إبريق نحاسي عتيق

abd alazeez diab

عبد العزيز دياب

   حلمت أنني عثرت علي إبريق نحاسي عتيق، وجدته في مكان غامض، أشبه بقصر مهجور تهدمت أركانه وتشوهت ملامحه، تغرب فتحاته دفقات هواء يحمل ثرثرة خافتة. تملك بي الوهم- وأنا في الحلم طبعا- أن السلطان ساكن القصر يمر في الأروقة والردهات التي اتخذت رونقها وبهاءها فجأة، وراءه كبراء السلطنة والخدم والحشم.

   جلالته كان يبحث بنفسه عن إبريق نحاسي عتيق. الكبراء ورجال القصر استكثروا عليه ذلك: أباريق نحاسية وذهبية يمكنها أن تكون بين يدي جلالتك في لمح البصر.

   لم يكترث لكلامهم، ذلك الإبريق يمثل لحظة فارقة بالنسبة له، كان ذلك قبل أن يكون سلطاناً على البلاد وهو يمخر عباب شواطئ وبلدان وأسوق. يتكئ في جلسته ويتنهد: يااااله من تحفة فنية.

   عندما يكون في حالة انبساط، بين يديه الجواري والموسيقي والخمر، يروي أمام الحضور قصة ذلك الإبريق، يتحسس معدنه وتعصف به الذاكرة: أهدته إياه جارية لها من الحسن والجمال ما يستعصي على الوصف. قالت: سيكون لك شأن مع ذلك الإبريق، ينتبه السلطان، يحوش نفسه عن الكلام، يوصل البحث بجدية رغم أنني أقف أمامه ممسكا بالأبريق. مُؤكدٌ أنه لا يراني، لم أتخاذل أو يصيبني الإحباط، اقتربت منه قائلا: أنا هنا جلالتك ومعي الإبريق.

   لا هو ولا رجاله كانوا يسمعونني. وكأنني- في ذات الحلم- اتخذت مبادرة جريئة، ناديت بأعلى صوتي: ها هو الإبريق معي جلااااالتك.

   لا أعرف لماذا كان صوتي مخنوقاً وضائعاً. في تلك اللحظات الحاسمة توقظني أمي بطريقتها المستفزة، كل مرة تبتر أحلامي التي أعثر فيها على كنوز، أو أراقص بنات فاتنات على موسيقي غرائبية.

   بدأت يومي بشكل طبيعي كشخص بحوزته إبريق نحاسي عتيق، لكن أين الإبريق: أمي، أمي، أين الإبريق؟

–       إبريق؟!

–       أيوه، إبريق نحاسي عتيق.

   أمي لم تفهم أن إبريق نحاسي عتيق كان بحوزتي، عثرت عليه بقصر مهجور: يا أمي السلطان نفسه كان يبحث عنه.

   تأملتني بنظرة مريبة: تقول السلطان كان يبحث عنه؟

–       نعم يا أمي.

   أمسكت برأسي وهي تبسمل وتحوقل، وضعت كفها على جبهتي، يومها قررت أنني بحاجة لزيارة عاجلة للخالة “انشراح”، تُرَوّدْ بمهارتها وأصبعها المُحترفة ما أصبني من هلوسة، تقرأ على رأسي ما تيسر من الذكر الحكيم مع وَصْفَة أعشاب تناسبني.

   من ناحيتي قررت أن أبحث عن الإبريق النحاسي، تحفة فنية كانت بحوزتي، شاركني محبتها السلطان في قصره المنيف. البازارات تمتلئ أرففها بمثل إبريقي النحاسي العتيق، فتحت حصالة مدخراتي واستأجرت دراجة رشيقة.

   كل الأباريق بالبازار أسعارها باهظة، استبدلت إبريقي النحاسي بمجموعة صور لإبريق نحاسي قريب الشبه من إبريقي النحاسي، أعلقها بجدران حجرتي، وأنا في جوف الليل أكون سلطاناً تحفني الجواري، وتشتعل الموسيقي الراقصة: لما بدا يتثني، آمان آمان، فيما كانت يد رشقة مُرهفة بيضاء تسقيني القهوة من الإبريق النحاسي.

 

 

     

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع