فتحي مهذب
الوصية
حين ألتحق بالرفيق الأعلى..
على دراجة هوائية سريعة..
أو على ظهر أرخميدس..
دقوا الطبول والأجراس..
أشعلوا النار ودوروا حول جدائلها..
مثل هنود حمر ..
أو متصوف يرمي عظامه
ويطير..
لا تذروا الطواويس تسير في جنازتي..
احتجزوا الريح مثل ثعلب ..
هبوا نظاراتي لطائر العقعق..
حذائي لغوريلا أعزب..
ملابسي الداخلية إلى هيكل عظمي..
قبعتي إلى كاهن أفرغ روحه
في جرن المسكوت عنه..
صوتي إلى هدهد محنط..
سريري إلى قبار مبتدئ..
قاربي إلى مهاجر عالق في مضيق النوم..
حين ألتحق بالرفيق الأعلى..
تاركا كدمات زرقاء على جسد الأرض..
آثارا غريبة في رحم الكلمات..
كلبا مسنا يجر عربة اللاوعي..
حصان بؤسي اليومي ..
أيقظوا غيمة الأرملة ..
أطلقوا الرصاص في الهواء..
وذروا الطيور تنقر قمح جمجمتي..
دقوا الأجراس والطبول..
أشعلوا النار وضعوا جثتي..
بهدوء الحكماء..
أهدوا قنينة رمادي إلى كلبي الوفي.
***
أرانب جيدة من الضحك الناعم
الموتى أعمى بعكازة طويلة
كلما طرق باب حجرتي
أمنحه أرنبا ناعما من الضحك العبثي
يبتلعه مثل ثعلب
يشكرني رافعا قبعته لي
ليختفي في الضباب الكثيف
صرت أربي أرانب كثيرة
من الضحك الناعم
فوق الجسر المدجج بالقتلة
في قاع الباص الصاعد إلى قمم اللاجدوى
في خيمة الجنون
حيث تحتشد أيامنا المقتولة بسم الشوكران
صلواتنا التي تبخرت في قطار العمر
في المواخير التي التهمت فستق شهواتنا
صار يتبعني مسنون من الخريف الفائت
ناجون من مذبحة الحزن الجماعية
كلما طرق الموت باب حجراتهم
يلقمونه أرانب ذهبية من الضحك الناعم
وبذلك طالت أعمارهم مثل حبال المراكب
لم يموتوا بعد
رغم غزارة السنوات التي في جعبتهم
رغم الرماد الذي يملأ سلالهم المثقوبة
رغم الفهود التي يطلقها الرب
طوال الوقت
وراء حشود الغرباء
لذلك امتلأت بيوتنا بأرانب جيدة من الضحك الناعم
وصار الموت صديقا لا يرغب في شيء غير مزيد من الأرانب.
***
قيامة ريتا
قلت لذئبك الحزين يا ريتا
ذئبك الذي يلتهم شياه كلماتي
سأفترس غيمتك وأعبر الجسر إلى ريتا
أنا طائر ريتا
جئت من أصقاع السحر والأسطورة
لأشحذ نهرك المتجمد بالشمس والموسيقى.
قلت لفراشة ترتج في الهواء
مأخوذة بتويجات الزهر
أرأيت ريتا؟
في ثوب فراشة حزينة
تلاحقها عتمة خفيفة من الضجر
أسمعت بحة ريتا
موالها المكسور في الغابات
وفي حقل الذرة
أسمعت دقات دموع ريتا..
خطوة عينيها المتلعثمتين في نهر الشفق
أرأيت الهنود الحمر
يتبعون حصانها الشمسي
إلى جزر النار
قلت للجرة المكسورة
هل ذهبت ريتا إلى الفراغ العدمي؟
قلت للحمامة النائحة
على الأسوار
أتبكين ريتا
قمح ريتا الذي سرقته البنادق
خبز ريتا الذي هاجمته الثعالب
قلت للوردة الحزينة
أنت ريتا
جوهر ريتا البديهي
روحها العذبة في الحدائق
ضحكتها التي مزقوا شالها الذهبي
قلت للنهر المتدحرج
أنت دموع ريتا
قلت لقائد الأوركسترا
ضمد جروح ريتا
عمد روح ريتا
لنبعث روح الله في كلمات ريتا
لنطرد عنكبوت الحزن من وجه ريتا
قلت : المراكب متجهة إلى قلبك يا ريتا
السمك المتلامع في الماء
يمجد إسمك يا ريتا
أرفض موتك يا ريتا
عذابك اليومي
خراب أزقتك الجميلة
موت كنائسك العذبة يا ريتا
سقوط بستانك في الأسر
صباحاتك الحلوة في قبضة الشرطي.
قلت للشجرة الهادئة
أنت ريتا
قامتها المكللة بالعصافير
براعمها الموسمية
ظلها المتحرك بخطى العصافير
قلت للمطر
ستقوم ريتا من مرقدها
ستقبلنا جميعا في براري النوم
تمنحنا الينابيع والذهب والمجد والبركات.
**
لا تقتربوا كثيرا
لا تقتربوا كثيرا من نصوصي في الليل.
إنها مسكونة بالأشباح الشريرة.
بريش حمامة مكسورة الخاطر.
بإيقاع الموتى في قاع الجحيم.
ببنادق تنبح طوال الليل.
تنادي جنودا ماتوا مشنوقين
في حجرة النسيان المظلمة.
بزئير شعراء ماتوا مختنقين في خرم الإبرة.
لا تقتربوا كثيرا من نصوصي في العتمة.
أنا ملعون ملعون ملعون.
كلماتي شر محض.
قطط مسحورة تلهو بقبعة الناقد العبثي.
رائحة إله نافق.
أرجوكم لا تقتربوا كثيرا.
ثمة سحرة كثر يطفون فوق مياه نصوصي.
ثمة فراغ طازج يهشم أبواب المعنى.
ثمة قطار عائلي يبكي مثل أرملة.
أنا ملعون.
نصوصي مقززة ومخيفة.
ثمة قناص يسعل في شرفات العبارة.
ذئاب شرسة ستلاحقكم في مماليك النوم.
أنا ملعون وبئري مليئة بالخدع.
لا تقتربوا
مات نقاد كثيرون في غابة قلبي.
وجنوني مدجج بهنود حمر.
اللعنة تلو اللعنة تلو اللعنة.
رجيم وموحش وبدائي.
ضرير صانع مرايا اللامعنى.
أكسر أفق المتلقي بجزمة قائد الأوركسترا.
خاطف القراء في العتمات .
أنا الهاوية .
لا تقتربوا كثيرا.
**
دم الفلسطيني أقحوانات ومصابيح.
** من دم الفلسطيني
تطلع أقحوانات
تحف نادرة لإسعاد المعتقلين.
تطفر فراشة المستقبل
بجناحين من الذهب الخالص.
دم الفلسطيني مصباح
سيكون ديوجين ضيفنا الأبدي
سيعيد الله صياغة العالم
سيكون دم الفلسطيني
صلصاله الفاخر.
ليقيم مدنا عذبة
لناس جيدين
دم الفلسطيني بندقية
ستسقط الخفافيش
الواحد تلو الآخر
ستفضحهم زرقاء اليمامة
في مفترق قوس قزح
ستسقطون في الهوة السوداء
في حفر النسيان المريعة
الدم الفلسطيني
موسيقى المستقبل.
يذهب الله إلى غزة
ليخلص الهنود الحمر من شرك اللامعنى
تطير الحمامة
وتحط في غزة
لتقيم عشها الأبدي قشة قشة
يذهب الميت إلى قيامته
محمولا على أجنحة الأحباب
يذهب الهواء إلى غزة
يطيل أظافره في الحرب
ومن أصابعه تتبجس رائحة الأموات
ستعيد العنقاء صياغة الرماد
ستكون الشمس أختنا المقدسة
سيختفي الجنود في الضباب
وتمطر الأرامل في دار الأوبرا.
اطردوا الثعلب من شقوق المخيلة
لتكون قواربنا ملأى بأسماك النور
وبيوتنا مصبات أنهار
لتكون بنادقنا خبزنا اليومي
نساؤنا غواصات لقتل الثعلب العدمي.
أطفالنا فراشات آذار
ستكون غزة بيت الله
وضيعته الحبيبة.
***
الذهاب إلى الوراء بأقدام مجنحة
لا شيء مستحيل على الإطلاق
باستطاعتنا فعل كل شيء
طرد المسلمات المتعفنة من البيت
قلب نظام الأشياء بضحكة مجلجلة
إنتشال صداقتنا البريئة من قاع الجب
تقليم أظافر الكلمات القاسية
الذهاب إلى الوراء قليلا
بأقدام مجنحة
لتنقيح أسطورتنا الخارقة
من شوائب البراقماتيزم
إذن لنعقد صفقة تبادل عاجلة
تحت شجرة الأكاليبتوس
أو في ملهى ليلي
تحرسه نمور من السافانا
أحرر قبلاتك من أنفاق روحي
وتحررين أسرى كلماتي
من معتقل اللامبالاة
أشهد أني خسرت الكثير
في هذه الحرب القذرة
تفتحين النار على طوابق الفوبيا
في حديقة رأسي
تفتحين النار على سرب صلواتنا
تدمرين أبراج ذكرياتنا بدم بارد
تدمرين الأرجوحة التي صنعناها من ريش النعام
من جدائل الموسيقى الناعمة
نافق حمام علاقاتنا الباردة
ممتلىء جدا هذا الفراغ
بثعالب الوقت
مجنزرات العزلة تضرب في منحدراتي
القنابل لها طعم الفراولو
وموتاي يدقون الطبول
أمام دار الأوبرا
فوق الجسر المتحرك
تصغين لنأمة أصابعي
إذ تنقل مشاهد الحرب
تحت القصف الكثيف
عدوانية مفرطة
تمارسها كلماتك المحتشدة
بقذائف الآربجي
تقتلين الأشياء الجميلة
بكتيبة من القلق الفلسفي
لنعقد صفقة نهائية
تخلصين روحي الأسيرة
من قبضتك الحديدية
وأطلق سراح مائة وعشرين أسيرا
من جنودك المرتزقة
أعيد إليك سماءك زرقاء
كما لو في عز البدايات
أعيد طفولتك
في سلة مليئة بالفستق
وتعيدين لي ذهب المتصوفة
ومفاتيح المدينة المقفلة
أنا متعب جدا
يداي متهدلتان مثل شفتي عجوز
وللأشياء طعم الرصاص الحي
الحرب افترست كل شيء
مخيمات اللاجئين في طابوق قلبي
طائراتك الوقحة لا تعرف النوم
إيقاع الجنازات موجع للغاية
روحي متفحمة جدا
الأطباء ماتوا بسكتة دماغية
الأمكنة فارغة مثل عيون الموتى
الربوة مطرزة بالجثث
الخراب يطال كل شيء
لنعقد صفقة نهائية
ونطرد الشياطين من فردوسنا
نطرد الشك مثل لص براقماتي
من شرفة روحينا المتنافرتين
نطرد بوم الضغينة من غابة الكلمات
نعيد الينابيع الصافية إلى كلماتنا الحزينة
لننه الحرب
ونتبادل جميع الأسرى في كنيسة ما
نقيم مأدبة عشاء سري
أمام تمثال مريم العذراء
نصلي على إيقاع السلام الأبدي
نعمد روحينا المتعبتين بمياه المحبة
ولتذهب الحرب إلى مملكة هاديس.
**
أتسمعني جيدا؟
(جاد) أتسمعني جيدا؟
أتسمع خطوات قلبي بين الأنقاض؟
قلبي الذي يحلق كطائر واقواق
حاملا وجبة من الضوء
إلى سنواتك القادمة
أتسمع كلماتي وهي تتساقط أشلاء
على الإسفلت مثل حمام نافق؟
بح صوت الأرجوحة يا( جاد )
وهي تنادي باسمك
لترتاح من زئير الفراغ
الشمس حزينة يا (جاد)
تقترب كثيرا من شباك حجرتك
بوجه رمادي وابتسامة داكنة
مكسوة بقلق مداري خانق
شجرة التوت مهددة بالعمى
شبه مظلمة ومتداعية جدا
تناديك بغصونها النحيلة
بعينين مكسوتين بالغيوم والنوستالجيا
(جاد) أتسمعني جيدا يا عزيزي؟
أيها الفهد الأشقر
أضرب في التلال المهجورة
في المقابر المتناثرة
أتهجى الكثير من الشواهد
صار لي أصدقاء كثر من الأموات
هم أبديون بالسليقة
طيبون جدا جدا
كنا نبحث عنك
في غابة القبور الكثيفة
قم يا( جاد )
واهتك سجف الغيبة
أرنا وجهك الجميل
ضحكتك المليئة بالماس والذهب
رقصتك المليئة بالسحر والفنطازيا
أتسمعني يا( جاد)
شجرة الصنوبر المسنة
الشجرة الحزينة دائما
تقرؤك المحبة والسلام
سأرمي حبل مخيلتي
في قاع البئر يا( جاد)
لأنتشلك من قبضة الغياب
أنا متعب كثيرا يا( جاد)
القناصة يختفون في شراييني
في حديقة رأسي
المكان خطر للغاية
المقاتلات تهتف باسمك يا( جاد)
هل أنت جائع يا (جاد)
كنت تخبرني دائما
أن الأموات لا يجوعون
هم مشبعون بالضوء والصلوات
سأحفر بأسناني ركام الأنقاض
سأسحبك من مخالب الحجر
وأدفنك في أغوار قلبي
قلبي الذي نهبته الحروب العبثية.











