بول فاتسلافيك
ترجمة: محمد غيث الحاج حسين
يقتبس لويس روبرت ستيفنسون مثلاً يابانياً مفاده “من الأفضل أن تسافر وأنت مفعم بالأمل، على أن تصل”، ما يعني: تكمن السعادة في المسير وليس في الوصول إلى الهدف.
لم يكن اليابانيون وحدهم المسكونون بالريبة تجاه الوصول، فهاهو لاوتسي يقول ناصحاً: على المرء أن ينسى عمله، حالما انتهى منه. ويقارب أوسكار وايلد هذا المعنى بجملته الشهيرة، والتي غالباً ما يجري انتحالها: “ثمة مأساتان في الحياة، الأولى هي ألا تحقق أمنياتك، والمأساة الثانية هي أن تحققها”. وأما هرمان هيسه في قصيدته “المغوي” فهو يتوسل لرغبته المتجسدة “دافعي عن نفسك، أيتها المرأة الجميلة، شدي رداءك، ابتهجي، عذبيني، ولا تستجيبي”، لأنه يعرف أن “كل واقعة تُدمر الحلم”. عالم النفس ألفريد أدلر وهو معاصر لهرمان هيسه، تطرق إلى الموضوع بإسهاب، وعمله الذي تجري إعادة اكتشافه، ينشغل بمسائل كثيرة، من بينها أسلوب حياة المسافر الأبدي، الحريص على عدم الوصول.
بعد أدلر تشكلت قواعد هذه اللعبة بشكل فضفاض على النحو التالي: يعتبر الوصول، الذي يعني حرفياً ومجازياً، الوصول إلى الأهداف، معيار النجاح، والقوة، والاعتراف، واحترام الذات. وعلى النقيض من ذلك فإن الإخفاق والحياة البليدة، علامة على الحمق والكسل وانعدام الشعور بالمسؤولية والجبن. الطريق إلى النجاح شاق، إذ على المرء أولاً أن يبذل جهداً كبيراً وثانياً، يمكن لأفضل الجهود المبذولة أن تنحرف عن مسارها. وعوضاً عن الالتزام ب”سياسة الخطوات الصغيرة”، يُنصح بوضع هدف بعيد ومثير للإعجاب.
تبدو الفوائد جلية بالنسبة للقراء، فالسعي الفاوستي بحثاً عن الزهرة الزرقاء، والتخلي الزاهد عن الاشباعات الضئيلة للحياة، تلقى رواجاً في المجتمع وتخفق لها القلوب. وفوق كل شيء: إذا كان الهدف بعيداً، فحتى الأكثر غباءاً سيعي مشاق الطريق وصعوبة الاستعدادات للرحلة والوقت الطويل الذي تتطلبه. ويجب أن يظهر شخص ما يوبخك لانك لم تنطلق بعد، أو على نحو أقل إيلاماً لأنك ضللت الطريق وتدور في دوائر، أو لأنك تستريح لمدد طويلة. وعلى النقيض من ذلك، ثمة أبطال يُحتذى بهم وينيرون الطريق لغيرهم في حالات الضياع في المتاهة والفشل في أداء المهام الجليلة.
وهذا ليس كل شيء، إذ ينطوي الوصول إلى الهدف المنشود على مخاطر أخرى، هي القاسم المشترك للاقتباسات الواردة أعلاه: الخيبة. والشقي المتمرس يعلم، بوعي أو دون وعي، أن هذه المخاطر لا تلعب أي دور. وعدم الوصول إلى الهدف المنشود، لربما هي مشيئة خالق هذا العالم، مرغوبٌ فيه، وأكثر رومانسية من الوصول نفسه. دعونا لا نخدع أنفسنا، فشهر العسل ينقضي قبل تمامه. ويحاول سائق التاكسي خداعنا عند وصولنا إلى المدينة البعيدة الغرائبية المنشودة، فاجتياز الامتحان بنجاح، يزيد قليلاً من التعقيدات غير المتوقعة ومن المسؤوليات، وحاله تشبه حال الإنسان العاجز بعد سن التقاعد وقد شارفت الحياة على الأفول.
هراء، قد يقول الانفعاليون من بيننا، فالمثالي، الصبور، المصاب بفقر الدم، يستحق في النهاية هذه الخيبة. ولكن أليست هناك مبالغة في الأثر العاطفي؟ أولا يعيد الغضب المقدس، المكلل بنشوة الانتقام المسكر، ضد الظلم، عدالة العالم إلى الصراط المستقيم؟ من يا ترى يمكنه بعد ذلك الحديث عن خيبة الوصول؟
للأسف يجب على الأقل الوصول. ومن لا يعتقد بذلك، عليه أن يقرأ ما كتبه جورج أورويل عن موضوع “الانتقام مر”. فهو يتأمل عميقاً في الاستقامة والحكمة والتسامح، والتي لا تستحق أي مكان في المرشد إلى الشقاء. ولكن فليسامحني القارئ، لأنني أوردها مع ذلك هنا لأنها تلائم الموضوع أعلاه.
في العام 1945 زار أوريل، أثناء عمله كمراسل حربي، معسكر اعتقال خاص بمجرمي الحرب [العالمية الثانية]، وشهد كيف ركل شاب يهودي نمساوي، كان مسؤولاً عن الاستجواب، كيف ركل بعنف، سجيناً ذا رتبة رفيعة في قوات الاس الاس [النازية] على قدمه المتورمة. “يمكن للمرء أن يكون متيقناً، من أن هذا الرجل [النازي] قد أمر في معسكرات الاعتقال بالتعذيب والشنق. أي باختصار يمكن أن يمثل كل ما حاربنا ضده في الخمس سنوات الماضية”
من العبث أن نلوم يهودياً ألمانيا أو نمساوياً على انتقامه من شخص نازي، فالسماء تعرف الفاتورة التي دفعها هذا الشخص بالمقابل، إذ من الممكن أن تكون عائلته قد قتلت بأكملها. والركلة العنيفة التي نالها السجين هي مسألة صغيرة، قياساً بالأعمال المرعبة التي ارتكبها نظام هتلر. هذا المشهد وغيره الكثير مما رأيته في ألمانيا، قادني إلى أن فكرة الانتقام والقصاص، ما هي إلا استيهامات طفولية، وإذا توخينا الدقة يمكن أن نقول أنها غير موجودة، فالانتقام عمل يرغب به المرء لأنه عاجز، وهو فعلاً كذلك. وتتضاءل أيضاً الرغبة بالانتقام، مع تضاؤل الشعور بالعجز.
هل كان ليقفز من الفرحة، إنسان خطر في باله عام 1940، أن ضابطاً رفيعاً من قوات الأس الأس يمكن أن يُركل لاحقاً؟. إن كان ذلك ممكن حقاً، لبدا أمراً عاطفياً ذميماً.
في المقالة نفسها، يحكي أوريل أنه بعد ساعات من الاستيلاء على شتوتغارت، دخل إلى المدينة مع مراسل بلجيكي. ومن كان سيلومه؟ إذ كان من الممكن أن يُرفض بشكل فظ من قبل الألمان، كإنكليزي أو أميركي؟
“توجب علينا أن نسير فوق جسر للمشاة، دافع الألمان عنه بضراوة، استلقى عند قاعدته جندي ممدداً على ظهره. وكان وجهه أصفراً… أشاح البلجيكي بوجهه ونحن نعبر الجسر، والتفت إلي قائلاً إنها المرة الأولى التي يرى فيها ميتاً في حياته. أعتقد أن عمره حوالي خمس وثلاثين عاماً، اشتغل منها مدة أربع سنوات في الترويج للحرب. تجربة “الوصول” هذه كانت حاسمة بالنسبة للبلجيكي، فرؤيته للجندي الميت أسفل الجسر قلبته رأساً على عقب.
“عندما سافرَ، أعطى الألمان [الأسرى] الذين كنا معهم، ما تبقى من القهوة التي أحضرناها معنا. قبل أسبوع كان ليُصدم من فكرة إعطاء جندي الماني قهوة، ولكن عواطفه، كما قال لي، تغيرت في اللحظة التي رأى فيها الميت البائس أسفل الجسر، فقد تجلى لوعيه معنى الحرب. بلى، فلو دخلنا المدينة، بالصدفة من مكان آخر لنجا من تجربة رؤية جندي ميت من أصل عشرين مليون قضوا في هذه الحرب”.
بالعودة إلى الموضوع الأساسي، إذا لم يكن الانتقام حلواً، فكم هو ضئيلٌ إذاً الوصول إلى ما يُفترض أنه هدف سعيد؟ لهذا السبب يجب الحذر قبل الوصول. (لماذا تعتقد أن توماس مور، أطلق على جزيرته السعيدة، النائية اسم يوتوبيا، والتي تعني “اللامكان”؟)
………………………………..
* فصل من كتاب “المرشد إلى الشقاء” تأليف بول فاتسلافيك
Paul Watzlawick
Anleitung zum Unglücklichsein
Piper München Zürich
19. Auflage Januar 2011









