عبد الهادي عبد المطّلب
بين الإنسان والطبيعة علاقة تشكلت خصائصها وأواصرها منذ بدء الخليقة، حيث كان الانسجام وتبادل الأدوار التي تخدم الطرفين في تناغم بيّن تام، لكن هذا التناغم لم يُكتب له العمر الطويل، بل تفاقم الأمر إلى الأسوأ حتى اقترب من دائرة الكارثة، خصوصا في زمن الهجمات المنظّمة من طرف الإنسان على الإنسان وبيئته، هذه الهجمات لم تعد تعرف توقّفا أو تفكيرا أو وعيا بأهمية المصير الذي تسير إليه البيئة والإنسان على حدّ سواء، هي الكارثة التي خلخلت موازين القوى، وأعادت بناء مفاهيم جديدة للوجود والإنسان والبيئة، مما جعلها تفقد دورها الحقيقي الذي جُبِلت عليه.
ما يبدو ظاهريا، أن الاهتمام بالبيئة صار يأخذ حيّزا كبيرا في الثقافة والسياسة والشأن العام للإنسان، غير أن حقيقة الأمر لا تعدو أن تكون مجرّد دراسات ومواقف لا تتجاوز الكلام من أجل الكلام، حسب الطّلب والمناسبة، وينتهي الأمر بالتّصفيق الكاذب، لتدخل هذه المحاولات خانة الظّلّ، في انتظار أن تعاد الكرة من جديد حسب الطلب والمناسبة، إذ ما تفتأ تنطفئُ وتكون، كغيرها، صيحة في واد لا يُرجع الصدى.
إنّ الدّعوات إلى ضرورة تقدير البيئية والوعي بأهميتها، وتصادم هذه الدعوات مع حقيقة إعمار الأرض، وإصرار الإنسان على انتهاك الموارد الطبيعية واستنزافها، والبحث عن رفاهيته، لكن، وتجنّبا للكارثة، أو على الأقل، تأجيل موعدها، ظهر الأدب البيئي يحمل على عاتقه إعادة النظر في الحال والمآل البيئي بكل تمظهراته وتنويعاته، ورغم ظهوره المتأخّر للتّصدّي للكارثة، ومواجهة التهديدات، في محاولة لبعث صحوةٍ واعيةٍ تعيد التّوازنات للبيئة، وتجيب على أسئلتها الحارقة والمؤرقة.
دفع الوعي بالقضايا البيئية الأدباء إلى دق ناقوس الخطر الدّاهم والمهدّد، فكتبوا عن التّصحُّر والفيضانات المدمّرة، ونقص الموارد الحيوية، رغم أن هذا الوعي ليس وليد هذه الكوارث والأزمات، لكنّه رافق الإنسان منذ وجوده الأول فاستشكل عليه الأمر، ووقف في حيرة بين أن يحافظ على البيئة، أو استغلالها والسعي إلى رفاهيته وتقديم مصلحته.
2 ـ استخلاف الإنسان في الأرض..
جاء نهي الإسلام عن التّخريب والدمار والفساد في البيئة المحيطة بالإنسان في قوله تعالى: «ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها»[1]، وهو أمرٌ بالإصلاح لاستمرار الحياة، وتنبيهٌ بأنّ الإفساد في الأرض بعد إصلاحها الذي خُلقت له، أمر مخالف للطبيعة. والإفساد لغة: «إذهاب ما في الشيء من نفع وصلاحية، والفساد خروج الشيء عن حدّ الاعتدال، ويضادّه الصّلاح، أو هو تحول منفعة الشيء إلى مضرّة به أو بغيره»[2]، وقد أثار ابن خلدون هذه المسألة التي تذهب إلى تعطيل المورد مما يؤدي إلى تلوثه من جهة، وزواله من جهة أخرى[3]، وحتى تستقيم «هذه الخلافة حقق له(للإنسان) مقومين اثنين، أوّلهما العلم والعرفة والقدرة، والثاني تسخير البيئة له بما يفيده ويلبّي حاجاته…إذ الإنسان سيد في الكون وليس سيد الكون»[4]، وعليه أن يوجِد التناغم بينه وبين البيئة بعيدا عن البطش والاغتصاب والتبذير والإسراف الاستهلاكي والإسراف الإنتاجي.
إن الوعي بالإصلاح في الأرض ليس وليد الكوارث والأزمات البيئية، لكنه سؤال رافق الإنسان منذ وجوده الأول، فكان عليه أن يحمي موارده الطبيعية والحيوية، أو يحكم على نفسه بالدمار والاندثار، هذا الوعي استلزم مشاركته مع باقي مكونات العالم، حفظا للحياة وتقاسمها. لذا ومنذ القدم، خصوصا في العصر العبّاسي، ظهرت محاولات لبعض الأدباء، كالأصمعي، وابن قتيبة، وابن الأعرابي وغيرهم، كما ظهرت ترجمة كتاب «كليلة ودمنة» استخدمت فيه الحيوانات والطيور لا لأغراض علمية، بل لأغراض أدبية وفلسفية وسياسية. كما ظهر كتاب «الحيوان» للجاحظ الذي يرى أن الحيوانات تشتبك في صراع على البقاء والموارد حتى تتكاثر وحتى لا تفترسها حيوانات أخرى، كما أنّ هناك عوامل بيئية تساعد الكائنات على تطوير سمات جديدة لضمان بقاءها، هذه العوامل لسانٌ يتكلم ويخاطب به الإنسان، ليس كعدو، ولكن كضابطٍ لتوازناتها، ونشر الوعي بأدوارها، وما تتعرّض له من كوارث وأزمات تقرب الحياة من الهاوية. فالإنسان خليفة في الأرض وليس خليفة عليها، فهذه الخلافة، لا تعطيه الحق في الإفساد واستغلال البيئة ومواردها لصالحه من دون حماية من يقاسمه الأرض من نبات وحيوان.
الأدب البيئي وإنتاج الأسئلة..
إذا كان الاستخلاف مقروناً بالإصلاح، ونشر وتعزيز ما يحقق مصلحة الإنسان من غير إضرار بالبيئة ومن غير اعتداء، ولتحقيق هذا الاستخلاف بما يضمن استمرار الحياة، فقد عمد الإنسان إلى خلق توازن بينه وبين البيئة التي يحيا فيها، أولا للعيش الكريم وثانيا لتجنّب الكارثة، وقد سخّر لذلك ما يملك من الآليات التي تجعله في ارتباط دائم بالإصلاح، فجعل من الأدب مساحته الفضلى التي تمتد أمامه ليسارع الزّمن ويطرح الأسئلة التي تستنهض المقاومة والتّغيير للبناء والإعمار، ويفك الرموز التي تستعصي على الفكر المتلقي في محاولات للدفع به للانخراط في السؤال والمقاومة والتغيير، لتجاوز الأزمة وتغيير الحال، والبحث عن حلول تستجيب لتحسين التواصل والتفاعل الحي مع المحيط، وتنقية الأفكار والمعطيات وتركيز الإستراتيجيات لتستجيب للتغيير.
والأدب المرتبط بالبيئة، بوصفه أداة للوعي الجماعي، وطريقة للاستخلاف في الأرض، وحاملا لأسئلته وأدوات انتقاله من الدّهشة والتّأثير والتّأثّر إلى الرّصد والتّسجيل والتغيير، وهو ما نعني به الانتقال من الحال الآن إلى التفكير الفعّال في المآل والمستقبل، في تساوق مع واقع الإنسان الذي يسعى إلى بناء الحضارة الإنسانية بعيدا عن التّوسُّع والاستحواذ وانتهاج سياسة القوي الذي لا يُحاسَب على فعله، وإشاعة جو التعايش والاحترام، والاعتراف بحق الكائنات الأخرى، وحده، هذا الأدب، قادر على إعادة التفكير في المنظومة البيئية، وتخيّلها، والإسهام في تطويرها، واستدامة النّقاش حولها، إذ يبرز شاهدا ودليلا كلّما ألمّت بالإنسان ضائقة وشدّة، يقوم على المواجهة، والصّراع للتّغيير، لأنه ليس بمعزل عن العالم والإنسان، وما يخلق التّصدّعات بينهما، ليُصبح الأدب عموما و«الأدب البيئي» على وجه الخصوص، من هذا المنطلق، كيانا فاعلا بقوة في حياة الإنسان، إذ يمنحه سلطة التّواجُد بالطريقة التي يجب أن يتواجد عليها بفكر فعّال يبني ولا يهدم، ويرتفع به إلى حقيقة وجوده، واستخلافه في الأرض للإصلاح، وليس للدّمار للرّفاهية، بل لإنتاج الوعي على قاعدة فهم ومشاركة ما يحدث في هذا الكون مع الكائنات الأخرى.
تداعي الحيوانات على الإنسان.. رسالة إخوان الصفا نموذجا..
إذا كان الإنسان عنصرا من عناصر البيئة، وبوصفه كائناً حياً يشكل معها وحدة متناغمة يخدم أحدهما الآخر، فإنه في ذات الوقت، يعد الفاعل الأول في ظهور وتفاقم المشاكل والمخاطر البيئية، و«ما يطرأ عليها من عطل في أداء مهمّتها في إنماء الحياة ورعايتها وعلى رأسها حياة الإنسان، وذلك بأي سبب من الأسباب، سواء أكان انهيارا في مكوناتها أو اختلالا في توازنها أو اضطرابا في نظامها»[5] إلى جانب هذا، أعطى لهذه الكوارث التي أوجدها وأنتجها كل اهتماماته، إذ نظر فيها بعيداً عن الأسباب وما قاده إلى الكارثة، ولعلّ إحساسه بالذنب أو الخوف من الاندفاع الذي أصبح محسوم العواقب لا يهدد وجوده فحسب، وإنما يهدد حق الحياة للأجيال القادمة، دفعه لإيجاد أساليب جديدة للتّعاطي مع البيئة، لتحقيق الانتفاع بما تجود به وتحفظ مواردها للآتين من الناس.
وأدب البيئة «نشاط إبداعي مفكّر فيه، وبناء فني، تحرّكه مقصديات أيكولوجية وفنية وفلسفية، وقد تدفعه نوازع الخوف من اختلال العلاقات بين الكائنات وبيئتها، ومن ثم فهو مشاركة إبداعية تهدف إلى التّأسيس لوعي بيئي جديد يكفّ فيه البشر عن تخريب شروط الحياة، ويعاد فيه النّظر في أساليبهم في التّعامل مع الكائنات التي تقاسمهم الوجود على ظهر الكوكب، ومن ثم التّخفيف من المركزية التي ظل الإنسان يحتكرها لنفسه»[6]، لذا فإنّنا «نريد تغيير وتطويع عقلية، وتعميق وعي جماعي بالمصير التاريخي لنا جميعا..» يقول سعد الله ونوس.
وانطلاقا من الأسئلة التي أصبح يفرزها اقترابنا من الكارثة البيئية، وفي ظل التطورات المتسارعة والتغيرات الاجتماعية والبيئية والتكنولوجية، والتطور الرقمي، كان على الأدب البيئي خصوصا والفن عموما أن يواجه من أجل التغيير، لترسيخ عقلية جديدة تنهض على التقاسم، وتبادل الأدوار الكفيلة بدرء التصدعات البيئية التي تهدد الوجود.
تأتي رسالة[7] إخوان الصفا[8]، كنموذجا من نماذج كثيرة واجهت تمرد الإنسان على البيئة، والتنبيه بقرب الفناء ونهاية الكون، في محاولات صادقة لإعادة التوازن إلى نظامها، ونشر الوعي وتجديد علاقة الإنسان بمحيطه البيئي، فتصدّت رسالتهم المعنونة ب «تداعي الحيوانات على الإنسان» كأسلوب للمقاومة ودعوة للتغيير، فكانت، كما الأدب والفن عموما، فرجة تنطلق من خلالها الأفكار لتغذي الذات الإنسانية بأفكار التّغيير والانتباه للخطر، وتجعل من الإنسان مفكرا قادرا على الفعل الذي ينهض عليه الأدب، والتغيير الذي يهدف إليه، فهو حامل لرسائل وجودية إنسانية، وصراع بين العقل والأفكار لتحريكها وتحريضها وتجاوز لحظة الدهشة إلى التأثير وتمرير الأثر، واستمرار لحظة الانخراط في الفعل. فقضية البيئة لم تعد مجرد نقاش مناسباتي وجعجعة لتحصين مصالح أهل النّفوذ، بل قضية لا تقبل التأجيل أو النقاشات العقيمة والمكرورة، بل أصبحت مطلبا إبداعيا ملحا، لأنها تحمل داخلها ما يجعلها تجسد الكارثة الموشكة على الحدوث ومرآة تعكس الحقيقة المؤلمة. بقولهم: “لقد وضعنا هذه المواضيع في أفواه الحيوانات، لجعل القضية أكثر وضوحًا وأكثر إقناعًا، وأكثر لفتًا للانتباه في القول، وأكثر براعة، وأكثر حيوية، وأكثر فائدةً للمستمع، وأكثر تأثيرًا وإثارة للتّفكير في أخلاقياتها”.[9]
وقد اتخذ الأولون من الكتابة أشكالا سردية تفرض الانتباه إلى الكارثة المحدّقة بالإنسان، من دون اعتبارها تستهدف المستضعفين، بل إن تصاعد الوعي البيئي وتصاعد أصوات المفكرين والمثقفين ضد الانتهاكات الخطيرة التي تتعرض لها البيئة، ساهم في بروز ونشأة أدبٍ سُمّي فيما بعد أدبا بيئياً ما زال قيد التشكّل والتّأسيس، إذ ليس كل ما تمّت كتابته عن الطّبيعة أدبا بيئيا له مواصفات خاصة، فكانت الإبداعات تحفل بالطبيعة، من شعر ونثر تتجاوز مفهوم البيئة إلى علاقة أكبر، علاقة إبداع وفكر وفن، يُصرّف داخله مقصديات إيكولوجية دون أن يعلم يذلك، أو بدافع الخوف من الدنوّ من الكارثة، إذ الكارثة لا تطرح لديه إشكالا يجب الخوض فيه، أو تقديم أساليب الوعي بالتخريب لشروط الحياة، وإعادة الاعتبار للتواؤم والانسجام بين الإنسان والبيئة، فهذا الهاجس غير مطروح أو مفكّر فيه.
هذا ما تؤكّده رسائل إخوان الصفا، خصوصا في الرسالة رقم 22 التي تضم النص الذي نحن بصدده والذي يحمل عنوان «تداعي الحيوان على الإنسان»، إذ تُعدّ من أوائل النّصوص في الفكر الإسلامي التي توحي بحقوق الحيوان وضرورة احترام الإنسان للطّبيعة، فبالرّغم من أن مصطلح «بيئة» لم يكن يحظى في عصر إخوان الصفا، ومن سبقهم أو جاء بعدهم، بالعناية والتحليل والنّقاش، إلاّ أن هناك إشارات وتلميحات واضحة في الرسائل، تقترب من المفاهيم الحديثة في الفكر أو الأدب الحديث.
وقد اتخذت هذه الرسائل موقف المواجهة، ومحاولة تأسيس علاقة الإنسان بالبيئة على مبدأ المساواة والاحترام وتقاسم الحياة، بدل الإخضاع والإذلال والسيطرة، تتخيل هذه الرسالة مَحْكمة خيالية تقيمها الحيوانات ضد الإنسان، يشتكون فيها ظلمه وجبروته واستغلاله لهم بغير حق. كما تبرز الرسالة العلاقة المعقّدة بين الإنسان والكائنات الأخرى التي وُجدت لخدمته وتوفير أسباب السعادة لديه من غير ظلم، «إن هذا الإنسان لم يرضَ أن يستعبدنا، بل تجاوز الحدّ، فسفك دمنا، وقطع أعضاءنا، وسلب جلودنا، وأتلف أوصالنا، وأخذ أولادنا، وسخّرنا في أعماله الشّاقّة»[10]، «لقد كنّا قبله في الأرض نعيش آمنين مطمئنين، نرتع في رياضها، ونشرب من أنهارها، ولا نؤذي أحداً ولا نؤذى، حتّى ظهر هذا المخلوق المدعو إنساناً، فبدّل حالنا، وأخلّ نظامنا»[11].
تُعدّ الرسالة من أوائل النّصوص التي تتبنّى تصوراً لموقف الإنسان تجاه الحيوان والطبيعة، مستعملة الأسلوب القصصي والرمزي لتوصيل رسائل فلسفية وأخلاقية ذات بعدٍ بيئي، كما ألهمت فيما بعد كتابات رمزية مثل «حي بن يقظان» لابن طفيل.
كما أثّرت في التُّراث السّردي، وفتحت لأشكال من الأدب الذي يناقش علاقة الإنسان بالبيئة، ومهّدوا لظهور ما سُمّي فيما بعد بالأدب البيئي، رغم أنهم حين كتابة هذه الرسائل، لم يكتبوا نصوصا بيئية بالمفهوم الحديث، ولم يكن في حسبانهم ذلك، لكنّهم أسّسوا لبُعد أخلاقي وفلسفي للعلاقة بين الإنسان والطبيعة كان له أثر لاحق في ظهور وعي بيئي.
الأدب في زمن الكارثة..
الأدب يخوض زمانه، ينصهر فيه ويحياه، يتفاعل معه، يوثّق المعاناة الإنسانية، يعكس الصّراع من أجل البقاء، وتقاسم الحقوق بالعدل والمساواة، ليتحول إلى واسطة لفهم الواقع وما يعتمل داخله من أزمات وكوارث ومآسي للتّأقلم معها نفسيا وفكريا، شعراً كان أو رواية أو قصة، عبر تخييل عالم حي جدير بالحياة والعيش الكريم، وطرح الأسئلة عن معنى وغاية الوجود والإنسان وباقي الكائنات، والتفاعل بينهما. غير أن الأدب في زمن الكوارث البيئية خصوصا، لأنها مجال حديثنا هنا، يتخذ شكلا خاصّاً أكثر عمقا وتعبيرا عن الإنسان، لأنه يولد لحظة تشتدّ فيها الكروب عليه، وتصبح، تبعاً لذلك، الكلمة شهادة وتوثيقا ومقاومة ودعوة للفهم والتغيير، وكشف الأسباب، وإحياء فكرة الانسجام مع الطبيعة ضد ثقافة الاستهلاك التي تقرب الإنسان من الكارثة.
يزخر الأدب، الشعر والسرد والمسرح، بكتابات والتفاتات تنبِّه بخطورة اقتراب الكارثة في زمن لا يعترف إلا بالاستهلاك الممنهج والسّائب، أو التي أشارت في سياق الحديث إلى هذه الخطورة، نذكر منها مثلا، «رجال في الشمس»[12]، «مدن الملح»[13]،«مديح الظل العالي»[14]، ومن الكتابات العالمية يمكن ذكر رواية الطاعون»[15]، ««سنة الفيضان»[16]، «الطوفان»[17]، وغيرها من النّصوص التي دقت ناقوس الخطر، وحذّرت من اقتراب الكارثة.
الأدب بكل تمفصلاته وتفريعاته، يلتقي في مدار واحد تصب فيه جميع الروافد، بما في ذلك البيئة كتيمة أو موضوع للتنبيه أو التذكير، خصوصا وأن الكارثة البيئية الناتجة عن التغيّر المناخي أو التّدخّل الأرعن للإنسان، أصبحت محطّ اهتمام الكتاب والشعراء والمسرحيين، إذ لم يعد السرد كافيا خصوصا وأن الكارثة بيّنة مخاطرها، محدقة بالإنسان والحياة، بل أصبح عليه أن يتجاوز ذلك إلى نحت المعنى من تحت المخبوء والمستور والمسكوت عنه، فيلبس لبوس المقاومة والتّصدّي والبحث عن آليات المواجهة لمحاولة التّغيير، لإعادة الإعمار، وبناء الإنسان الواعي بمحيطه، وإثارة إحساسه بالمسؤولية الكبيرة تجاه بيئته من خلال الرمز والوصف والمجاز واللون والإيقاع، مما يدفع بالإنسان إلى التّفكير الواعي بعالمه الطّبيعي والعمل على المحافظة عليه.
خاتمة..
صحيح أن الأدب البيئي لا يقدّم حلولا علمية لمشاكل البيئة، لكنه يتعامل مع الوجدان والإحساس والتخييل، ويستنهض الهمم، مسانداً باقي الفنون الأخرى، لتقوية الوعي الإيكولوجي، فاتحاً الأفق الإنساني على التّأمّل والشعور بالكائنات الأخرى، وموجِداً تناغماً لحياة أفضل، ومانحاً أداة للكشف وتعرية المخبوء والمسكوت عنه، حين يجعل من تيمة البيئة سلاحا لفضح تهوّر الإنسان وحماقاته تجاه ما يحمي سيرورته في الوجود، عبر آليات رمزية وجمالية وفنية، تمكّن من انفتاح المتلقي على التّأويلات المتنوعة التي تزيد من تعميق الوعي بأهمية البيئة، وتوسّع مجالات الاهتمام بالقضايا الإنسانية التي بدأت تستكين إلى الظّل، نسيانا أو لا مبالاة. إن محاولة الأدب الكشف عن مضمرات النّفس البشرية في علاقتها مع الذات والآخر والمحيط البيئي لخلق أفق للتّفكير، وإدانة الحال، وفهمه لبناء المآل على قواعد تنهض على الاحترام والتّآلف، وتمرير رسالات تنبيهية للوعي بالخطر الدّاهم المهدّد للوجود، لهذا، يظل الآدب عموما، والأدب البيئي على وجه الخصوص، شديد الارتباط بالوجود الإنساني المؤسَّس على الحاجات البيولوجية والعقلية والأخلاقية. وما دامت الأزمة قائمة تهدد الوجود الإنساني، وما دامت الكارثة تقترب لتبتلع كل شيء، فإن الأدب، إلى جانب باقي الفنون، سيظل يبحث في مجالات الكشف عن آفاق التغيير والتفكير لوضع الإنسان وتصرفاته موضع السؤال وتحمّل المسؤولية، إيمانا منه، لتغيير التّعاطي مع مسببات الكارثة، ومضاعفة الحرص على الإيمان بضرورة الوقوف عند الأسباب، ومحاولة إيجاد وحدة متناغمة من الإجراءات القمينة بإشراك الإنسان في عمق الأسئلة الكبرى لوقف الزحف الهادر للكارثة.
تساوقاً مع هذا الأدب، برز النقد البيئي كأداة لتسليط الضّوء على العلاقة بين الإنسان والبيئة وتعزيزها، وكشف آثار السلوك البشري على البيئة، إيجابا أو سلباً، وتعزيز الوعي بأهميته للمحافظة عليها. عبر هذا النقد، إذ كل نقد فهو كشف ما خفي من النص، ووضع العمل المقروء في سياقه التاريخي والثقافي والاجتماعي، وتحديد مدى نجاح النص في تحقيق غاياته، ومحاولة ربط المقروء بقضايا الإنسان الكبرى، يتمُّ تحليل النصوص لفهم انعكاس البيئة وتحدّياتها على الأدب والفنون عموما، مُحذِّراً من المخاطر والكوارث المدمّرة للحياة، ومبيّناً التّدهور البيئي معزّزاً الوعي البيئي، ناقدا ثقافة الاستهلاك التي همّشت هذا الوعي جرياً وراء والرفاهية والربح.
…………………………
[1] قرآن كريم. سورة الأعراف, الآية 85.
[2] الراغب الأصفهاني. المفردات في غريب القرآن. دار المعرفة. بيروت. (ص 379).
[3] ابن خلدون. المقدمة. (382).
[4] د محمد عمارة. العطاء الحضاري للإسلام. سلسلة إقرأ رقم 626. دار المعارف. (ص 158).
[5] عبد المجيد عمر النجار. قضايا البيئة من منظور إسلامي. الدوحة. قطر. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. ط 1. 1999. (ص 46).
[6] خميسي آدمي. من أجل لغة خضراء. محاولة في فهم أدب البيئة ونقده. مجلة أبوليوس المجلد 8 العدد 2 يوليوز 2021 (ص107).
[7] إخوان الصفا. الحيوان والإنسان (مخطوط). دار الترقي مصر 1900م. (ص من 1 إلى 10).
[8] مجموعة من الفلاسفة العرب المسلمين\ن عاشوا في القرن العاشر الميلادي (الثالث الهجري) في مدينة البصرة جنوب العراق. ينسب إليهم كتاب: «رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا».
[9] إخوان الصفا. رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء. مراجعة خير الدين الزركلي. الناشر مؤسسة همداوي 2018.
[10] نفس المصدر
[11] نفس المصدر
[12] غسان كنفاني. رجال في الشمس. رواية رغم أنها لا تتحدّث عن كارثة طبيعية مباشرة، إلا أنها تكشف اثر البيئة الصحراوية على الإنسان حين تستحضر العطش وحرارة الشمس القاتلة، مما يجعل الطبيعة قوة مأساوية.
[13] عبد الرحمن منيف. مدن الملح. روايات توثق لتحولات البيئة الصحراوية بعد اكتشاف النفط، وتدمير النظام البيئي التقليدي وانتشار التّصحّر الصناعي والتلوث.
[14] محمود درويش. مديح الظل العالي. قصيدة شعرية تصف الأرض الجريحة.
[15] ألبير كامو. الطّاعون. الرواية رغم معالجتها لوباء الطّاعون، إلا أنها تكشف حدثا غير النظام الاجتماعي والنفسي وتكشف هشاشة الحضارة أمام القوى الخارجة عن سيطرة الإنسان.
[16] مارغريت أتوود. سنة الفيضان. رواية تتحدّث عن الانهيار البيئي بسبب التلوث والتجارب البيوتكنولوجية.
[17] ستيفن باكستير. الطوفان. رواية تتخيل ذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار حتى تغرق الأرض وتناقش بقاء الإنسان في المواجهة.


















