أ.د. صالح سليمان عبدالعظيم
لا تكمن أهمية إبراهيم عيسى في كونه إعلاميا مثيرا للجدل فحسب، بل في كونه نموذجا شديد الدلالة على نمط من الخطاب الذي يرفع راية العقل والتنوير، لكنه كثيرا ما يقدمهما في صورة عرض إعلامي صاخب، لا في صورة مشروع معرفي واجتماعي قادر على مخاطبة الناس من داخل شروطهم. فهو لا يمثل مشكلة فردية بقدر ما يمثل حالة أوسع: حالة المثقف الذي يعرف كيف يصنع المعركة، لكنه لا يعرف دائما كيف يصنع المعنى؛ ويعرف كيف يستفز الوجدان العام، لكنه لا يعرف كيف يحاوره؛ ويعرف كيف يطرح السؤال الصادم، لكنه لا يطرح غالبا السؤال الأعمق: لماذا يرفض الناس ما أقوله، وهل يعود ذلك إلى جهلهم وحدهم، أم إلى الطريقة التي أتكلم بها عنهم؟
من السهل أن يقال إن مشكلة إبراهيم عيسى أنه ينتقد الدين. وهذه صياغة ناقصة، بل قد تكون مضللة. فليس النقد الديني جريمة فكرية، ولا مراجعة التراث خيانة، ولا مساءلة المرويات التاريخية خروجا على العقل. المجتمعات الحية تحتاج إلى نقد تراثها كما تحتاج إلى حماية ذاكرتها. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقد من جهد معرفي إلى تقنية إثارة، ومن بحث في المعنى إلى رغبة في كسر الرمز، ومن تفكيك للسلطة الدينية إلى تسفيه ضمني للوجدان الشعبي. هنا لا يعود السؤال: هل من حقه أن يتكلم؟ بل: أي نوع من الكلام يمارس؟ ولصالح أي أفق؟ وبأي ثمن اجتماعي؟
لقد صنع إبراهيم عيسى لنفسه صورة “العقلاني المحاصر”، أو المثقف الذي يقف وحده في وجه الخرافة. غير أن هذه الصورة، رغم جاذبيتها الإعلامية، تخفي هشاشة عميقة. فالعقلانية ليست نبرة ساخرة، ولا جملة حادة، ولا قدرة على إحراج الخصوم أمام الكاميرا. العقلانية، في معناها الجاد، هي انضباط معرفي، وتمييز بين المستويات، واحترام لتعقيد الموضوع، وتواضع أمام ما لا يمكن اختزاله. أما حين يصبح العقل نوعا من الأداء المسرحي، فإنه يفقد أخلاقيته قبل أن يفقد منطقه.
إبراهيم عيسى لا يزعج قطاعات واسعة من الجمهور لأنه يسأل فقط، بل لأنه كثيرا ما يسأل كما لو كان يوبخ. لا يناقش التراث كما لو كان يحاول فهم بنيته، بل كما لو كان يقف أمام مادة خام للفضح والسخرية. لا يدخل إلى الحس الديني بوصفه ظاهرة اجتماعية مركبة، بل كثيرا ما يتعامل معه بوصفه مخزنا للخرافة. وهذه بالضبط هي لحظة سقوط التنوير في الاستعراض: حين لا يعود الهدف توسيع أفق الناس، بل إعلان التفوق عليهم.
والفارق كبير بين التنوير بوصفه تحريرا للعقل، والتنوير بوصفه استعلاء رمزيا. الأول يحتاج إلى صبر، ولغة مشتركة، وقدرة على بناء الثقة. أما الثاني فيحتاج فقط إلى منصة، وكاميرا، وجملة قابلة للتداول. الأول يشتغل في التربية والتعليم والقراءة وإعادة بناء المفاهيم. أما الثاني فيشتغل في الصدمة، وفي هندسة الغضب، وفي تحويل المقدس إلى مادة تلفزيونية مثيرة. لذلك ينجح إبراهيم عيسى في إنتاج الضجيج، لكنه لا ينجح بالقدر نفسه في إنتاج التحول. يثير المعركة، لكنه لا يبني بعدها طريقا. يفتح الجرح، لكنه لا يقدم علاجا.
وقد تجلت هذه الإشكالية بوضوح في الجدل الذي صاحب حديثه عن الإسراء والمعراج. لم تكن الأزمة في مجرد وجود قراءة مختلفة أو نقاش حول الروايات؛ فهذا ممكن داخل تاريخ الثقافة الإسلامية نفسه، وفي التراث مدارس ومناهج وخلافات لا يعرفها من يتعامل مع الدين بوصفه كتلة صماء. لكن الأزمة كانت في اللغة والمقام والأثر. فحين تُطرح قضية ذات مكانة وجدانية كبرى عند ملايين الناس في سياق تلفزيوني صدامي، وبنبرة تبدو للمتلقي أقرب إلى النفي والسخرية منها إلى البحث، فإن رد الفعل لا يكون معرفيا بالضرورة، بل دفاعيا. الناس لا يسمعون سؤالا، بل يشعرون بإهانة. لا يرون باحثا، بل يرون متعاليا. لا يدخلون في نقاش، بل يدخلون في معركة كرامة.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة دقيقة: الدفاع عن حق إبراهيم عيسى في الكلام لا يعني الدفاع عن طريقته في الكلام. فمن الخطأ الرد عليه بالبلاغات أو المنع أو المطالبة بإسكاته؛ لأن ذلك يمنحه بطولة لا يستحقها خطابه دائما، وينقل النقاش من نقد المحتوى إلى الدفاع عن حرية التعبير. لكن الخطأ المقابل هو اعتبار كل اعتراض شعبي عليه دليلا على ظلامية المجتمع. فهناك فرق بين مجتمع يرفض السؤال، ومجتمع يرفض أن يُسأل بلغة إهانة. وبين أن يكون الناس ضد العقل، وأن يكونوا ضد عقل يتقدم إليهم كأنه عصا تأديب.
جوهر المشكلة أن إبراهيم عيسى لا يقدم نفسه غالبا بوصفه وسيطا بين المعرفة والجمهور، بل بوصفه قاضيا على الجمهور. وهذه أبوية ثقافية أكثر منها ليبرالية. فالأبويّة لا تظهر فقط في خطاب الواعظ المحافظ الذي يريد ضبط الناس باسم الدين؛ بل تظهر أيضا في خطاب المثقف الذي يريد إعادة تشكيل الناس باسم العقل دون أن يصغي إليهم. الأول يقول لهم: أنتم لا تعرفون دينكم فاتبعوني. والثاني يقول لهم: أنتم لا تعرفون عقلكم فاتبعوني. كلاهما، رغم اختلاف اللغة، ينطلق من موقع الوصاية.
والأخطر أن هذا النمط من “التنوير” يختار غالبا خصمه الأسهل. فالتدين الشعبي، بكل هشاشته وتناقضاته، يصبح ساحة مفتوحة للضرب المتكرر. الحجاب، الفتوى، الحديث، المعراج، التراث، الوعاظ، الموروث الديني؛ كلها موضوعات حاضرة بكثافة في معارك إبراهيم عيسى. لكن السؤال الذي يظل معلقا: هل تمتد الحدة نفسها إلى بنى القوة الأكثر تأثيرا في حياة الناس؟ هل يُفكك بالصرامة نفسها خطاب المال، والإعلام، والطبقة، والخوف، والسلطة، والامتياز، واحتكار المجال العام، وتدهور التعليم، وتهشيم العدالة الاجتماعية؟ أم أن العقل يصبح أكثر شراسة حين يواجه الضعيف رمزيا، وأكثر حذرا حين يقترب من القوة الفعلية؟
هذه ليست مطالبة بأن يتحدث الرجل في كل قضية. لا أحد يستطيع ذلك. لكنها مطالبة بالاتساق الأخلاقي لمن يرفع شعار التنوير. فالتنوير الذي يكتفي بنقد الخرافة الدينية، ويتردد أمام الخرافة السياسية، ليس تنويرا كاملا. والتنوير الذي يسخر من الواعظ، لكنه لا يفكك الإعلام حين يتحول إلى آلة تزييف، ليس تنويرا كاملا. والتنوير الذي يطالب الناس بمراجعة معتقداتهم، لكنه لا يراجع موقعه الطبقي والإعلامي والرمزي، ليس تنويرا كاملا. إنه تنوير مريح لأصحابه، قاسٍ على جمهوره، محدود في شجاعته، واسع في ضجيجه.
المفارقة أن إبراهيم عيسى، وهو يهاجم الوصاية الدينية، يمارس أحيانا وصاية مضادة. فهو لا يقول للجمهور: تعالوا نفكر معا. بل يقول ضمنا: أنا أفكر نيابة عنكم. لا يقول: التراث معقد ويحتاج إلى فرز. بل يوحي كثيرا بأن التراث كله عبء. لا يقول: في الدين تأويلات ومدارس وتوترات بين النص والتاريخ والمؤسسة. بل يدفع النقاش أحيانا إلى منطقة ثنائية: عقل في مواجهة خرافة. وهذه ثنائية فقيرة معرفيا، حتى لو بدت جذابة إعلاميا.
فالتراث الإسلامي، لمن يريد نقده فعلا، ليس كتلة واحدة. فيه نص وتأويل، وفقه وحديث، وكلام وفلسفة، وتصوف وسياسة، ومذاهب ومجادلات، وسلطات ومقاومات. فيه ما يستحق التجديد، وما يستحق النقد، وما يستحق الدفاع عنه، وما يستحق تجاوزه. أما اختزاله في صورة كاريكاتورية، فهو لا يختلف في بنيته الذهنية عن اختزال الحداثة كلها في الانحلال، أو اختزال الغرب كله في المؤامرة. في الحالتين نحن أمام عقل يهرب من التعقيد إلى الشعار.
وهذا هو الضعف المعرفي الأكبر في خطاب إبراهيم عيسى: أنه يخلط بين الشجاعة والاختزال. نعم، قد تكون بعض أطروحاته صادمة. وقد يفتح ملفات مسكوتا عنها. وقد يزعج تيارات دينية محافظة تستحق النقد. لكن الصدمة لا تكفي كي يصبح الكلام عميقا. والاستفزاز لا يصنع معرفة. ومهاجمة المقدس لا تمنح صاحبها تلقائيا رتبة المفكر. كثيرون يستطيعون كسر الزجاج، قليلون فقط يستطيعون بناء نافذة.
إن النقد الحقيقي للخطاب الديني المتشدد يجب أن يكون أكثر دقة وأشد صرامة من خطاب إبراهيم عيسى نفسه. عليه أن يميز بين الدين بوصفه إيمانا، والتدين بوصفه ممارسة اجتماعية، والمؤسسة الدينية بوصفها جهازا، والفقه بوصفه تاريخا من الاجتهادات، والإسلام السياسي بوصفه مشروعا للسلطة، والتدين الشعبي بوصفه شبكة معنى وطمأنينة وتكافل. أما من يخلط هذه المستويات كلها، فإنه لا يفكك الدين، بل يعيد إنتاج العمى ذاته الذي ينتقده، لكن من الجهة المقابلة.
ولا يمكن فهم فشل هذا الخطاب في الوصول إلى قطاعات واسعة من الناس دون الانتباه إلى أثره العكسي. فحين يظهر “التنوير” في صورة احتقار للوجدان الديني، فإنه يقدم خدمة مجانية لأشد التيارات محافظة. يجعلها تقول للناس: أرأيتم؟ هؤلاء لا يريدون إصلاح الدين، بل يريدون إهانته. لا يريدون تحرير العقل، بل يريدون اقتلاع الإيمان. وهكذا يصبح إبراهيم عيسى، من حيث يريد أو لا يريد، جزءا من صناعة الاستقطاب الذي يزعم مقاومته. هو يحتاج إلى خصم غاضب كي يظهر شجاعا، والخصم يحتاج إليه كي يثبت أن التنوير عدوان على الدين. كلاهما يتغذى من الآخر.
وهنا تظهر “النقطة غير المنطوقة” في الظاهرة كلها: بعض الخطاب الليبرالي لا يريد بالضرورة إقناع الجمهور، بل يريد تأكيد تميزه أمام جمهور يشبهه. هو لا يخاطب الناس بقدر ما يخاطب طبقته الثقافية. لا يسعى إلى بناء أغلبية اجتماعية حول العقل، بل إلى إنتاج علامة هوية للنخبة: نحن الذين لا نصدق ما يصدقه العوام، نحن الذين نجرؤ حيث يخاف الآخرون، نحن الذين خرجنا من القطيع. وفي هذه اللحظة لا يعود التنوير مشروعا عاما، بل يتحول إلى ذوق طبقي؛ إلى طريقة في تمييز الذات عن الجمهور المحافظ.
لذلك تبدو جرأة إبراهيم عيسى أحيانا جرأة ناقصة. فهي جرأة أمام الوجدان الشعبي أكثر منها جرأة أمام البنى الصلبة. جرأة أمام النصوص والمرويات أكثر منها جرأة أمام المصالح. جرأة أمام المتدين العادي أكثر منها جرأة أمام شبكات القوة التي تحدد خبزه وتعليمه وصحته ومجاله العام. وهذه جرأة تمنح صاحبها صورة المتمرد، لكنها لا تجعله بالضرورة صاحب مشروع تحرري.
ولا يعني ذلك أن المجتمع بريء من الجمود، أو أن الحس الديني العام لا يحتاج إلى مراجعة، أو أن المؤسسة الدينية لا تمارس أحيانا سلطة رمزية خانقة. بالعكس، المجتمع المصري والعربي يحتاجان إلى نقد عميق للوصاية، وللعنف باسم الأخلاق، وللتحالف بين الجهل والمقدس، ولتوظيف الدين في ضبط المرأة والجسد والفكر. لكن هذا النقد لا ينجح حين يأتي من خارج المجتمع كإهانة. الإصلاح الديني لا يبدأ من إذلال المؤمن، بل من تحريره من الخوف. والتجديد لا يبدأ من السخرية من المقدس، بل من كشف الفرق بين الإيمان الحي والجمود التاريخي. والعقل لا ينتصر حين يضحك على الناس، بل حين يمنحهم أدوات أرقى لفهم أنفسهم.
إبراهيم عيسى، في أفضل حالاته، يستطيع أن يفتح سؤالا. لكنه في أسوأ حالاته يغلق إمكانية الحوار حول هذا السؤال. يضع القضية في إطار من الحدة يجعل الناس يدافعون عن هويتهم بدل أن يفكروا في مضمون الكلام. وهذه خسارة مزدوجة: يخسر الجمهور فرصة التفكير الهادئ، ويخسر التنوير فرصة التحول إلى مشروع اجتماعي. وحين يتكرر ذلك، يصبح الإعلامي نفسه جزءا من المشكلة التي يدعي علاجها.
إن مصر لا تحتاج إلى تنوير يكره ذاكرة الناس، ولا إلى تدين يخاف من كل سؤال. لا تحتاج إلى واعظ يحتكر السماء، ولا إلى إعلامي يحتكر العقل. تحتاج إلى نقد يملك شجاعة السؤال وأدب المعرفة معا. إلى خطاب يفرق بين احترام المؤمنين ونقد الأفكار، بين حماية المقدس من الابتذال وحماية العقل من الوصاية، بين إصلاح التراث وتحويله إلى مادة للتندر. تحتاج إلى مثقف لا يتلذذ بصدم الناس، بل يصبر على تغييرهم. ولا يتعامل مع الجماهير كعبء على الحداثة، بل كشرط لأي حداثة حقيقية.
من هنا، فإن أخطر ما في إبراهيم عيسى ليس أنه ينتقد الإسلام، بل أنه يقدم نقدا يجعل قطاعات واسعة من الناس تشعر أن الدفاع عن الإسلام هو دفاع عن الكرامة في وجه التعالي. وهذه نتيجة كارثية لأي خطاب يزعم التنوير. فحين يتحول العقل إلى إهانة، يصبح الوجدان قلعة مغلقة. وحين يتحول النقد إلى استعراض، يصبح التراث أكثر تصلبا. وحين تتحول الليبرالية إلى منصة للتفوق الرمزي، فإنها لا تحرر المجتمع، بل تعمق غربتها عنه.
ليست المشكلة إذن في السؤال، بل في غرور السؤال. ليست في الجرأة، بل في انتقاء الجرأة. ليست في نقد التراث، بل في تحويل النقد إلى مشهد متكرر من الصدام المربح. إبراهيم عيسى ليس عدوا للعقل، لكنه أحيانا يسيء إلى العقل حين يجعله نبرة لا منهجا، وسلاحا لا جسرا، وأداء إعلاميا لا مشروعا اجتماعيا. وهذا هو مأزقه الحقيقي: أنه يريد أن يظهر كمن يحرر العقول، بينما يترك كثيرين أكثر تشبثا بما أراد خلخلته.
والنهضة، في النهاية، لا تبدأ من احتقار الناس، ولا من مداعبة غرور النخبة، ولا من تحويل الإيمان الشعبي إلى مادة استعراض. تبدأ من سؤال أكثر تواضعا وأشد عمقا: كيف نساعد الناس على التفكير دون أن نجعلهم يشعرون أن التفكير خيانة لذاكرتهم؟ هذا هو السؤال الذي لم ينجح إبراهيم عيسى، رغم كل ضجيجه، في الإجابة عنه.
……………………..
*أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس










