعر من بين الكلمات. كان أسمى من التعريفات، وأرحب من الحدود التي حاولنا أن نحيطه بها. كنت أجده في الطبيعة الصامتة، كما أجده في ضجيج المدن، في النقاء الإنساني، كما في هشاشة البشر وضعفهم. وكلما اتسعت الحياة ، اتسع الشعر معها.

كبرت، وكبرت معي الأسئلة. ووقفت، مبهورا، أمام امرئ القيس، وزهير، وعنترة، ثم المتنبي، وأبي العلاء، وأبي تمام، وأبي نواس، والبحتري، وبشار بن برد. لم أكن أقرأهم لأنهم ينتمون إلى عصور مختلفة، بل لأن كل واحد منهم كان يفتح لي نافذة جديدة على الإنسان. كانوا يختلفون في اللغة، وفي الموسيقى، وفي الرؤية، لكنهم كانوا يلتقون جميعا عند ذلك السر الخفي الذي يجعل القصيدة تعيش ما بعد زمنها، وما بعد رحيل صاحبها.

ولم يكن المتنبي عظيما لأنه قال أجمل الأبيات، وإنما لأنه استطاع أن يكتب الإنسان وهو يواجه الزمن. كانت أبياته تصل إلى الحقائق الكبرى بأبسط الطرق، حتى يخيل إلينا أننا كنا نعرف تلك الحقائق ، لكننا كنا في حاجة إلى شاعر يضعها أمام قلوبنا، فنراها لأول مرة.

ثم جاء أمل دنقل.

ولم يكن مجرد شاعر قرأته في سنوات الدراسة الثانوية، بل كان اكتشافا غيّر طريقتي في الإصغاء إلى القصيدة. ما زلت أذكر أعماله الكاملة، بغلافها الأحمر، وكأنني أمسك الآن بذلك الكتاب للمرة الأولى. لم تكن الدهشة في الكلمات وحدها، بل في ذلك الإحساس الغامض بأن الشعر يستطيع أن يلمس الروح من مكان لا تصل إليه اللغة العادية.

ومن أمل دنقل اتسعت الرحلة. لم أعد أبحث عن شاعر يشبه شاعرا آخر، بل عن عالم لا يشبه إلا نفسه. اكتشفت أحمد عبد المعطي حجازي، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش، وأدونيس، وعبد الوهاب البياتي، وفؤاد حداد، والأبنودي، وسيد حجاب، وأحمد فؤاد نجم، وغيرهم. ولم أشعر يوما أن أحدهم ينتقص من الآخر. على العكس، كان كل شاعر يضيف إلى داخلي نافذة جديدة، ويتركني أرى الحياة من زاوية لم أعرفها من قبل.

وهنا بدأت أكتشف، دون أن أقصد، أن الشعر لا يعرف المعارك التي يصنعها أصحابه. فالقصيدة لا تدخل في خصومة مع قصيدة أخرى، كما لا يدخل البحر في خصومة مع النهر. كلاهما ينتهي إلى الماء نفسه. أما نحن، فننشغل كثيرا بالأسماء، وننسى الجوهر.

ثم جاءت الجامعة، ولم تكن مجرد سنوات دراسة، بل كانت سنوات تعلمت فيها أن العقل لا يقل جمالا عن الخيال. على أيدي أساتذة كبار، مثل جابر عصفور، ونصر حامد أبو زيد، وسيد البحراوي، وشمس الدين حجاجي، وعبد المحسن طه بدر، اكتشفت أن المعرفة ليست حفظا لما قاله السابقون، وإنما قدرة على أن نسأل، وأن نراجع، وأن نمنح عقولنا حقها الكامل في الاختيار.

ولم يكن هذا الاكتشاف بعيدا عن الشعر، بل كان امتدادا له. فالشعر الحقيقي، مثل الفكر الحقيقي، لا يعيش إلا في فضاء الحرية.

لم تكن الجامعة مجرد مكان أتلقى فيه المعرفة، بل كانت المرة الأولى التي أدركت فيها أن السؤال قد يكون أكثر قيمة من الإجابة. تعلمت أن الفكر لا ينمو إلا إذا امتلك شجاعة الشك، وأن الحقيقة لا تخاف من الحوار، بل تخاف من اليقين المغلق. ولم يكن هذا بعيدا عن الشعر، فكل قصيدة عظيمة بدأت، في جوهرها، بسؤال لم يجرؤ غير شاعر عظيم على طرحه.

وفي تلك السنوات كنت مشغولا، مثل كثيرين من أبناء جيلي، بما يدور خارج الكتب أيضا. كنت أقترب من الأفكار جميعها، لا لأعتنقها، بل لأفهمها. أطرق أبوابا مختلفة، ثم أغادرها كلما شعرت أن السؤال أصبح ممنوعا، أو أن العقل لم يعد مرحبا به. كنت أبحث عن طريق يسمح للإنسان أن يظل إنسانا، وأن يظل حرا، حتى وهو يختلف.

ثم جاء ذلك اليوم الذي خرجت فيه الجامعة كلها عام ١٩٩١ أثناء مظاهرات حرب الخليج. لم أكن قد رأيت من قبل هذا العدد من الوجوه وهي تنبض بإحساس واحد. لم يكن المشهد سياسيا في ذاكرتي بقدر ما كان إنسانيا. للمرة الأولى شعرت أن الحرية، وإن لم يكن لها لون أو رائحة، تستطيع أن تملأ المكان حضورا. كانت لحظة عابرة، لكنها تركت في داخلي أثرا لم يغادرني أبدا. ومنذ ذلك اليوم أيقنت أن الإنسان، حين يخرج من خوفه، يصبح أكثر شبها بالقصيدة؛ لا يقبل القوالب الجاهزة، ولا يرضى أن يتكلم بلسان غيره.

وفي الوقت نفسه كانت مجلات مثل إبداع، والقاهرة، وفصول تفتح أمامنا أبوابا لم نكن نعرفها من قبل. لم تكن تقدم نصوصا جديدة فحسب، بل كانت تعلمنا أن الثقافة ليست ترفا، وإنما طريقة أخرى للدفاع عن العقل، وعن حق الإنسان في أن يرى العالم بعينيه، لا بعيون الآخرين.

وحين قرأت، لأول مرة، قصائد أحمد يماني، ومحمد متولي، وهالة لطفي، لم أسأل نفسي: أهذه قصائد عمودية أم تفعيلة أم نثر؟ لم يخطر لي هذا السؤال أصلا. كل ما شعرت به أنني أمام شعر حقيقي. شعر لا يطلب الإذن من أحد، ولا يستعير صوته من أحد، بل يولد من حاجته إلى أن يكون نفسه.

عندها بدأت أفهم أن المعارك التي كانت تشتعل بين أنصار العمود، والتفعيلة، وقصيدة النثر، لم تكن معارك الشعر، بل معارك الذين أرادوا أن يضعوا للشعر حدودا، بينما كان الشعر، في كل مرة، يبتسم ويعبرها.

ولم يكن اكتشافي لقصيدة النثر انقلابا على ما أحببت من قبل. لم أشعر أنني أغادر امرأ القيس إلى شاعر معاصر، أو أودع المتنبي لأصافح أدونيس. كنت أشعر أنني أواصل الرحلة نفسها، لكن في طريق آخر. فالقصيدة التي تهز القلب لا تسأل قارئها عن شكلها، وإنما تكتفي بأن تترك فيه أثرا لا يزول.

وربما لهذا كنت أحلم، في تلك السنوات، بكتابة نص لا تعوقه الحدود بين القصة والشعر والرواية، نص يستطيع أن يستفيد من السينما، ومن الصورة، ومن الموسيقى، ومن كل ما يجعل الفن أكثر قدرة على ملامسة الإنسان. ولم أكن أدرك وقتها أنني، في الحقيقة، لم أكن أبحث عن شكل جديد، بل كنت أبحث عن مساحة أوسع للحياة داخل الكتابة.

عدت إلى بورسعيد، لكنني كنت أشعر أن جزءا مني ما زال هناك، في القاهرة، بين قاعات الجامعة، وصفحات المجلات، وأحاديث الأصدقاء التي كانت تبدأ بالشعر، ولا تنتهي إلا بالحياة. أدركت يومها أن المدن لا تسكننا بأحيائها وشوارعها، وإنما بما توقظه فينا من أسئلة. وقد تركت القاهرة في داخلي سؤالا واحدا ظل يكبر مع الأيام: أين يسكن الشعر حقا؟

لم يطل انتظاري حتى وجدت رفقة جديدة من شعراء ومثقفي بورسعيد. لم يجمعنا اتفاق على مدرسة، ولا انتماء إلى شكل واحد من أشكال الكتابة، وإنما جمعنا ذلك الشغف القديم بالبحث. كنا نقرأ كل ما يقع تحت أيدينا، ونتتبع التجارب الجديدة كما نتتبع أصوات الرواد، ونختلف كثيرا، لكن اختلافنا كان يزيد الطريق اتساعا، ولا يحوله إلى ساحة حرب.

هناك أدركت أن الشعر الحقيقي لا يخاف من قصائد الشعر الملهمة والمختلفة. من يخاف هو الواهم وليس الشاعر، أما الموهبة الحقيقية فكلما رأت موهبة أخرى ازداد يقينها بأن الجمال لا يولد مرتين بالصورة نفسها.

كانت مجلات مثل الكتابة والجراد والفعل الشعري تصل إلينا كرسائل من أفق جديد. لم تكن تدعونا إلى هدم ما سبق، كما تصور البعض، بل كانت تقول لنا إن الطريق ما زال مفتوحا، وإن القصيدة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد. وكان ذلك كافيا لأزداد اقتناعا بأن كل عصر يضيف صوته إلى الأصوات التي سبقته، ولا يمحوها.

وفي تلك السنوات كنت أحاول أن أكتب نصا لا يعترف بالأسوار. كنت أشعر أن القصة تستطيع أن تستعير جناحي الشعر، وأن الشعر يستطيع أن يتعلم من السينما، وأن الصورة قد تقول أحيانا ما تعجز عنه البلاغة. لم يكن ذلك تمردا على الأجناس الأدبية، بقدر ما كان بحثا عن شكل يتسع لما أريد أن أقوله.

وحين أرسلت بعض كتاباتي إلى الناقد الكبير محمود أمين العالم، لم أكن أنتظر أكثر من رأي يطمئنني إلى أنني أسير في الطريق الصحيح. وحين وصلتني رسالته، وتوقفت أمام عبارته التي تحدث فيها عن «عطر خاص، وإيقاع خاص، وتمرد خاص»، لم أشعر أنني حصلت على شهادة، بقدر ما شعرت أن علي أن أواصل البحث، لأن الطريق الذي ينتهي لا يقود إلى الشعر.

ومع مرور السنوات تبدلت أشياء كثيرة. تبدلت الوجوه، وخفتت معارك، وظهرت معارك أخرى، لكن شيئا واحدا ظل ثابتا في داخلي: لم أجد قصيدة عظيمة لأنها التزمت بالشكل، ولم أرفض قصيدة لأنها خرجت عليه. كنت، في كل مرة، أبحث عن ذلك الوميض الذي يجعل الكلمات تتحول إلى حياة.

ومن هنا بدأت أفهم ما لم أكن أفهمه في البدايات.

كل الدارسين الجادين للأدب يدركون أن الإبداع لا يولد من فراغ، ولا يعيش بالقطيعة. إنه خبرة إنسانية تتراكم جيلا بعد جيل، يضيف فيها اللاحق إلى السابق، ولا يلغيه. ولهذا بقي المتنبي متربعا في مكانه، ولم يمنع حضوره أن يأتي بعده أبو تمام، أو أبو العلاء، أو أبو نواس، كما لم يمنع ظهور السياب، وصلاح عبد الصبور، والبياتي، ومحمود درويش، من أن يظل الشعر العربي محتفظا بجذوره الأولى.

ولم يكن التجديد، في يوم من الأيام، حربا على التراث. لقد كان أبو نواس يجدد، ثم جاءت الموشحات تفتح بابا آخر للموسيقى، ثم جاء شعراء المهجر، ثم قصيدة التفعيلة، وكل مرحلة كانت تضيف حجرا جديدا إلى البناء نفسه. لم يهدم أحد البيت، وإنما وسعه ليستقبل ساكنين جددا.

ولذلك لم أعد أفهم تلك الحروب التي تشتعل كلما ظهر شكل جديد. فالشعر لا يخاصم الشعر، كما لا يخاصم البحر النهر. كلاهما ينتهي إلى الماء نفسه، وكلاهما يمنح العطش اسما آخر.

ولذلك لم أعد أستطيع أن أنظر إلى الشعر كما كنت أنظر إليه في البدايات. لم يعد يعنيني اسم المدرسة، ولا شكل القصيدة، ولا اللافتة التي يرفعها شاعر فوق نصه. ما يعنيني هو ذلك الأثر الخفي الذي يتركه النص في القلب، وذلك الضوء الذي يضيفه إلى الحياة. فكم من قصيدة التزمت بكل القواعد، لكنها مرت بي كأنها لم تكن، وكم من قصيدة خرجت على المألوف، فإذا بها تفتح في داخلي بابا لم أكن أعرف أنه موجود.

ومع الأيام أدركت أن الشعر لم يكن يوما أسيرا لوزن واحد، ولا لقافية واحدة، ولا حتى لرؤية واحدة. فالتاريخ الأدبي نفسه يخبرنا أن كل عصر كان يعيد اكتشاف القصيدة بطريقته. وما فعله أبو نواس لم يكن إلا امتدادا لما بدأه من سبقوه، كما كانت الموشحات امتدادا آخر، ثم جاء شعراء المهجر، ثم قصيدة التفعيلة، وكل مرحلة كانت تضيف إلى الموسيقى العربية إمكانا جديدا، دون أن تمحو ما سبقها.

ولهذا كنت أبتسم كلما قرأت من يعلن موت شكل شعري، أو يبشر بانتصار شكل آخر. فالشعر لا يعرف هذه اللغة. الذي يعرفها هو التعصب، أما القصيدة فتمضي في طريقها، لا تعبأ بالضجيج، لأنها تعرف أن الزمن لا يحتفظ إلا بما يستحق البقاء.

ولعل أكثر ما تعلمته من رحلتي الطويلة أن الموهبة الحقيقية لا تخشى الاختلاف. الشاعر الواثق من صوته لا ينشغل بإقصاء غيره، لأنه يعرف أن لكل صوت نبرته، ولكل تجربة سماءها. أما الذي يخاف قصيدة غيره، فغالبا ما يكون قد فقد ثقته في قصيدته هو.

لهذا لم أعد أرى تلك المعارك التي تشتعل بين حين وآخر إلا سوء فهم لطبيعة الإبداع. فالأدب لم يكن يوما ميدانا ينتصر فيه طرف ويهزم آخر. إنه حديقة واسعة، تتجاور فيها الأشجار، وتختلف ألوان أزهارها، لكن الأرض التي تمنحها الحياة واحدة.

ربما لهذا السبب لم أندم على أي محطة عبرتها في رحلتي مع الشعر. لم أندم على وقوفي طويلا أمام امرئ القيس، ولا على دهشتي الأولى بأمل دنقل، ولا على انجذابي إلى قصيدة النثر، ولا على محاولتي أن أكتب نصا يتجاوز الحدود بين الفنون. فكل تلك الطرق، على اختلافها، كانت تقودني إلى المكان نفسه، وإن بدا لي وقتها أنها تسير في اتجاهات متباعدة.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، أشعر أنني لم أكن أبحث عن قصيدة عمودية، ولا عن قصيدة تفعيلة، ولا عن قصيدة نثر. كنت أبحث عن القصيدة التي تجعلني أخرج من قراءتها أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على الحب، وأكثر استعدادا لأن أندهش.

لهذا، كلما سمعت حديثا عن حرب جديدة بين الشعراء، ابتسمت في هدوء. ليس لأنني أملك الحقيقة، وإنما لأن الشعر نفسه علمني أن الحقيقة أوسع من أن تسكن شكلا واحدا.

لقد وجدت الشعر في معلقة جاهلية، كما وجدته في قصيدة للمتنبي، وفي نص لأمل دنقل، وفي قصيدة لا تعترف إلا بحريتها. وعرفت، بعد رحلة امتدت سنوات طويلة، أن القصيدة لا تولد عظيمة لأنها تشبه غيرها، ولا لأنها تختلف عنه، وإنما لأنها تنجح، ولو للحظة واحدة، في أن تمنح الحياة اسما جديدا.

ومنذ ذلك الوقت لم أعد أبحث عن الشعر لكي أكتبه، بل أصبحت أكتب لكي أبقى قريبا من الحياة. فكلما اتسعت الحياة في داخلي، اتسع الشعر معها، وكلما ضاقت، ضاق بها.

وأحسب أن هذه هي الرحلة كلها.

لقد بدأت أبحث عن الشعر…

ثم اكتشفت، متأخرا، أنني كنت أبحث عن الحياة.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع