محمد الكفراوي
تنطلق رواية “الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى” للروائي محمد البرمي من مفارقة لافتة، جسدتها فيما ينتمي للمفهوم القديم لنظرية “قتل الأب” التي كانت توحي رمزيا في الماضي بالرغبة في التنصل من التراث ونسيان الماضي بغرض الاستقلال الذاتي، والبناء العصامي للأدب والإبداع، انطلاقا من نزعة تمرد يعلنها الراوي منذ البداية في جملة قصيرة، تحمل دلالات على براعة الاستهلال “أنا أكتب لأني لم أسامح أبي”.
ترتكز الرواية إلى بطل وحد هو الراوي، نحن أمام قصة شخص نجح في الترقي بالسلم الاجتماعي، بعد نزوحه من قريته، ومعاناته في صخب المدينة وزحامها الضاغط على الروح، ليصبح أحد الشباب البارزين بعد الثورة، بل ويترقى في وظيفته وموقعه لصحفي من بعد عمله لفترة في ابتزاز شخصيات مختلفة، وهو منهج ونهج لمن علموه المهنة وجذبوه إليها بهذه الطريقة، ولكن يصبح هذ الشخص ثريا وعضوا في البرلمان ولديه أكثر من شقة وسيارة. وبيزنس خاص به لحمايته والارتكان إليه إذا حدث له شيء في معترك السياسة والصحافة.
يخرج البطل من قريته، ويحكي عن معاناته ورحيل والده وعلاقته بأسرته وقراره النزوح إلى العاصمة الزاخرة بالفرص. وبينما نجد بطلات لرواية لهن أسماء مثل “شيرين” و”رباب” و”مها” وغيرهن، لكن نجد هذا البطل، بطل الرواية بلا اسم، وهي نقطة لا تقتصر على البطل فقط بل تقريبا على كل الرجال في الرواية، فهناك زوج شيرين وهناك رئيس التحرير وهناك صاحب المقام. في لفتة توحي بالحكي على المشاع، بمعنى أن هذه الشخصيات لها طابع أمثولي ويمكن أن تنطبق على الكثيرين في الواقع.
يبدو الحدث الأهم في الرواية هو اختفاء شيرين وبحث زوجها وأختها أسماء عنها لفترة طويلة، وسؤال البطل عليها، شيرين تربطها علاقة حب أو نجذب تجاه البطل، تذهب إلى شقته مرة وتطلب أن تنم في حضنه بحنان، في مرة تالية يقرر البطل أن يوصل المغامرة حتى النهاية وأن يفترس شيرين، وبعد أن تخرج من شقته تختفي تماما ويبدأ السؤال عنها. وكنت قد هددت بالانتحار من قبل، لأنها تشك في علاقة بين زوجها وشقيقتها.
بطل الروية يواجه هذا الاختفاء بحالة هلع، يحاول أن يبقى متزنا، ألا يخسر كل شيء. يفكر في زواجه الذي ينهار وانفصاله عن حياة ابنته وزوجته، يفكر في الفضيحة التي تنتظره إذا شاع سر علاقته بشيرين، خصوصا وأنه نائب في البرلمان ويمثل ظاهرة من إفرازات الثورة التي مرت بالبلاد، وفي تلك الأثناء يقابل رباب التي تأخذه في جولات وحياة أخرى بعيدة عن محيطه وهمومه.
علاقة رباب سائقة الأجرة على التطبيق الإلكتروني والبطل النائب في البرلمان والصحفي الشهير المفترض تتصاعد، لدرجة أنها تأخذه إلى الأماكن التي تحبها وهو يفعل بالمثل، وتخبره بمحاولتها الانتحار أو اعتقاد الناس بذلك في حين أنها ألقت بنفسها في النيل ثم خرجت في خطوة طقوسية لولادة جديدة وفق أساطير وقصص وفلسفة المصريين القدماء.
يتلاقى البطل الذي بلا اسم ورباب في منطقة شائكة، منطقة “قتل الأب” أو استبعاده من حياتهما ورفضه لهما ورفضهما له، يبدو الغضب لدى رباب قويا تجاه والدها، وفي المقابل تتحدث عن محبتها لوالدتها التي تساعدها في السر. لكن تتبدى المصائر المشتتة والمضطربة في حياة كل منهما هي الأكثر جذبا للآخر.
تنعكس مخاوف البطل تجاه علاقته القديمة والمنتهية بوالده في رؤيته لأسرته الصغيرة وتخوفه من أن تراه ابنته بالصورة ذاتها، فيبدا بالتقرب منها لا إراديا ويذهب لإحضارها من المدرسة على غير المعتاد ويحاول أن يدخل عالمها في خطوات تتعجب منها زوجته لما بينهما من جفاء، ولاعتياده على تجاهل أسرته وانغماسه في العمل.
في نهاية الرواية نجد أنفسنا أمام حلول درامية محكمة تمثلت في عودة شيرين إلى زوجها بعد أن توصل لها زميلها الصحفي والنائب البرلماني عبر علاقاته النافذة، فقد وجدها عند طبيب استحوذ عليها ونفى معرفته بها في البداية لكنه بعد الضغط رضخ وقرر إعادتها لزوجها مع قصة عن إصابتها وفقدانها للذاكرة، وبالنسبة للبطل نجد أنفسنا أمام شخص طموح يسعى لتغيير حياته من خلال السفر إلى الخارج وترك كل مشاكله وحياته المعقدة خلفه، ويشرع في السفر وفق اتفاق وفرته له “رباب”، لكنه فجأة يغير رأيه ويقرر أن يستقر في مصر ويستحوذ على رئاسة تحرير الجريدة التي يعمل فيها بعد أن علم بوجود رغبة في التغيير وذهابه لمقابلة “صاحب المقام” الذي يدير مثل هذه الصفقات من الباطن ومن مسجد الحسين.
الرواية تضعنا إذن أمام نموذج للبطل الذي يقدم أي شيء ليحصل على طموحه، وينتقل من حال إلى حال، وكأننا أمام حالة تعبر عن إفرازات للثورة لمن استطاعوا أن يستغلوها ويتسلقوا في السلم الاجتماعي من خلالها. وتنتهي الرواية بمشهد دراماتيكي مفتوح حين يقرر البطل أن ينزل إلى النيل ليولد من جديد كما أخبرته رباب من قبل. وهو يفكر في هذا الأمر، ينهي كوب الشاي ويترك مفتاح سيارته ومتعلقاته بالسيارة ويتوجه إلى النيل ويقفز.












