دينا الحمامي
قيامات عكسية ومنتكسة
تنهض المجموعة القصصية (تقرير عن بوسي كات) للكاتب محمد عبد الجواد والصادرة عن دار تنمية، في 2025، على مجموعة من القيامات الرمزية التي تتخذ من التباين البنائي لعبةً دراميةً مراوغة.
تسير بعض القصص في بدايتها على وتيرة تأملية تتصاعد تدريجيًا حتى تصل إلى انفراجة قد لا تكون مُرضية لأبطالها، لكنها تحمل تهدئة رمزية يُعوَّل عليها القارئ. وقد تحتمل بعض القصص انكشافًا مبدئيًا يقود عادةً إلى انهيار يطال البطل ومن حوله.
المعروف عن تتابع القطع السردية، فقراتٍ كانت أم صفحات، أنه ينبغي أن يدفع الأحداث إلى الأمام، أو يكشف جانبًا من جوانب الشخوص، أو يجيب عن سؤال ما، أو يخلق تساؤلًا بعينه. وهذا النمط الأخير تحديدًا هو ما شكّل الهيكل العام للسرد القصصي في هذه المجموعة.
لا يقتصر هذا التباين على البناء السردي فقط؛ فمنذ المفتتح الشعري وحتى ختام النصوص، ترتكن القصص في مجملها إلى مفارقات ترتقي أحيانًا إلى درجة الأسطرة. وتنطلق الأسطورة غالبًا من حدث يومي بسيط، يتضخم انعكاسه مع الوقت ليخلق فراغًا دلاليًا يستوجب الملء من قبل القارئ، الذي قد يعثر على ارتواء لفضوله في قصص لاحقة.
بينما يرتكز جسد المجموعة على نمطٍ واعٍ من المزج بين الملهاة والمأساة، يحيل الشفرات إلى تفاصيل يومية مألوفة؛ فما هو مكرر وطبيعي يتحول إلى أسطورة منطقية جرى التأسيس لها، وما بدأ كدراما مأسطرة ينتهي إلى مُضحكة، جرى تكثيف ما قبلها عبر فضاء دلالي مرن يحتمل التأويلات، ويستخدم تكرار السقوط والصعود كدلالةً على إمكانية تدوير العبث وتمريره كجزءٍ أصيل من الحياة اليومية.
اللغة كسفرٍ للتأمل
يمتد هذا التنويع إلى اللغة، التي تتسم بالتمهل في الفقرات التي تكتب عبر سرد تأملي (reflective narrative) فيما نجد اللغة اللاهثة بعدما يعقد اتفاقا تأسيسيا بين النص المسرود والقاريء يصل فيه إلى مرحلة من المعرفة تسمح بحالة من التكثيف الشديد لإيقاع اللغة ذاتها، هناك بعض القصص التي عدلت في المزج بين نوعي السرد، كما جاء في قصتي “تقرير عن بوسي كات” و”أطفال الكورسال الثلاث عشرة.
بما أن الواقعية لا تعني ضمنًا اصطفاء الألفاظ النابية وجعله قيمة جمالية منفصلة بذاتها، إلا أن عبد الجواد قد استخدم عبارات من الشارع في الجمل الحوارية لإيقاظ القاريء كما في قصة بطل الخمسة آلاف جنيه، مع ملاحظة أن الحوارات قد مزجت بين الفصحى والعامية؛ القصة الأخيرة نموذجا، كما ورد على لسان أحد شخوصها: سامحني يا وسخ، لم أكن أعرفك جيدًا ظهر هذا التراوح بين لغة الشارع والفصحى في السرد نفسه، كنوعٍ من الشحن المشهدي، وتمثل قصة “آخر أيام الكوجا الذروة في توظيف هذا النمط من الجمل السردية داخل المجموعة.
الغرائز في خدمة الهامش
ورد الجنس كأداة للهروب الفردي أو الجماعي من واقع سريعٍ ومجنون، لا يصح للجسد إلا أن يلجأ فيه إلى التنفيس عن طريق مغامرات جنسية تفضي إلى كوارث جماعية كما حدث في قصة” أطفال الكورسال الثلاث عشرة”، ولا يستطيع الحب إلا أن يأتي كبرقة ضوء خاطفة وسط ظلام موحش.








