أشرف الصباغ
(1)
الحرب دائما بعيدة. نسمع أخبارها ونراها على الشاشات، ونقرأ الأرقام وأعداد الضحايا. نطالع الرسوم التقريبية للأسلحة، والصور المصنوعة بدقة للمقاتلات الفتاكة وأسعارها الباهظة. ولا يتصور أيٌ منا أنه يمكن أن يموت في هذه الحرب، لأنها ببساطة بعيدة، ولأن ناسًا آخرين غيرنا هناك هم الذين سيموتون، أو في الغالب ستكون احتمالات موتهم أكبر بكثير من احتمالات موتنا.
قد يكون الخراب أحد صور الحرب وتجلياتها العبثية. لكن الحرب نفسها فعل عبثي لا يعادله إلا الموت. وما أفظع أن يؤدي عبثٌ إلى عبثٍ آخر أكثر وحشة ووحشية منه. الموتى في الحرب لا يعودون. وإذا عادوا، فهم لا يحكون عن الأهوال التي رأوها وعاشوها وجربوها على أجسادهم وأرواحهم، لأنهم ببساطة لا يقدرون على الكلام، بالضبط مثلما كانوا لا يستطيعون الكلام قبل أن يسوقوهم كالخراف إلى المذبح. لكن دماءهم المتيبسة على أحذيتهم تزعق في أنصاف الليالي، وما تبقى من مشاهد ثابتة في حدقات أعينهم- قبل أن تُغلَق للأبد- يقطر خوفًا ورعبًا وألمًا، لو اقتنصتها كاميرا حية، لاستطعنا أن نلمح فيها تلك الرصاصة الطائشة التي أصابته في القلب، أو الشظية التي مزَّقت صدره، وربما القنبلة التي أطفأ انفجارُها نور عينيه، لوهلة، ثم سقط بعدها، حتى قبل أن ينزف دمعة، أو يُطلق “آهة”، لأن قلبه توقف ببساطة في الشهقة الأخيرة.
أنا لم أحارب من قبل. لكن أخي حارب وعاد بجسد ناقص، وسرعان ما غادرنا لسبب أكثر عبثية: كل ما في الأمر أنه بعد خروجه من المستشفى الذي دخله لمعالجة الغرغرينا، التي أصابته بنتيجة سوء بتر قدمه، صدمته سيارة وهو يعبر الطريق. ولم يرَ سائقها أنه يسير على قدمٍ واحدة. بينما عاد ابن عمي من حرب أخرى بنصف عقل، فَلَم يحتمل رؤية رايات النصر والأغاني ورقصات الفرح، كان يهذي فقط بكلمات غير مفهومة، تبدو مثل نصٍ طويل من فقرة واحدة. وفي أحد الصباحات وجدنا جسده معلقًا في شجرة الجميز الضخمة وراء البيت.
غير أن هناك دومًا كائنات تتحدث بحماسة عن الحرب وفضائلها، تُسقِط كل خيباتها تارة على السلام وتارة على الحرب، وتنسى فشلها وجوعها ومرضها وجهلها. لا أحد منها يعرف معنى الحرب وأوجاعها، والنار التي تتركها في القلوب، وحِرْمَان الروح عندما يصبح من المستحيل عودة الأب أو الابن أو الزوج.
عندما تقترب الحرب يصبح الوضع مختلفًا تمامًا وتظهر البثور على وجوه تجار الحرب وتجار السلاح وتجار الكلام وتجار السياسة فيرتدون ثيابًا غريبة وألسنة غريبة ووجوهًا غريبة ويرفعون اسم “الوطن”، ولا يموت إلا من لا يملك قُوت يومه، ولا حريته ولا قراره ولا حتى لسانه.
بعد الحرب يحصون الضحايا ويقلدون الأوسمة أراملهم وأولادهم اليتامى وأمهاتهم الثكالى بعد أن أصبح لا معنى ولا قيمة لها. ويتفاخر تجار الكلام والسياسة وتظهر مجددًا أنياب تجار الحرب والسلاح والأغذية المسمومة وجامعو الضرائب ومحصلو الكهرباء والغاز، وطوابير الفقراء أمام المجمعات الاستهلاكية، وأطفال الشوارع تحت الكباري وفي الخرابات، والكلاب الضالة، والقطط الجائعة. ومن باب الاحتياط يضعون الفقراء ومن لا يملكون قوت يومهم ولا إرادتهم ولا ألسنتهم في معسكرات يسمونها “قوات الاحتياط” من أجل الدفاع عن “الوطن” المحتَمَل.
ثمة كائنات أقرب إلى الهوام والكلاب الضالة في هذا المشهد البائس. لا فرق هنا بين عامة ودهماء وبين تجار كلام وحثالة سياسيين، وهبوا أنفسهم جميعًا لأسيادهم من الطرفين المتحاربين، وأعلنوا الولاء والبراء، والإصرار على دعم وإسناد سادتهم، وإطلاق الحناجر لتطول عنان السماء. وتبدأ المعارك الكلامية قبل أن تنشب حرب لعينة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وبمجرد أن تندلع، تتطاير الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك، فيعيدها الأخير بأقبح منها. يتبادلون الشتائم واللعنات، يعلنون عن حرب أخرى موازية. يعيد التاريخ نفسه منذ ما قبل الميلاد، منذ الممالك والإمبراطوريات القديمة، ومدرجات روما والـ “كولوسيوم”. وبعد أن تنتهي الفرجة والمراهنات يتخلصون من آثار دمائهم وروائحهم النتنة، يسوقون ما تبقى منهم إلى حظائرهم المظلمة. وهناك في القصور وحمامات البخار يجتمع السادة للاحتفال بانتصاراتهم المدوية، والسمر والشراب والرقص، وبالمرة يتفقون على تقسيم العبيد وإحكام الطوق حول رقابهم، ووضع الحذاء على رؤوسهم، بينما العبيد في حظائرهم يتناحرون طوال الوقت وكل منهم يفخر بطول عضو سيده، وقُوَّته وبأسه ومجده، وشمس انتصاره الأبدية.
(2)
أثرياء الحرب ليسوا فقط أولئك المواطنين الذين يغتنون في أوقات الحروب والكوارث والمجاعات، عبر عمليات وحشية لا علاقة لها بالإنسانية، ولا بما يرفعونه من شعارات وأدعية وفقرات من الكتب المقدسة. وليسوا فقط هؤلاء الناس الذين يتاجرون في المواد الغذائية ويرفعون الأسعار، أو يتاجرون بأجساد النساء والأطفال أثناء الحروب والكوارث الطبيعية وما تسفر عنه حماقات الحكام الذين يحكمون العالم، ووحشية أولئك القادة الذين يعشقون الحروب ويسعون إليها كمصدر لحياتهم ومحرك لعقولهم ونوازعهم ومصدر لوجودهم.
هناك نوع من أثرياء الحرب، أكثر دهاء، يعتمد في عمله على المبالغة بأسعار الطاقة والنفط والبنزين والمواد الغذائية، والمضاربة على أسعار الذهب، وتجارة العملة بالسوق السوداء. يتخصص هذا النوع من أثرياء الحرب في تجارة المخاوف والأوهام والمبالغات والتهويل، والمضاربة على الخوف والرعب والهلع في العلن. لكنه في الخفاء يفتح ممرات سرية لتجارة الأسلحة، وبيع الخبز والدقيق وغذاء الأطفال في أسواق موازية.
وثمة نوع ثالث، يمثل حثالة أثرياء الحرب التي تدمن على تبرير القتل وإراقة الدماء لأحد الطرفين، تمنحه صكوكًا مجانية ليس فقط بالغفران واستحقاق النعيم، بل وأيضًا بالخلود جراء مآثره في الانتصار وحماية تاريخ الأمة ومنجزها. هذه الحثالة المتوحشة، ترفع عادة عيونها الدامعة إلى السماء، وتردد أدعية عن الثأر والانتقام من الأعداء، وتتوسل للآلهة والأرباب بالانحياز إلى جانبها في حربها المقدسة.
أثرياء الحرب هؤلاء ليس لهم دين أو ملة أو انحيازات دائمة وأبدية، يتلونون مثل الحرباء، ويبدلون مواقفهم لا لدواعي منطقية، من قبيل القيم الإنسانية، أو الحفاظ على إنسانية الإنسان وكرامته، أو حتى بالمصالح البسيطة للناس أو الدول، وكل هذا الهراء الذي ليس له معنى، بل لأسباب تبدو “منطقية للغاية”، يربطونها بالتاريخ والجغرافيا، ثم بحروب سابقة جرت في قرون مختلفة في عصور ما قبل التاريخ، أو ثأر قديم قبل عشرة آلاف عام، أو نبوءة في الكتب المقدسة، أو أسطورة في سردية عابرة لأحد أولياء الله الصالحين.
والأكثر وحشية وعدمية بين كل هؤلاء مَن يبررون الحروب بالتفوق، بما في ذلك التفوق الأخلاقي، والاستثنائية والاصطفاء، ويرفعون مقاطع من كتبهم المقدسة على أسنة الرماح، أو يكتبونها بأحدث أدوات التكنولوجيا على الصواريخ والدبابات، ثم يحولونها إلى مقالات وتحقيقات صحفية، ودراسات فكرية وكتب، ثم إلى سرديات تشكل عقول الأطفال ووجدانهم، ووجدان وعقل “الأمة” ووحدانيتها واستثنائيتها واصطفائها.
تجار الحروب هؤلاء، مشغولون دائما بأسعار الطاقة والنفط والغاز، وأسعار المواد الغذائية والذهب وحركة البورصة وأنواع الأسلحة. هذا النوع من أثرياء الحرب يعمل في المناطق الآمنة، في وسائل الإعلام أو الأجهزة السيادية، أو مراكز الأبحاث وتقديرات الرأي العام، يجيد الحديث، سواء من تلقاء نفسه أو بأوامر رؤسائه أو بقدر السيل المُراق من لعابه، عن كل شيء: النفط والغاز والسكر والصواريخ والدبابات والمقاتلات الحديثة، والحرب النووية، والإشعاعات الآتية من بعيد.
هذا النوع، من حثالة أثرياء الحرب، يركز عادة على التجييش والتهييج والإثارة، وتوضيح الفوارق الجينية بين الأطراف المتحاربة، وعناصر التفوق والتخلف، التي غالبًا ما تتركز على تفوقه الأخلاقي، مقابل تفوق العدو التكنولوجي والعلمي وارتفاع مستوى معيشته ومساحات الحرية المعيبة لديه. وأحيانا يتبادل العَدوَّان، أو الخصمان، إهانات تتعلق بأشكال وتصميمات الثياب وأشكال العيون والأنوف، وطريقة دخول الحمامات ودورات المياه، والقُرب من المعابد والكنائس والجوامع أو البعد عنها. وأحيانًا لا يُفوِّت كلٌ منهما فرصة الاستهزاء بالآخر والحط من تاريخه وثقافته وأحلامه وطموحاته البسيطة المشروعة، ولا يتصور أيٌ منهما أبدًا أن يتخلى ولو للحظة واحدة عن استعلائه ودناءته واصطفائيته، ويضع نفسه مكان الطرف الآخر وهو يلهو مع أبنائه، يرافقهم صباحًا إلى المدرسة، يثني عليهم عندما يحصلون على علامات دراسية عالية، ويغطيهم عندما ينعسون مساءًا.
لا أحد من كل هؤلاء القتلة يتحدث عن الأطفال والنساء وكبار السن، ولا عن أعداد القتلى والمصابين، والناجين بقدم واحدة أو عين واحدة أو حتى بدون أطراف. إنهم يتحدثون عنهم بشكل عَرَضي، أو من قبيل الأرقام والإحصائيات. وفي المقابل يخصصون المساحات الإلكترونية وبرامج التوك شو والمقالات والتحقيقات لإبراز ذكاء القادة والزعماء، وتفرد وزراء الدفاع والخارجية، وقدرة هؤلاء المختارين والمصطفين على التخطيط والإنجاز وحماية مقدرات الأمة والدفاع عن حياض الوطن واستقلاله وسلامة أراضيه.
هؤلاء الحمقى يحرضون على الحرب بكل الطرق الممكنة، وهم يضمنون تمامًا أن أولادهم بعيدون عنها وفي مأمن منها، وأن أرصدتهم في البنوك تسمح لزوجاتهم بقضاء وقت ممتع في التسوق، دون وخز الضمير من رائحة الدم المنبعثة من الأوراق النقدية وكروت الائتمان، وعدم الإحساس ليس فقط “بآلام الحرب وأوجاعها”، بل وأيضًا بأسعارها وأسعار خبزها ونفطها وغازها، وفواتيرها الكثيرة الأخرى.
المهم في هذه اللحظات بالنسبة لهؤلاء الأنطاع أن يثبت كل منهم قدرته على التحريض والتهويل والكذب والتضليل. يحصي إنجازاته التاريخية بعدد من اجتذبهم من الحمقى والأغبياء، وربما المغلوبين على أمرهم، للانتحار، سواء وهم يخبطون رؤوسهم في أحجار حائط المبكى وينطحون حجارته حجرًا حجرا، أو يضربون أنفسهم بالجنازير والسكاكين ويلطمون وينوِّحون حتى تسيل الدماء من عيونهم وآذانهم. بينما تجار الحرب الأكبر والدينامو الحقيقي للقتل والنحر والإبادة يتفقون سرًا وعلنًا، ويهندسون المشهد، ويثيرون الرعب في نفوس النساء والأطفال والمتقاعدين، ويدعون إلى حشد المزيد من “الوقود البشري” لتحقيق أحلامهم ورغباتهم وتضخم ذواتهم وجنونهم وإحساسهم بالعظمة والتفوق، ويركزون بالذات على الكائنات الأكثر جنونًا منهم، سواء تلك التي تنطح الجدران والحوائط أو التي تؤذي نفسها وتؤذي الآخرين في انتظار وعد ما. تلك الكائنات الأكثر إحساسًا بالندم على الحليب المسكوب، أو على شيء ما غامض ومريب ومرعب.
هؤلاء الأوغاد، من أثرياء الحرب وتجارها، موجودون لدى كل الأطراف: هنا وهناك، وما بعد هنا، وما بعد هناك. وفي الجهة الأخرى من هُناك، وفي الناحية الأبعد من الهُنا. إنهم موجودون بقوة وشراسة ووحشية بملامح تشبه الإنسان بشكل عام، وربما بملامح تميز كل منهم وفق طائفته ودينه وعِرْقِه ولون جلده، يبدون مثلنا بالضبط، يشبهون الناس العاديين أمثالنا، لكنهم يشمون رائحة الدم والأموال من على بعد آلاف السنوات الضوئية. ينتَشون من رائحة الدم، ويفرحون بملمس الأوراق المالية ورائحتها، ينشدون المجد ويتحدثون عن المثل العليا ويرفعون الشعارات الساخنة، يكتبون عبارات برَّاقة عن الحروب، ويَظهرون أمام الكاميرات بثياب فخمة ورابطات عنق أنيقة، ليتحدثوا عن معارك تاريخية حاسمة، ونضالات غير مسبوقة، وانتصارات وهمية، أو حتى حقيقية، وعن اقتراب موعد تحقيق وعد الرب أو الإله أو النبي المنتظر أو الولي الغائب أو العفريت الأزرق: كلٌ حسب دينه وطائفته ومذهبه وعِرْقِه، وحسب مساحة نفوذه وقدراته وطموحاته.
ورغم كل ذلك، لا يتذكرون الضحايا، يمرون بشكل عابر على الأرقام، فأبناؤهم وزوجاتهم وأمهاتهم، ليسوا من بين القتلى!
هؤلاء الأوغاد والحمقى والأنطاع، هم أنفسهم الذين، يظهرون بعد الحرب ليتحدثوا إلينا عن الأخلاق والمثل العليا والإنسانية والتسامح والمحبة والإخاء وحقن الدماء. هؤلاء أنفسهم، هم الذين يعودون بثياب ورابطات عنق أخرى جديدة ولامعة وبراقة، ليؤكدوا لنا على جدوى العقل والمصير الإنساني المشترك، والتعاون لإرساء جسور المحبة والسلام، والتكاتف من أجل إعادة الإعمار وإزالة آثار العدوان.
إنهم أحيانا يتجرؤون بوقاحة غير مسبوقة ويقولون إن “الإنسان هو أغلى وأثمن وأهم كائن على الأرض، وهو الهدف الأول للتنمية والتقدم والازدهار”، متناسين أن يضيفوا: “والوقود الأرخص للحرب”.
(3)
هل عرفت الآن ما هي الحرب، يا بني؟
الحرب ليست بنادق وبارود، ولا صواريخ بعيدة أو قصيرة المدى، ولا حتى جثث وأشلاء، وملايين الأرواح والضحايا. الحرب ليست نزهة او نشيدًا وأغنية ورقصة أمل في الانتصار. الحرب هي ما يتبقى من أثر على وجوه الناجين، وما يُحْفَرُ من ندوب في أرواحهم، وجروح لا تندمل في قلوبهم. هي الوحش الذي يحوِّل الناس إلى حيوانات كاسرة بلا أرواح أو قلوب.
الحرب تحول الناس إلى كائنات بلا عقل، تنتزع من قلوبهم الرحمة، تجعلهم يفترسون بعضهم البعض وكأن ذلك من طبائع الأمور.
لا تصدق، يا بني، أن الحرب توحد الناس، وتجمعهم في طوابير طويلة مخلصة خلف القيادة العظيمة: إنها الدعاية الفاشية والصور الذهنية والتعميمات المخلة. ولا تصدق أن الحرب انتصار لطرف وهزيمة لطرف آخر: إنها كلمات الدعاية المقيتة، وانتقائية العميان. ولا تصدق أيضًا أن الحرب نجاة لطرف دونَ طرف آخر: إنها هزيمة لكل الأطراف، فلا منتصر ولا مهزوم في الحروب. إنهم يخدعوك برايات النصر والزعابيط والأغاني والأناشيد، أو يشحوننك بالغل والكراهية وينتزعون منك قلبك من أجل إعدادك جيدًا للحرب المقبلة.
الخاسر الوحيد في الحرب، هو أنت يا بني.. هم الناجون الذين يبقون بلا قلوب أو أرواح، ينهشون بعضهم بعضًا، ثم ينهشون أنفسهم، بينما تجار الحروب يواصلون تدبيج الخُطَب، وإطلاق الأغاني والأناشيد، وبذل الوعود بالسلام والرخاء والبحبوحة، والإعفاء من الضرائب، وتقليص المدفوعات.
يا بني، لا غالب ولا مغلوب في الحرب. لا منتصر ولا مهزوم. هناك فقط ضحايا وأشلاء، ودماء، وأحذية مجهولة الهوية لا أصحاب لها. هناك ناجون تحولوا في لحظة إلى كواسر تنهش بعضها البعض، وتنهش نفسها في نهاية المطاف، بينما الغالب والمغلوب يقتسمان النصر والهزيمة، ويُقَسِّمَان الغنائم، في الغرف المغلقة، ويورثونك، مع الناجين، أبناءهم وأحفادهم، ويحافظون دومًا على ذلك القطيع الذي يجيد كتابة أشعار الحرب والأغاني الحماسية، وصياغة الدعاية، وإطلاق الوعود، وتنظيم أهازيج النصر المجيد، وتصميم رقصات المجد المنتظر، ويوزعون شهادات التقدير والأوسمة على الغلمان والقوادين، ويغدقون عليهم بصرر الدنانير.
هل عرفتها الآن، يا بني؟
لا. أنت لم تعرفها بعد، ولن تعرفها أبدًا، لأنك لست أُمًا فقدت وليدها، سواء كان غالبًا أو مغلوبًا. ولا امرأة فقدت حبيبها، سواء كان منتصرًا أو مهزومًا، ولا ابنة فقد أباها أو أخت فقدت أخاها.
لا. أنت لم تعرف الحرب بعد، لأنك لا تملك قلب أم انفطر، ولا حنان أخت، ولا عيون حبيبة. ولا يد أب ترتعش وحيدة أمام فَقْدِ الابن والسند، ولا دمعة ابنة لم تجد فجأة الأب الذي كان يجب أن يرقص معها، ويطبع قبلة على جبينها، يربت على خدها، قبل أن يُودِعَها في قلب رجل آخر تحبه.













