“أوديسة نولان”.. هل يمكن للإنسان أن يعود كما كان؟

الأوديسة

محمود عماد

بعد ما يقارب ثلاثة آلاف عام على ظهورها في صورتها المنسوبة للشاعر اليوناني الشهير هوميروس، يعود المخرج البريطاني كريستوفر نولان إلى الملحمة الشعرية «الأوديسة» في فيلمه الأحدث «The Odyssey». الفيلم، الذي اقتبسه نولان وكتب نصه السينمائي، كما اعتاد في أعماله المختلفة، لعب بطولته مات ديمون في دور أوديسيوس، وآنا هاثاواي في دور بينيلوبي، وتوم هولاند في دور تليماخوس، إلى جانب عدد من النجوم الآخرين.

لا تبدو العودة إلى «الأوديسة» بوصفها اقتباسا حرفيا من النص الشعري، بل يبدو هنا نولان وكأنه قد صاغ أوديسته الخاصة؛ ليصنع بطلًا ينتمي إلى عالمه السينمائي. بشكل ما، هذا ليس أوديسيوس هوميروس، ولكنه أوديسيوس نولان، الذي يمكن اعتباره إلى حد كبير أقرب إلى البطل الهوليوودي الذي يريد العودة إلى وطنه وأسرته، من أوديسيوس صاحب الألف حيلة.

لكن ربما ما لم ينتبه له الكثيرون أن نولان صنع من أوديسيوس الخاص به إنسانا يخطئ ويرتكب الجريمة، لكنه يعرف ذنبه؛ ذلك الذنب الذي سيثقل رحلته أكثر من كل الأهوال التي سيلاقيها على مدارها.

ذنب ما حدث في طروادة، وذنب ما سيحدث لجنوده في رحلة العودة المشؤومة، وذنب الزوجة والابن اللذين تركهما لما يقارب عشرين عامًا.

هنا يصبح الذنب هو المحرك لرحلة أوديسيوس طوال الفيلم، وهي عقدة تتواجد تقريبا في كثير من أعمال نولان، باختلاف موضوعاتها وعوالمها. هناك، على سبيل المثال، شخصية باتمان، وخاصة في الفيلم الثاني «The Dark Knight»، حيث يصبح البطل مثقلا بذنب عدم إنقاذ حبيبته، وفي الوقت نفسه بتشويه هارفي دانت. وفي فيلمه الأخير «Oppenheimer»، الذي تناول صناعة القنبلة الذرية، نرى أوبنهايمر مثقلا بالذنب عما اقترفته يداه.

في إيثاكا، ينفرط عقد المملكة التي يغيب ملكها، ويتهافت الخُطاب من أجل الزواج من بينيلوبي، الزوجة التي تنتظر زوجها الغائب، والتي تحمل من الخدع ما يجعلها هي الأخرى صاحبة حيل، ومن أجل أن تستمر في مقاومتها حتى عودة أوديسيوس، وهي تقريبا الوحيدة التي تثق في عودته وبقائه على قيد الحياة.

تلعب آن هاثاواي دورها بنضج وبراعة كبيرين، وتمزج بين القوة والضعف؛ فهي المرأة المكلومة على الزوج الغائب، وهي الملكة التي تحافظ على عرش إيثاكا.

أما تليماخوس، فهو الابن الذي لم يرَ والده تقريبا، وهو أيضا تائه، وفي رحلة بحث عن أبيه، الرجل الذي لا يعرف من يكون حقا.

لا يعلم يقينا هل يبحث عن الأب، أم عن أوديسيوس الملك؛ هل هو الابن الذي يحلم برؤية أبيه، أم أصبح الأمير الذي يبحث عن أحقيته في عرش الملك الغائب؟ هذه الأسئلة يجسدها توم هولاند بتعابير تضفي على الشخصية الكثير من التيه وعدم الفهم، بل وحتى انعدام الخبرة.

 

رحلة أوديسيوس للعودة لا تصبح رحلته وحده، لكنها تصير أيضًا رحلة جنوده، الذين اختلطت مصائرهم بمصيره. هنا، في هذه الرحلة، نرى جانبا من النفس البشرية لا توفره الحياة في شكلها العادي؛ لأن الإنسان، عندما تصبح حياته على المحك، من الممكن أن يفعل أي شيء، حتى لو كان عصيان قائده وملكه.

في الرحلة، يقدم نولان الكثير من مغامرات «الأوديسة» في شكلها الأسطوري والفانتازي، لكن يبقى مشهد غناء الحوريات أحد أفضل مشاهد الفيلم بشكل عام. هنا تتداخل الموسيقى مع الصورة والنص، لتصنع لنا حلقة من الحلقات الفلسفية في رحلة الأوديسة.

ما شعر به أوديسيوس وضعه أمام حقيقة شديدة القسوة: هو فعليا لا يريد العودة إلى الوطن، ربما لأن الذنب أصبح لا يُحتمل، وربما لأن الرجل الذي خرج من إيثاكا ليس هو الشخص نفسه الذي سيعود إليها.

قدم مات ديمون في هذا المشهد أداء قويا، حيث جمع بين الخوف والرهبة، والرغبة في سماع ما تغنيه الحوريات، وكأنه تأكيد على أن الإنسان أسير لما يجهله.

في الرحلة، يتضاعف الذنب بعد الفقد المتواصل لجنود أوديسيوس، وبعد الضياع الكامل له يبدأ الملك التائه رحلة أخرى داخل نفسه، مركزها عقله؛ حيث يفقد الذاكرة، وتضيع بوصلة طريقه، ويبقى أسيرا لتلك الذكريات التي تجيء وتذهب على شكل أحلام تطارده.

وعلى مدار سنوات، ينجح عقله في خداعه، لكنه في لحظة معينة يتذكر تلك اللحظة التي يعود فيها إلى إيثاكا، لكنه يعود متخفيا، مثلما تقول له روح أجاممنون التي يلقاها في عالم الموتى.

ويعرف منها أن الرجل الذي أحرق طروادة قد مات فور وصوله إلى وطنه، وهو تأكيد، بطريقة ما، على عبثية الحرب برمتها.

في مشهد دخول أوديسيوس إلى مملكته، نراه يعود بعد عشرين عاما من الغياب، لكنه، على عكس ما خرج، عاد مختلفًا؛ من ملك مظفر إلى رجل أتعبه الطريق، ومن صاحب الألف حيلة إلى رجل محمل بالذنب.

حتى وطنه، إيثاكا، لم يعد كما كان، وابنه ليس الطفل الذي تركه، لقد تغير كل شيء، وربما ما بقي على حاله هو الزوجة التي ظلت مخلصة حتى النهاية.

في مشهد يدور فيه الحديث بين أوديسيوس وبينيلوبي دون أن تعرف هويته، يتحدث أوديسيوس عن الرجل الذي كانه، والذي ضل طريقه، وعن ما حدث في ليلة إحراق طروادة.

هنا يصل الإحساس بالذنب إلى ذروته، ويصبح ما حدث في طروادة جريمة، ليس فقط في حق المدينة وسكانها، وإنما جريمة في حق الإنسانية كلها.

في النهاية، وبعدما يتخلص أوديسيوس من خطاب زوجته، لا يُكافأ بالعودة ملكا على إيثاكا، وبعودة حياته إلى طبيعتها السابقة، بل يذهب إلى منفى اختياري برفقة بينيلوبي التي تظل على إخلاصها. هنا لا يكفي الاعتراف بالذنب ليبرئ المجرم، بل يجب أن يأخذ عقابه، وهذا ما يحدث لأوديسيوس.

على مدار الفيلم، قدم نولان كادرات للمشاهد المتفرقة، وخاصة في رحلة أوديسيوس، التي شابهت اللوحات في تكوينها، وجعلتنا نعيش الرحلة وكأننا من أفرادها.

كما يمكننا القول إن نولان، في هذا الفيلم، قد وصل إلى درجة كبيرة من الإجادة على مستوى الكتابة، وخاصة في الحوارات التي غلب عليها الطابع الأدبي والفلسفي، دون الوقوع في فخ النمطية أو الخطابية.

قدم طاقم التمثيل، كما ذكرنا، ملحمة تمثيلية كبيرة، وخاصة مات ديمون، الذي قدم دورًا من أبرز أدواره، وأثبت كم هو ممثل كبير؛ فلقد قدم كل تحولات أوديسيوس عبر محطات الرحلة المختلفة: من الحيلة والضعف، إلى الشعور بالذنب والتيه والبحث عن الطريق والانتقام وغيرها.

يمكننا القول إن «The Odyssey» ليس مجرد فيلم مقتبس من ملحمة شعرية تاريخية، ولكنه رحلة ممتدة عبر مداخل النفس البشرية المضطربة، وسؤال مفتوح عن الذنب الذي يحول الإنسان، وعن العودة، وهي تأكيد على أن الإنسان لا يعود كما كان، لأنه ببساطة لا تعود الحياة إلى الوراء.

محمود عماد

35 مقال
كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع