د.حسان صبحي حسان
-“عندما تكون الفرشاة للكشف وليس للرسم”
-وفي دعوة لنرى أنفسنا لا كما نحن في الواقع، بل كما نحن في أبهى تجليات أحلامنا وتصوراتنا الميتافيزيقية
-ونحو دعوة لاستكشاف “بواطن اللاوعي” ليس كهروب من الواقع، بل كطريقة أعمق لفهمه وإعادة تعريفه
-وفي اتجاه كيفية بناء الفنان لأشكاله من وحي بصيرته الداخلية البحتة، حيث تصبح الخامات والأسطح، بكل ما يحمله من طواعية وقدرة على الاستيعاب.
تأتي “المساحة الفنية” لدي الفنان الدكتور ” كريم رأفت ” ليس كمجرد حيز مادي، بل كمختبر سيكولوجي وبصري، ومرآة عاكسة لما وراء الوعي، وساحة حرة للبوح، وتوثيقاً لشطحات اللاوعي، ومنصة للاحتفاء بالتنوع الفني والتجديد المستمر، لتتحرر بذلك المساحة من دورها التقليدي في المحاكاة، لتنتقل إلى أدوار أكثر حداثة وعمقاً،
“فرشاة الكشف” حين تستيقظ الرموز وتستنطق الذاكرة في أحلام “جاليري سماح”:
يحتفي”جاليري سماح للفن” “Samah Art Gallery” في الزمالك، بهذا الفيض الإبداعي في معرض الفنان الدكتور”كريم رأفت” والذي يحمل عنوان “إرث لا ينتهي” في الفترة من الأحد 12 – 23 ابريل 2026م، وهي احتفالية فنية تعرض مجموعة من الأعمال الفنية “كبيان فني متكامل” يرى في الإرث الإنساني مادة خام قابلة لإعادة التشكيل بعيداً عن القوالب الجاهزة- لتتحول ريشته لأداة “كشف” وليس “رسم”، وتصبح عناصره الرمزية الحالمة هي اللغة الوحيدة القادرة على الترجمة والصياغة، وتوثيق يمنح أعماله الفنية خاصية “الفرادة”، لأنه يستمد مادته من مخزون الذاكرة الفردية التي لا تشبه غيرها.
يعمل الفنان “كريم رأفت” مدرس بقسم التصميمات البصرية والرقمية بكلية التربية الفنية – جامعة العاصمة، وهو فنان تشكيلي ومصمم شارك في العديد من المعارض الفنية البارزة، وحصل على جوائز في التصوير بصالون الشباب، وله مقتنيات فنية في متحف الفن المصري الحديث- ولديه العديد من المشاركات مثل المشاركة فى مهرجان”ضى للشباب العربى” بجاليرى ضى، صالون الشباب بقصر الفنون دار الاوبرا، صالون “أبيض وأسود” بمركز الجزيرة للفنون، معرض “أول مرة” تجربة لمعرض فردى مصغر بمكتبة الاسكندرية، معرض “اجندة” بمكتبة الاسكندرية. كما عمل قومسير لثلاثة دورات متتالية لمعرض روتارى للفن الدورة الاولى 2020، الدورة الثانية 2021، الدورة الثالثة 2022 بمتحف محمود مختار.
كما شارك في العديد من المعارض والفاعليات الجماعية مثل صالون الشباب بدار الأوب (الدورات 34، 35)، والمشاركة في مهرجان “ضى للشباب العربى” بجاليرى ضى، وصالون “أبيض وأسود” بمركز الجزيرة للفنون، وعرضت أعماله في معرض “أول مرة” بمكتبة الإسكندرية. وحصل علي عدد من الجوائز والنشاط مثل جائزة التصوير في صالون الشباب الدورة 35. وجائزة التصوير بمعرض “أطياف 2” لنقابة الفنون التشكيلية، ولديه العديد من المقتنيات حيث تقتني أعماله في متحف الفن المصري الحديث بدار الاوبرا المصرية، الحصول على جائزة التصوير بمعرض “اطياف 2” لنقابة الفنون التشكيلية المصرية بدار الاوبرا.
وعبر فرشاة الفنان “فرشاة الكشف” والتي تحمل في طياتها كثافة تصويرية عالية، تربط بين أداة التدوين (الفرشاة) وفعل الاستبصار(الكشف)-عندما تستيقظ الرموز التاريخية وتستنطق الذاكرة في الأحلام، عن عملية إحياء للماضي داخل مختبر الوعي الباطن في صياغات تصدر منصة للاحتفاء بالتنوع الذي يتجاوز الأساليب التقنية، ويحتفي بتعددية الرؤى الإنسانية، عندما يغوص الفنان في أعماق اللاشعور، فإنه يستخرج جواهر فنية تشخص (التنوع الثقافي الذي يتمثل في الرموز المحلية المترسبة في الذاكرة- التنوع التقني من خلال التجريب في الملامح والمواد لإعادة صياغة الهوية- التنوع الفلسفي الذي يدمج الواقع بالفنتازيا لخلق واقع موازٍ أكثر صدقاً).
فاكتست أطروحات الفنان بقدرة علي استدعاء ودمج الرموز التاريخية (مثل الحصان، والساعات التي ترمز للزمن، والعناصر المعمارية العريقة، والطيور، والنباتا) وبين كائنات وشخصيات خيالية مجنحة، مما يخلق حالة بصرية تعبر عن الغوص في اللاوعي وتجاوز حدود الواقع المألوف- في توجه فلسفي يتحرر من الرقابة الذهنية والانعطاف “لمنطقة آمنة” تسقط فيها الوصاية التقليدية للعقل، بما يسمح للفنان بأن يكون ( ذاتياً – وإنسانياً شاملاً في أن واحد) هذا “الاسترداف لمنابع الذاكرة” هو ما يجعل الفن قيمة استراتيجية، قادرة على تحويل الرؤى الجمالية إلى “إرث إنساني” حيّ ومتجدد

“إرث لا ينتهي” حوار الذاكرة واللاشعور في تجربة “كريم رأفت”:
يقدم المعرض خلاصة فلسفة الفنان “كريم رأفت” من خلال تكوينات مؤسسه على عناصر الثقافة المحلية، واسترداف منابع الذاكرة الفردية والتاريخ المشترك، لإعادة صياغة مفاهيم الهوية والإرث الإنساني عبر رؤيته الفنية وتشكيلاته الرمزية الحالمة التي تدمج بين العناصر الواقعية والأحلام، كدرب لبلورة أفكاره، ونتاج الفنتازيا التي تتناول الواقع الحياتي من منظور غير مألوف للواقع المعاش، ليتأتى التعبير بعيدا عن الرقابة التي يفرضها العقل، والغوص في أعماق اللاشعور للتنقيب عن مصدر إلهام عبر التجول في بواطن اللاوعي.
إن حوار الذاكرة واللاشعور في تجربة الفنان ليست مجرد عملية استحضار للماضي، بل هو عملية “هدم وبناء” مستمرة، حيث تتحول الذاكرة من مخزن للمعلومات إلى طاقة خلاقة تمد اللاشعور بالمادة الخام بهدف إعادة تشكيل العالم، ليصير الفنان في هذه الحالة هو “منقب آثار” في ذاته، ليستخدم الذاكرة كخريطة، واللاشعور كمعول للهدم، واللوحة كأرض لإعادة البناء، لتصدير وصياغة حقيقة “أصدق” من الواقع المعاش.
ففي “إرث لا ينتهي” تنبري ثلاثة مستويات لحوار الذاكرة واللاشعور:
-الذاكرة “كمخزون رمزي” لا فوتوغرافي كما هي في الواقع البصري، اسقاط للتفاصيل المادية، وإبقاء على “الجوهر الرمزي” واعلاء للأثر النفسي.
-اللاشعور كمحرر من “قيد الزمن” ووسيط يلغي المسافات، وهو ما يجعل “الإرث التاريخي” يعيش جنباً إلى جنب مع “الحلم الآني”، مما يخلق واقعاً موازياً يسمى “الواقع الفائق”.
-في صراع مع “الرقابة العقلانية”، وعلي خلاف فرضيات العقل الواعي، يسعي حوار (الذاكرة واللاشعور) للتمرد على هذه القيود، ونقل صور اللاشعور مباشرة إلى السطح، بعيداً عن أحكام العقل المنطقي.
لذا انتقل “فنه” من كونه مجرد “رؤية” إلى كونه “حالة حلول” كاملة، تذوب فيها الفواصل التقليدية المعتادة، لصالح طرح فلسفي عميق يعزز الفقرة الخاصة بالتحرر والتجريب والمناورة، وإلغاء الحدود ” كمختبر بصري” يوظف فيه الفنان صوراً غير مألوفة ورموزاً حلمية، لا كزينة بصرية، بل كمدخل جوهري لاكتشاف الذات والواقع في صورته الأشمل، عبر توجه يرتكز على تقديم التأويلات الماورائية التي تتناقض بحدة مع التفسيرات الجامدة، مانحاً “يقينا للحلم” ومقدماً إياه على الواقع البصري المعتاد

“إرث لا ينتهي” إعادة صياغة الهوية عبر بوابة الفنتازيا:
تعد إعادة صياغة الهوية عبر بوابة الفنتازيا الفنية واحدة من أكثر المداخل الإبداعية جسارة، وهو ما يدفع الفنان “كريم رأفت” للتعامل مع الهوية ليس كقالب جامد أو إرث مُتحفي، بل ككائن حي يتنفس ويتشكل من جديد فوق مساحات اللوحة، لتتحول الفنتازيا من مجرد “خيال جامح” إلى استراتيجية فنية لإعادة تعريف الذات والوطن والتاريخ، وذلك عبر محاور رئيسة:
-تحطيم القوالب النمطية للهوية، فالفنان لايرسم التاريخ كما ورد في الكتب، بل يعيد صياغته من خلال “المنظور غير المألوف”.
-الفنتازيا كأداة “للمقاومة الجمالية” لديها القدرة على ابتكار “واقع موازٍ”، حيث تكون الهوية فيه حرة، متغيرة، وقابلة لإعادة التشكيل اللانهائي، وهو ما يجعل الإرث “لا ينتهي” كما هو عنوان المعرض.
-تجسيد “الواقع المتخيل” من بوابة الفنتازيا، يتم إلغاء الحدود بين “ما هو كائن وما يجب أن يكون” عبر لغة لا تخاطب الوعي السطحي، بل تخاطب “الهوية الكامنة” في أعماق اللاشعور، تلك التي تتشكل من الأحلام والذاكرة الجمعية المشتركة.
وهو ما دفع الفنان لمفردات عزلت من سياقها الطبيعي في واقعها البصري والمحيطي للفنان ليزج بها في مدارات أخرى حداثية ورؤى حلمية مبتكرة، فحضرت الرموز كأيقونات فنية، لتحمل الأعمال رمزية معنى خفي، وتصدير التضادية، والعناية بالتناقضات الصارخة، لإثارة الدهشة والاندهاش، ودعم فكرة انعدام الزمن وتعريه الواقع من شكله المألوف عبر التحاف بالشعور واللاشعور، لنسج عوالم ميتافيزيقية موازيه لا منطقية لا يتضاد فيها الحلم مع الواقع، فالحلم هو امتداد للواقع، ومنه ينجلي الواقع المثالي الذي يدشن حقائق أخرى ومواقف جمالية تستدرج المتلقي لمحتويات دلاليه ملغزة بشفرات تحتاج الجهد التفسيري.








