طارق فراج
“تقول الأسطورة إن الإله رع شاخ؛ فسخر البشرُ من شيخوخته وتمردوا عليه، فاعتزلَ الأرضَ وأرسلَ فى طلب الآلهة؛ للتشاور فيما يفعل مع البشر، وأرسل حتحور لتقتل البشرَ المتمردين، لكنَّ رع تدخل، قبل أن تقضى حتحور على كل البشر؛ لإنقاذ الحياة على الأرض، وبدأ تنظيمًا جديدًا للكون، أخذ رع فيه مكانه فى مركب الشمس على ظهر نوت ربة السماء، وأمر ابنه شو أن يرفع السماء، ونطق رع باسم الطائر أبيس فجاء إلى الوجود؛ لكى يكون معاونًا لتحوت.”
يفتتح أبو عيشة روايته بأسطورة إفناء البشر وإعادة تنظيم الكون على يد رع وحتحور، ويختتمها بأسطورة صندوق باندورا. هذا التأطير الأسطوري ليس زخرفًا ثقافيًا، بل هو **مفتاح بنيوي**: فالرواية بأكملها تعيد إنتاج حكاية “الإله الشائخ الذي يتمرد عليه البشر” على مستوى مصغّر: العبد الأب الأسطوري الذي “مات مثل بطل من أبطال الأساطير القديمة”، وابنه عربي الذي “قذفها في رحم امرأة شهية… فجاء ابن سبعة… ليحقق النبوءة”. فالنص يشتغل بمنطق الأسطورة المتكررة: موت الإله/الأب يفتح الفوضى، وميلاد الابن “النبوءة” يواجه لعنة الأصل نفسها. هنا تكمن الفكرة النقدية اللامعة التي أقترحها: **الرواية “أنثروبولوجيا أسطورية مضادة”**، إذ تُنزّل الأساطير الكبرى (رع، صندوق باندورا) إلى فناء الدار الريفية، فيصبح العمى، والزنا، والقتل الرمزي للأخ، وموت الأب، تكرارًا أرضيًا لدراما إلهية عاجزة عن الفداء؛ الأمل في خاتمة باندورا يقابله في النص واقعٌ لا يُغلق صندوقه أبدًا.
ما يميز الرواية هو كسر آلية الراوي المعتادة عبر راوٍ يعلن عجزه صراحة: “فقد تشابكت الخيوط وأربكت المؤلف الذى يأخذ، على عاتقه، الأمر بجِدية مُطلقة، رغم أن البعض أعلن… موتَ المؤلف”. هذا الراوي يستخدم ضمير “نحن” الجمعي، ويتحاور مع “قارئنا العزيز”، ويعترف بأنه “لا يكذب، لكنه لا يقول الحقيقة”، مستعينًا بحكاية الفيل والعميان ليقرر أن “كلهم قال الحقيقة وكلهم كذب”. هذه التقنية تضع الرواية في سياق ما بعد الحداثة السردية، حيث يتحول الراوي من إله عليم إلى شاهد مرتبك يعترف بنسبية معرفته، وهو ما يمنح النص طبقة تأويلية إضافية: فحادثة “القتيلة الافتراضية” (الطفلة التي كاد عربي يقتلها) تبقى معلّقة عمدًا لتغدو ذنبًا لا يُحسم، وضميرًا معذَّبًا لا يجد قرارًا:
“فقتل قابيلُ هابيلَ، ليس من أجل امرأة كما يُشاع، بل من أجل قربان لم يحلُ في عين الرب، حسب روايات مقدسة تمثل الشريعة الناصعة، هناك دائمًا الجانب المظلم من وجه القمر، ولكل قصة أكثر من جانب، هذا ما تقوله النظريات الحديثة التى تعتمد القراءات اللانهائية، لكن الجانبين المؤكدين هما جانب الخير وجانب الشر، الجنة والنار، الأبيض والأسود، حسب زاوية النظر، زاوية عربى القاتل الافتراضى، أم زاوية القتيلة الافتراضية، التى نجت بمعجزة ربانية، لا نقول معجزة روائية، هل تذكرونها، الطفلة ذات السنوات الثمانى التى أُفلت رأسُها من العصا الغليظة، هل مازالت على قيد الحياة، لا نعرف…”.
كُتبت الرواية بأسلوب شديدة الكثافة؛ جملها القصيرة المتلاحقة تحاكي إيقاع النفس اللاهث: “تختنق بأنفاسٍ ثقيلةٍ… تختنق بالخوف، تختنق بالرعب، تختنق بالصمت”. وفي مشاهد الجسد والرغبة، تتحول اللغة إلى شبه نشيد وثني: “امرأة متأججة، آكلة أكباد البشر… ملكة نحل، تمنح نفسها كليًا لما تحب”. هذا الأسلوب “الباروكي” في وصف الشهوة يستدعي مدرسة الواقعية السحرية بقدر ما يستدعي التراث الصوفي المصري (تناص واضح مع لغة الحب الإلهي، إذ يُستعمل معجم “الوجد”، “الفناء”، “التوحد” لوصف علاقة جسدية محرّمة بين عربي وعفاف زوجة أخيه)، فتنشأ سخرية عميقة: اللغة المقدسة توظَّف لتمرير أشد الخطايا دنسًا، وهو اختيار جمالي جريء يفضح ازدواجية المجتمع الريفي بين تديّنه الشكلي وغرائزه المكبوتة.
تُبني شخصية “بلد” العمياء على مفارقة جوهرية: “العجوزُ لا تتكلم… العمياءُ كانت أكثر تبصرًا من المبصرين”. فقدانها البصر يتحول إلى أداة سردية لكشف زيف المرئي، وهي تقنية قريبة من “الراوي غير الموثوق” المعكوس — فالعمياء هنا هي الأكثر يقينًا وصدقًا وسط عالم مبصر لكنه أعمى أخلاقيًا. حين “تحسد أرواح الشهداء”، وحين تكلم الطيور والموتى، تتحول من شخصية هامشية إلى مرآة سردية تعكس فساد الجميع من حولها دون أن تنطق به. هذا التوظيف الرمزي للعمى/البصيرة ليس جديدًا في الأدب العربي (نجيب محفوظ، الطيب صالح)، لكن أبو عيشة يمنحه بعدًا حسيًا فائقًا عبر تفاصيل يومية دقيقة (الاعتماد على الرائحة، على ملمس الحائط) تجعل من عماها منظومة معرفية بديلة لا نقصًا.
الأحداث التاريخية هنا ذات خلفية أسطورية، فالوقائع الكبرى (موت جمال عبد الناصر، ثورة يناير 2011، أحداث السجون) تُنسج داخل النص بوصفها طبقة أسطورية موازية، لا كمعلومة توثيقية: “حين عبر حبيبُ الملايين إلى الجانب الآخر من العالم… لكنَّ المعبودَ كان شبحًا”، و”إشارة إلى اقتحام السجون في يناير 2011” في الهامش، والمشهد الجماعي لموت “بلد” وسط الزحام يُقرأ كاستعادة لمجزرة رمزية جماعية. بذلك يوازي أبو عيشة بين مصير الفرد (العبد، بلد، عربي) ومصير الأمة، فتتحول القرية الصغيرة إلى مجاز للوطن كله، وتصبح دورة الفساد العائلي (الأخ يخون الأخ، الابن يكرر خطيئة الأب) استعارة لدورة الاستبداد السياسي المتكرر:
“لم يكن على الحِجر غيره، لأنه وُلد على رأس البنات، أسموه حبشي خوفَ الحسد، وأخفوه خلف الأحجبة والتمائم وفساتين البنات، لم يعلنوا أنه ذكر، إلا في السبوع عندما جاءت رئيسة تشق عينيه بالكحل، نفحوها قُمع سكر سنترفيش، كان انتصارًا في المعركة الأزلية ضد الأعداء الطبعيين، الأعمام والعمات، والحماة التي تسمم ُبدنَ بلد، في الطلعة والنزّلة، وتُعاير العبدَ، بأن خيبته من خيبة أمه.”.
أرى أن هذه الرواية يمكن أن تُقرأ بوصفها “سِفر تكوين مضاد” إذ تعيد تأسيس أسطورة الخلق والسقوط لا في جنة عدن، بل في “دار” ريفية مصرية، حيث “الجنة” هي البيت الطيني، و”الخطيئة الأصلية” هي علاقة عربي بعفاف (زوجة أبيه رمزيًا)، و”الطرد من الجنة” هو تشتت العائلة وموت بلد. وبهذا تتجاوز الرواية الواقعية الريفية التقليدية (التي تكتفي بتوثيق حياة الفلاحين) إلى مستوى ميتافيزيقي يجعل من القرية مسرحًا كونيًا تتصارع فيه الآلهة القديمة (رع، حتحور) مع آلهة جديدة مزيفة (الزعيم، الأب، الحاج)، في حلقة عنف وغفران لا تنتهي، يبقى “الأمل” فيها معلّقًا كصندوق باندورا لم يُغلق قط.










