الأوطان تنزف دما والشطآن متاهة للأروح في رواية “شط الأروح”

amna

الغربي عمران

روايات عديدة بعد قراءتها لا أنسى شخصياتها وأبرز أحداثها، وتترك فيَّ أثر التعجب لأتساءل كيف صنع الكاتب أو الكاتبة كل ذلك الجمال والمتعة وأي مخيلة يمتلكها؟ ومن تلك الروايات رواية “شط الأرواح” للأديبة آمنة الرميلي، التي خرجت من عوالمها بعد آخر صفحة، وكم تمنيت وأنا أقترب من نهايتها لو أن ذلك السرد أستمر لصفحات أضعاف ما احتوته ألـ 270 صفحة، فماذا لو استمرت لتتجاوز الألف أو أكثر بذلك الزخم المدهش والعوالم الغرائبية؟ وبتلك التفاصيل الممتعة حد اللذة. لقد أتقنت كاتبتها تقريب شخصيات مجتمع روايتها المركب، بحيث أن كل شخصية لا تشبه شخصية أخرى من حيث همومها وتطلعاتها ونظرتها للحياة. وذلك الحوار الذي أدخلت عليها الروائية العامية التونسية الممتعة، حوارات رشيقة لا يوجد بها أي زوائد أو فضفضة، وفضاء الأمكنة المتعددة شوارع ومقاه مدينة إلى شواطئ تقذف بجثث من حاولوا العبور عبر البحر إلى الحلم، بوصفها الدقيق، وقد قدمتها للقارئ في لوحات سردية تنبض بالحياة حتى يخيل له أنه لا يقرأ وصفاً لشيء بعيداً عنه، بل أنها نجحت في منح القارئ إحساس أن جزء منه، ويتحرك ضمن أفراده. وفوق ذلك استخدمت الكاتبة الوصف المتداخل بالأحداث، رواية سرد وصفية، فالكاتبة لا يغرها الوصف المطول للأشخاص أو الأمكنة أو ما يجول بالنفس، بل اختارت مزج الفعل بالوصف، بحيث لا يمل: “يحرك رأسه كأنه يعجب من نفاقي. يتركني لشيء من الصمت ونفاذ الصبر. يشعل سيجارة، يقدم لي العلبة فأشكره بوضع يدي على صدري…” ويطول المقطع الذي يبين فن الكاتبة في ذلك المزج المدهش، وفي جمل قصيرة تبعث على القلق، وكأنها طلقات متتابعة من فم بندق.

حقيقة الأمر فقد دونت ملاحظات أثناء القراءة، وخطيت خطوط تحت جمل وعبارات لافتة، لكنني بعد أن أكملت قراءتها، ودعتني الرواية للكتابة عن دهشتي بها، وجدت نفسي حائراً، سائلا نفسي من أي أبدأ.. وهل إذا ما كتبت سأصل بالقارئ إلى نبض هذا العمل، وديناميكية أحداثه، وصخب أفكار باهية التي كُنت أرثى لها ولما يعتمل بداخلها من عذاب وحيرة من تساؤلات وأماني وقلق كثيرا ما تجتاها.

الرواية بدأتها الكاتبة من نهايتها، هذه ما أدركته حين إبحاري على صفحاتها حتى النهاية، حيث عنونت الصفحات الأولى بـ “حمْلٌ…” وقد ظهرت الشخصية الرئيسة “باهية” ترقد على سرير غرفة العمليات بغرض إجهاض ما في بطنها، لينتهي هذا الجزء بقول الطبيبة لها “ما هذا ياربي ما هذا ياباهية؟!” وهي تخرج ما في بطنها، ثم تنتقل الكاتبة بقارئها إلى فصل بعنوان “قد تكون الحكايات في بداياتها فارغة” ومن هذا الفصل وما تلاه من فصول الرواية الإحدى عشر عنواناً تسرد الشخصية المحورية ما تعيشه خارج المستشفى، ليكتشف القارئ مع نهاية تلك الفصول، ودخوله الجزء الأخير من الرواية، الذي بعنوان ” ثانيا: إجهاض” بأن الراوية كانت تحكي طول تلك الفصول حياة سابقة لدخولها المشفى، تحكي حياتها بعد انفصالها عن زوجها “مراد” الذي تزوج بأخرى بعد ذلك وأنجب ما كان يحلم به أن تنجب باهية ولد يتمرغ في إرثه. باهية سردت تعنتها لزوجها “مراد” الذي كان يحبها، ويسعى لإرضائها كما توصف، حد أن القارئ يتعاطف مع مراد الذي كان يسعى لإرضائها، بينما بدت هي مزاجية ومتسرعة حتى تركته، وطوال صفحات الرواية ومراد يظهر هنا وهناك في سردها، تحكي شذرات من حياتها معه “تهب فيَّ رغبة أن أغير ملابسي، أن أغتسل، أتشمم لحمي وأدباشي في قرف، رائحتي عادية ولكن رغبتي في الاغتسال وتبديل ملابسي تزداد تأججاً.. يضحك مراد:

– كل يوم وأنت غاطسة في البانيو؟ ماذا عندك فوق جلدك؟

أرد:

– المشكلة فيما تحت جلدي!

غالبا ما كان ينزع مراد ثيابه ويغطس معي في الماء…”

وهكذا نجد الساردة تتذكر لحظات من حياتها معه بين فصل وآخرـ الذي كان محبا وودودا ومتسامحا أمام نزقها ورفضها له، وقد بدت بطبيعة مضطربة وشخصية مركبة، ولم تكن “باهية” الوحيدة بشخصيتها متناقضة بل أن معظم شخصيات مجتمع الرواية ذات طبيعة مركبة وغرائبية. من خير الدين المنسي، أوما كما كانت تطلق عليه هي “الباشا”، إلى المانع…

الرواية لم تقدم شخصيات ذات حضور دائم، عدى باهية وخير الدين ومانع، وبقية الأسماء ظهرت بحضور لحظي عابر، ومنها: الهادي، مراد، حسان، فاطوماتا، ديبوا، الرجل مكسور السن، حياة، سالومي، رهف، نجود، كاتوا، بيانكا، شانجو، زهرة، منية، بية …

وقد استخدمت تلك الأسماء وقود للرواية إذ أن لكل منها حكايتها في حياة لا ينقصها عبث المجتمع، وكأنهم ممثلين لمجتمعات البؤس والشقاء: التونسي، والسوري والنيجيري والليبي والتشادي والسنيغالي … ومنها طفلة لا تتجاوز الخامسة يعتدى عليها جنسيا، وامرأة تسلب منها طفلتها، وأم تغتصب ويذبح زوجها، وأخرى تموت وهي تحتضن رضيعة وجدها خير الدين وقد تدلت أحشاءها، وبشر يبقرون لتنز أعضائهم، وآخرين يلقون في عرض البحر ليواجهوا مصيرهم…

تذهب الباهية لزيارة ذلك الشاطئ شطئ الأرواح، حيث مقبرة الغرباء، والمحمية بعد مراسلة خير الدين عبر الفيس بوك، وهو الذي يتولى بدفن ما يلفظهم البحر، وأثناء زيارتها تسمع منه حكايات وحكايات يقشعر لها بدنها، وتقرأ ما دونه في ملفات عديدة، عالم مخيف ومرعب حيث قضت معه ومع مساعده المانع ليلة واحدة، حيث غادرة قبل شروق الشمس ولم يعود، غادرت ذلك الساحل وحين عادت بعد أيام لم تجدهما، وسألت من التقتهم عن خير الدين ليخبروها بما لم تستوعبه، وأنه اختفى منذ ثلاث سنوات.

سرد غرائبي لأحداث وشخصيات غرائبية، تلك التي عاشتها باهية الصحفية، التي جذبتها حكايات شخصيات ساحل الأرواح، لتكتشف أن ذلك الساحل وسواحل مدن شرق وجنوب وشرق شمال البحر الأبيض تنتشر فيها شبكات التهريب والمتاجرة بالأروح والأعضاء البشرية، وقد وصفت أعضاء تلك الشبكة بالشخصيات ذوي السُن المكسورة من يسيطرون على تلك التجارة التي تتجاوز سواحل شمال إفريقيا إلى مجتمعات ما خلف الصحراء الكبرى.

أحداث الرواية لم تنسجها الكاتبة في نسق واحد، ولا بالأسلوب التصاعدي الواحد، بل اعتمدت على المراوحة لتشكلها في عدة أنساق حكائية، الباهية ومدير تحرير الصحيفة والعاملين بها، الباهية وخير الدين، الباهية ومراد من انفصلت عنه، وحيوات أخرى، تذهب إلى أبعد من ذلك إلى تلك الذكريات التي تتذكرها باهية أثناء سردها لحكاية، أو وصف مكان أو شخص، لتتشكل الرواية من عنقود أو عناقيد حكائية متصلة ومنفصلة، غير أن جميعها تتصل بحياة الباهية، إذ أستمرت الكاتبة تطرز الحكايات مشكلة مشاهد من عدة أزمنة ولعدة شخصيات ضمن سياق الأحداث التي تسردها، مثال وهي تحكي معاناتها من خروج خير الدين قبل طلوع الشمس ولم يعد، لتذهب بذكرياتها بعيدا وكأنها تواسي نفسها: “لم أحسن الإجابة مرة عن سؤال مباغت من تاجر مخدرات يبيع الروبافيكيا في أحد محطات المترو في حي التضامن…” وتلك الحكايات قد تتضمن عدة أسطر وقد تتجاوز الصفحة، لتعود باهية بعد ذلك إلى سرد ما كانت تسرده دون مقدمات أو تمهيد كما بدأت تشظياتها دون تمهيد.

أسلوب آخر حين تضع الكاتبة شخصياتها في موضع التساؤل، أو كمن يحكي أحجية، لتنطلق باهية بعد ذلك في جدل مع ذاتها وهو ما تميزت به هذا الشخصية إذ أن الجدل والتساؤلات ظلت رفيقتها، إذ تشد القارئ إلى ملعبها أو مسرحها المتمثل بعقلها الذي ظل في تفاعل حد أن يرثى لها القارئ، فكثيرا ما تضع نفسها في مواجهة مع نفسها: “يعيدني صوت بيانكا المنتحب إلى جحيمي الحقيقي، صحفية تبحث عن مثيرات لمقالاتها توسع بها قاعدة متابعيها…”، وأسطر أخرى وقد شبهت من يلفظهم البحر: “روحا تحمل وزر بلد منصرف البال إلى ما لا يخطر ببالك أنت طفلته ذات الخمس سنوات رماك الوطن أم أعداء الوطن، أم وطن عدو نفسه، يشرد أطفاله في آفاق البر والبحر؟ أتساءل وأؤكد لنفسي أنها أسئلة تافهة قميئة أمام جحيم الأذى الذي ينضح به جسد رهف” ورهف الطفلة التي تكرر المهرب الاعتداء عليها.

تنتهي الرواية بعودة باهية من الساحل بعد أن أكد لها من وجدتهم أنها واهمة بما تتحدث به عمن قابلتهم في الزيارة السابقة، وأنها على سرير المستشفى لا زالت كما بدأت في الصفحات الأولى للرواية والغريبة أن الطبيبة تخبرها أن شخص يدعى خير الدين قد زارها أثناء سبات تخديرها، لحظتها أصابها الذهول محاولة النهوض واللحاق به…

هنا يقف القارئ في حيرة فالرواية بأحداثها وشخصياتها وأمكنتها بنيت بصدق فني يكاد أن تكون تلك الشخصيات والأمكنة والأحداث حقيقة، ليغشاه ذهول من قدرة الكاتبة على التلاعب بتوقعاته التي خابت، فكل الخيوط التي أجادت الكاتبة النسج بها لا تنتهي كما كانت تخميناته، وأن الرواية تخللتها المفارقات الغريبة، وكأن الكاتبة أرادت أن تدخل مع قارئها في متاهات مخادعة. لينتهي من تلك اللعبة بما لا ينسى من أحداث وشخصيات.

في هذه المقاربة لم أتناول إلا القليل من جوانب الرواية فنيا وموضوعيا فهي رواية ذات زوايا وأوجه وثيمات متعددة.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع