رجب سعد السيد
شيءٌ ما جعلني أتمهّل، ولا أسارع بإبعادها إلى سلة المهملات، تمهيداً للتخلّص منها، كسائر الرسائل التي تقتحم عليّ بريدي، وتحمل أسماء مختلفة، وهمية في الغالب، وقد تكون محشوة بفيروس خبيث، ينطلق فيعيث في برامجي ومخزوناتي فساداً.. ذلك احتمال قائم، بل لقد وقع بالفعل، في أول عهدي بشبكات الاتصال؛ وكانت الخسائر – وقتها – محدودة؛ ولن أدعه يحدث ثانيةً، فقد توحشت الفيروسات، وازداد المتلصصون وناشرو الدمار خبثاً، ومن جهة أخرى، تضخمت ملفات المعلومات التي يختزنها حاسوبي، لدرجة أنني أفكر كثيراً في الوقت المطلوب لكي أنجز معالجتها، وأتشكك في احتمال تحقق ذلك، مع تسارع سنوات العمر وتراجع الحيوية.. ثم إنني لم أعد أطيق الابتعاد عن جهازي، وعن أصدقائي الذين أطمئن إليهم، ومنهم من لم أره في حياتي، وقد لا يتسنى لي أن أراه، مثل ذلك الذي يقيم في مركز لأبحاث المناخ الكوني، في الأنتاركتيكا.
فما الذي جعلني أفتح رسالة يوسف ؟
كانت كلماته القليلة، في عنوان الرسالة، صادرة من شخص يقترب منك، متوسلاً ألاّ تخيّب ظنه فيك…
كان تأكيدُهُ على أنه هو يوسف يرجوكَ أن تفتِّش في جنبات ذاكرتك، لتتوقف عند هذا الاسم…
ثم إنه يؤكِّد الرجاء بالتساؤل: لعلك تتذكرني!. الغرباء يسألون: هل تتذكرني؟ وهو استخدم – في انجليزية راقية – (لعلَّك) بدلاً من (هل).
والحقيقة، هي أنني استغرقت وقتاً في تأمُّلِ العنوان، قبل أن يتكشَّف أمامي معناه، وأتغلّب على مخاوفي من تكرار وقعتي السابقة مع الفيروس الإلكتروني، بكل مرارتها. وبضغطة علي الرابط النشط، انفتحت الرسالة؛ وفوجئت – وهي تأخذ في الظهور – أنني نسيت أن آخذ بإجراءات الحماية المألوفة، فأطلب – قبل أن أفتحها – تنشيط أحد برامج كشف وتدمير الفيروسات، ولديّ منها ثلاثة. أفقدتني المودَّةُ التي استشعرتها، مبثوثة في العنوان، حذري؛ وازداد اطمئناني عندما وجدت أن الرسالة، وكانت طويلة (مقارنة بالرسائل الإليكترونية الاعتيادية)، لا تحمل أي ملفات داخلية من الأنواع التي يشيع استخدامها بواسطة المخربين، كفخاخ يقع فيها الغافلون.
كانت كلمات البداية مفاجأة أخرى: أيها الولد العزيز!… ثم راح يحدثني عن حنين جارف للوطن، دفعه لأن يضيف إلى جهازه قدرة تصفّح المواقع العربية، وإن كان لا يستطيع الكتابة بالعربية… “فقد كنت – وأعتقد أنك تتذكر – ضعيفاً في (العربي)، وكنتُ مستهدفاً – طول الوقت – من “الأستاذ الشورى”، صاحب الشتيمة المشهورة: (يا مجرم يابن المجرمين!)…..”.
قال إنه كان يتجوّل في أحد هذه المواقع، فلمح صورتي تتصدَّرُ مقالاً لي، فصرخ، حتى أن زوجته ظنت أن آلام الكلى عاودته، فهرعت إليه في حجرة مكتبه بالمنزل، فأشار إلى الصورة، وقال لها: هذا هو رجب.. زميل دراستي في الإسكندرية!.
لم يخف يوسف عليّ أن زوجته ثارت، وعنّفته، بل سبّته هو وصديق الطفولة، الذي ألقت صورتُه الرعبَ في قلبها!
كتب يوسف يقول:
“ملامحك لم تتغير كثيراً، إذا استثنينا الصلع الذي يظهر في صورتك وقد ضرب معظم رأسك؛ ولكن ضياع الشعر، والزمن اللعين، لم يؤثرا على خطوط وجهك الطويل، المتناسب مع طول قامتك. كنت أطول تلاميذ مدرسة النيل الإعدادية.. هل لا زلت طويلاً يا رجب؟!. كان (الأستاذ بولس) يعهد إليك بمهمة مسح (السبورة)، لأن يدك كانت تطول أعلى نقطة فيها. هل تتذكره.. مدرس الرياضيات، الذي كان يضع يديه في جيب بنطاله، ويهرش ما بين فخذيه، وهو يشرح لنا مسائل الجبر ونظريات الهندسة!. بالمناسبة، أنا أدرِّس الرياضيات في مرحلة توازي سنوات مرحلة الدراسة الثانوية في مصر. وأنا أعيش في نيوجرسي، منذ العام 1972؛ وزوجتي من أصول هندية قديمة، ولي منها ابن يعيش بعيداً عنّا، وأركب الطائرة لأزوره!. أعتقد أنك متزوج. طبعاً، لا أتصوَّركَ وقد تزوجت من (طابيسا)، ابنة راعي الكنيسة، التي كنتَ تسكنُ إلي جوارها، في (غيط العنب)، والتي أتذكر أنك أفضيت إليّ بحبك لها.. إنني أتذكر كل ذلك جيداً، لأنني كنت – وقتها – في حالة غيظ شديد منك، لتجرُّؤكَ على حبِّ بنتٍ مسيحية، برغم تأكُّدي من أنه حب (عيالي)، ومن طرف واحد، لأن (طابيسا) كانت، وقتها، تدرس في الجامعة، ونحن ننهي المرحلة الإعدادية!”.
اضطربت مشاعري، نحواً ما، وأعدت قراءة السطور.
هل كان يوسف على هذه الدرجة من القرب إليّ؟!.
غير أن ما لا يعرفه يوسف، هو أنني لا زلت أحِنُّ إلى صورة وجه (طابيسا)؛ وحاولت – مراراً – أن أتتبع أخبارها، بعد هجرتها مع أسرتها إلى ألمانيا. وما لن أقوله ليوسف، إن عزمتُ أن أردَّ عليه، أن حبي لطابيسا لم يكن مجرد شغف صبياني، فلا يزال قلبي يرفرف كيمامة تائهة حين يطلُّ عليّ طيفها الملائكي، وأن بين أوراقي – في مكان ما بمكتبي الغارق في فوضى الأوراق – أيقونة تحمل صورة وجه السيدة مريم، وكنت أرى فيها وجه “طابيسا”!. وما لا يعرفه يوسف، أيضاً، أن طابيسا كانت أول أنثى ألامسها، وقد عشت معها أول ليلة حب في حياتي، لأكتشف – عندما أيقظتني أمي في الصباح – أوَّلَ بقعٍ مصفرَّةً، أعاينها وأنا في الحمَّام، تنتشر في سروالي الداخلي!
كتب يوسف يقول:
“كان اسمك غائبا عن ذاكرتي، فلما قرأته تحت صورتك، تذكرت كل شيء، وصرخت: رجب.. رجب؛ فتركت زوجتي المطبخ، وأسرعت إليّ. وقرأتُ المقال المنشور بالموقع، والذي يحمل توقيعك، فقلتُ: أمرٌ طبيعيٌ أن تكون هذه كتابته، ذلك الولد الذي كان يحلم بأن يصير كاتباً، وكان – في الثالثة الإعدادية – يحدثنا كلاما كان يبهرنا، عن العدالة والفقراء والثورة، والذي كان يحتفظ بثلاث خطابات تحمل توقيع جمال عبد الناصر، و يحفظ فصولاً كاملة من الميثاق الوطني، ويكتبُ أفضلَ موضوعات الإنشاء، حتى أن الأستاذ (محفوظ الشورى) قرر أن يحتفظ بكراسته، في نهاية العام الدراسي.
أنا الآن – يا رجب – مواطن أمريكي، ولكني تعاطفت مع كتابتك.. إنني أقصد موضوعك المنشور في موقع (ميدل إيست أونلاين)، الذي يحمل عنوان (عراق آخر في مصر الجديدة!)، والذي تتحدث فيه عن عملية اختطاف طفل لأم أمريكية وأب مصري، بواسطة عملاء مخابرات، غالباً، من حجرة نوم في بيت الأب بضاحية (مصر الجديدة)، بالقاهرة، وتهريبه إلى الأم، في واشنطون. لا أخفي عليك، لقد تخيلت نفسي مكان هذا الأب، فثمة نوع من التشابه بين ظروفنا؛ وأعجبني ربطك بين (اختطاف وطن)، و(اختطاف مواطن صغير)، بواسطة أكبر قوة في العالم، تسعى لفرض تصورها الخاص لما يجب أن تكون عليه أحوال شعوب الأرض. جميل أن يكون الناس على وعي بما يجري، وأن ينبهوا الغافلين لحقيقة مجريات الأمور.
أتوقع أن تكون الأيام زوَّدتك بقدرٍ من الحكمة يجعلك لا تتحامل ضدي، لكوني أمريكياً، إذ علينا أن ننحي المشاعر التي يزرعها السياسيون في قلوب الناس، فالشعوب إما مقودة أو مغلوبة على أمرها؛ ولا يغرَّنك نموذج شوارزينجار، البشري الأمريكي خارق القوى، فالبشر في أمريكا هم نفس البشر الذين تعايشهم في غيط العنب، وتقابلهم في جليم وشاطئ سيدي بشر؛ قد يختلفون في بعض التفاصيل، غير أن الجوهر ثابت. ولديَّ أمل كبير أن أتلقى منك رداً على هذه الرسالة، وأن نتواصل عبر البريد الإلكتروني؛ لعل ذلك يروي بعض عطش الحنين الذي بدأت أعانيه منذ أن تخطيت الخامسة والخمسين.. لا أكف عن التفكير في ضرورة أن أُدفن في مصر؛ مع أنني لم أزر البلد منذ أن غادرتها.. بانتظار ردِّك.. يوسف”.











