إصدار قديم

hagar mostafa gabr

هاجر مصطفى

كان صديق طفولتي، وجارنا الوحيد في شارع لا يسكنه سوانا؛ فكل بيوت الشارع لعائلتنا، التي تحرّم على صغارها اللعب معي، منذ أعلن أبي رفضه حرمان الفتاة من حقها في الميراث.

قال أبي: «أراها في كل فتاة، كلهن ابنتي… فكيف أرضى ظلمها؟»

وعلق الذنب برقبتي. ولم يمنعهم من سبي ولعني في المجالس أنني كنت في السادسة من عمري…

حتى لعبي مع «سعد» كان ذنبًا… فكيف يسمح لفتاته باللعب مع صبي!

يضحك أبي: «هل أستأجر لها فتيات من شارع آخر؟ اتركوها، فسعد مهذب».

ويمازح سعدًا أمامهم ليصمتوا.

ظللت أنا وسعد صديقين حتى فرّقتنا الجامعة… ذهبت إلى شقتي المستأجرة قرب الجامعة، وظل سعد في القرية، قانعًا بعمل متواضع وبشهادة متوسطة.

ومع كل مرة أعود فيها إلى القرية، أعلم أنني خسرت سعدًا؛ لا بسبب لحيته، بل لأنه صار يؤلمني كما يفعل الجميع. وكان ذنبي هذه المرة «الفلسفة»، وبعد التخرج صار ذنبي أدق: «التصوف».

صار الكلام بيننا يقتصر على التحية، وإذا زاد صرخنا. كان يدافع عن أشياء أحترمها، لكنه يرى نقدي دليلًا على كفري!

فيمَ الخلاف؟!

لكننا نختلف دائمًا!

هو يدافع دائمًا… وأنا لا أذكر أنني وجهت إليه اتهامًا، لكنني أصمت احترامًا لرغبته في الدفاع، التي تنتابه كلما رآني.

أشكر له أن توتر علاقتنا لم ينتقل إلى ابنه، الذي عشت معه تجربة الأمومة الصامتة. فليس شرطًا أن أقول له: «أنت ابني يا محمد»؛ يكفي أن أحتضنه حتى ينام… وإذا غاب طلبتُه، وإذا رأيته ملأني الحنين إلى لمس أصابعه الصغيرة، التي ظلت تكبر بين يدي حتى تماثلت أصابعنا.

كان محمد في الخامسة عشرة، وصغيري في الثامنة، عندما دخل محمد بيتي باكيًا وقال: «ليته كان أبي فقط… وليس إمام المسجد!»

احتضنته. محمد ليس متمردًا مثلي، فما الذي أصابه؟

قلت له: «هل يراني الله في كل مكان؟»

قال: «ولِمَ تخاف من هذا؟ لا أظنك تفعل ما يغضبه».

قلت: «أفعل ما يغضب أبي… أتكلم مع شيخ على خصومة مع أبي».

…

أيمكن أن يكون سعد قد أخبره أنه يرى بعيون الله؟
لا يفعلها.

لكن الولد ربط حتمًا بين أن الله يرانا وبين كون أبيه رجل دين.

ولما طال صمتي، أكمل محمد شكواه:

«اشترى لي هاتفًا قديمًا» — وقدّم لي هاتفًا قديم الإصدار جدًا؛ حتمًا يريد منعي من الإنترنت — وكان يمنع دموعه من الانسكاب.

…

أردت أن أخبره أنه يتمتع بحرية المكالمات والرسائل النصية والتنقل، بدليل أنه هنا دون أن يعرف سعد؛ بينما أتحكم أنا بهاتف صغيري الذكي، حتى إن موقعه يصلني. كلانا يتحكم بصغيره، والفرق أن محمد يعلم، أما طفلي فلا يعلم، ولن يعلم.

ولما صمتُّ ثانية، قال متوسلًا: «كلميه».

أأقول له: «غيّر طرائقك في ممارسة السلطة»؟ لكن كيف، وهو نفسه لا يجيد التعامل مع الهواتف الذكية؟

وكيف أخبره؟

نطقت أخيرًا: «محمد، سأتكلم معه لاحقًا، أما الآن فخذ هاتف صغيري واستمتع به».

سلّمته الهاتف، وفتحت هاتفي لأراقب كيف سيمارس ابني المراهق حريته…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع