حاورها : حسن غريب أحمد
في السنوات الأخيرة بدأ المشهد الثقافي العربي يلتفت إلى أصوات إبداعية شابة تحمل رؤى مختلفة وتطرح أسئلة جديدة حول الكتابة والقراءة ودور المثقف في المجتمع. ومن بين هذه الأصوات تبرز الشاعرة والكاتبة الموريتانية أمّ النصر مامين التي استطاعت أن تحقق حضورًا لافتًا في الفضاء الثقافي العربي، مستندة إلى شغف مبكر بالقراءة واهتمام متواصل بالمعرفة والبحث.
عرفها جمهور واسع بعد مشاركتها في برنامج تحدي القراءة العربي عام 2019، حيث كانت أول فتاة موريتانية تصل إلى مراحل متقدمة في هذه المسابقة المعرفية، قبل أن تواصل مسيرتها عبر إصدار الكتب والمشاركة في الملتقيات الثقافية والكتابة في عدد من المجلات والصحف العربية.
وقد لقي كتابها «أيها المارون بين الكلمات العابرة» صدى طيبًا لدى القرّاء في عدد من معارض الكتاب العربية، فيما مثّل ديوانها «ما نخبّئه في علب سجائرنا الفارغة» تجربة شعرية لافتة تميل إلى قصيدة النثر، في محاولة لإضاءة مساحة مختلفة داخل المشهد الشعري الموريتاني.
إلى جانب الكتابة، شاركت أمّ النصر مامين في العديد من الأنشطة الثقافية والندوات الفكرية، وأسهمت في نشر ثقافة القراءة، كما كتبت مقالات فكرية تناولت قضايا الإنسان والمجتمع والحرية، وهو ما جعل تجربتها تتجاوز حدود الإبداع الأدبي إلى فضاء التفكير الثقافي الأوسع.
في هذا الحوار نحاور الشاعرة أمّ النصر مامين حول تجربتها في الكتابة والقراءة، ورؤيتها للشعر، وأسئلتها الفكرية التي تحاول من خلالها مقاربة الواقع والإنسان.
متى بدأت علاقتكِ الأولى بالكتابة، وما اللحظة التي شعرتِ فيها أن الأدب أصبح طريقكِ الحقيقي؟
أعتقد أنه من الصعب تحديد اللحظة الأولى التي تلبستنا فيها تلك الرغبة العصية على التأويل في أن نمسك القلم ونكتب، ولا يمكن القبض على المعنى الكامن وراء ذلك الإلحاح المتفاقم للورق الأبيض لبثه خوالجنا حتى أغوانا بالركون إليه، لتبدأ حكاية الإغراء الأزلي، ذلك الإغراء الذي لا يتبدد ولا ينحصر. ولكنني ومع ذلك يمكن أن أؤرخ لتلك الفترة بدفتر ولوح خشبي وجمل وكلمات من كتب منهاج أخي في الصفوف الإعدادية. فمرحلة الدفتر حين زارنا خالي في بيتنا مع صديقه وأنا في عمر أربعة سنوات وجلب معه لنا كعادته هدايا كالشكولاتة والحلويات والملابس وكانت المفاجأة في تلك المرة أنه قدم مع الألعاب بدفتر وأقلام لي ورغم انهماكي بالألعاب وتفرغي التام للهو دون أي شيء آخر في تلك السن إلا أنه كانت علاقتي بتلك الدفتر والأقلام خاصة جدا وكانت خطوطي فيها وتلويناتي مؤسسة لشيء ستتوضح ملامحه بعد فترة قصيرة من تلك الحقبة، رغم أنه كنت أستخدم ذلك الدفتر قبل تمكني من تعلم الحروف الهجائية، بينما مرحلة اللوح الخشبي كانت فترة دخولي الكتاب لتعلم القراءة وحفظ القرءان الكريم وأنا ابنة ست سنين وهذه المرحلة كانت مرحلة حاسمة في حياتي المعرفية والإبداعية، حيث كانت جدتي رحمها الله هي من يدرسني وكانت صارمة في التدريس وشديدة علي، وأنا مدينة اليوم لتلك الصرامة وتلك الشدة فكنت لأتجنب التعتعة والإخفاق في حل عقدة ما يخط لي في لوحي الخشبي ولتفادي عدم تمكني من حفظ واستيعاب ما كتب لي -لأن ذلك يكلف عقابا بالحبس لساعات جانب اللوح حتى أحفظ كل ما كتب لي ذلك اليوم- أهرع في المساء إلى كتب أخي وتحديدا كتب اللغة العربية وأقرأ القصص والنصوص وأحفظ القصائد العربية وشروح الكلمات وذلك سهل علي عملية التعليم والحفظ فكنت أحفظ ما يكتب لي وأحفظ دروسي وأحفظ ما تقع عليه عيني من أشعار ومفردات وحتى ما أسمعه، بعد وقت قصير وقبل بلوغي السابعة كانت لدي مفردات وجمل وتعبيرات كثيرة أستخدمها في حل الواجبات وكتابة الإنشاءات المدرسية وكنت في مادة التعبير والإلقاء دائما هي الأولى، وكان ذلك مع مدح المعلمين الذين درسوني في المرحلة الأساسية وإعجاب زملائي بالفصل بي وطلب الكثيرين منهم المتكرر أن أكتب لهم إنشاءات أو مساعدتهم في كتابتها، وهنا بدأت علاقتي بالكتابة تتوطد وتدريجيا تحولت من كتابة واجبات مدرسية وحل الفروض إلى جزء مني أمارسه دائما، فكان دائما يشدني شيء للهروب من التلفزيون واللعب للجلوس وحدي والكتابة في دفتر خصصتها لذلك بعد أن ملأت الصفحات الأخيرة من دفاتر المواد كلها من كتابات واقتباسات ومحفوظات وهي عادة صحبتني حتى في مرحلة الجامعة، لكن الكتابة كانت تتملكني في الأوقات التي لا يمكنني فيها الكلام والتي يصبح في نطق الكلمات حملا ثقيلا على روحي وحين تمل مخيلتي من التفكير وتقف عن تخيل المآلات. فالقراءة مكنتني من مهارة التحدث بطلاقة وحب النقاش والإقبال على الحياة وكل هذا مع التجارب الحياتية والعمر والإحباط والفقد والخيبات يجف ويتناقص ولا يبقى غير الصمت ولإنصات لضجيجك الداخلي، بيد أن الكتابة تمكنت من مجابهة كل ذلك وتحديدا مجابهتها للصمت وبدون ضجيج الكلام، ومنذ وعيي بذلك عرفت أن طريق الكتابة والأدب هما طريقي الحقيقي مهما تفرعت طرقي وتشابكت.
نشأتكِ في مدينة أنواذيبو، كيف أثّرت هذه البيئة الساحلية في خيالكِ الشعري وتكوينكِ الثقافي؟
أطلقت على مدينة نواذيبو لقب “مدينة البخور والبرد”، وقد ضمنت ذلك في نص شعري طويل ترجم إلى الفرنسية من طرف المخرج والمترجم الفرنسي هنري جول، وهي فعلا مدينة يتعانق فيها النسيم البارد مع خيوط روائح المسك المعتق وهذه التسمية تعكس مدى فتنة هذه المدينة وسحرها فالبحر والمناخ البارد والمعتدل طوال السنة والساكنة المثقفة والمنفتحة على العالم لقرب المدينة من المملكة المغربية وأوروبا؛ رغم الهجرات الكثيرة للساكنة الأصليين وتوافد مختلف مكونات المجتمع الموريتاني من باقي المدن بحثا عن حياة أفضل. لذا هذا المناخ والتنوع أثرا في رؤيتي للناس والحياة وساهما في تكوين شخصيتي وانفتاحي على الآخر وهو ما انعكس على كتابتي وعلى حتى قراءاتي التي تنوعت كثيرا وخاصة في السنوات الأخيرة، ولعل هذا راجع لعلاقتي الخاصة مع هذه المدينة فرغم أنه في مراحل مختلفة غادرتها عدة مرات وسكنت خارجها لفترات طويلة إلا أنه في كل مرة أعود إليها أشعر أنني استرجعت جزءا مني كنت أفتقده، وبعد وقت قصير من عودتي لها أحس بأنني لم أغادرها قط.
درستِ علم الاجتماع، هل انعكس هذا التكوين الأكاديمي على رؤيتكِ للإنسان والمجتمع في نصوصكِ الأدبية؟
بالتأكيد نعم، ربما يكون ذلك أثر في كتابتي لمرات كثيرة بشكل غير مباشر، وتحديدا أثناء الكتابة الأدبية التي أحاول بوعي أن لا أسمح للتخصص بالتحكم فيها أثناء عملية الكتابة أو توجيهها لأنه بذلك ستتحول الكتابة الإبداعية إلى كتابة أكاديمية أو فكرية وإلى نصوص مثقلة بالمعلومات والطرح التخصصي، إلا أن تأثيرها علي وعلى رؤيتي للمجتمعات والأفراد بالتأكيد كان له حضورا بشكل أو بآخر، ولدراستي بالتأكيد انعكاس على تجربتي الكتابية بشكل عام وخاصة أنني أحب هذا التخصص، وهو غني ومميز جدا وملهم للكتابة ولفهم وتفسير الظواهر الاجتماعية والأحداث.
شكّلت مشاركتكِ في برنامج تحدي القراءة العربي عام 2019 محطة مهمة في مساركِ الثقافي، كيف تنظرين اليوم إلى تلك التجربة؟
كانت التجربة في وقتها رغم جمالها صعبة وخاصة بعد عرض البرنامج وانقسام الآراء والنقد الكبير الذي طالني حين قررت ترميز وطني والإشارة إليه من خلال رمزية “غرفتي” الشخصية، ورغم كل الآراء الإيجابية وما لقيته من تبجيل وإطراء وتقدير وخاصة في الأوساط الثقافية إلا أنه بعد خروجي نلت ما يعادله من نقد وتنمر في وسائط التواصل الاجتماعي وتعمق ذلك وتعاظم حين بدأت آرائي التي كنت أكتبها ومقالاتي في النقد الاجتماعي؛ وللجماعات المتطرفة والحديث عن الحريات والمرأة وبالتحديد التي كنت أنشرها في صفحتي على الفيسبوك تلقى قراءات عالية وتتابع من طرف جمهور عريض بعد شهرتي التلفزيونية ليزداد ذلك الهجوم والنقد في بعض الأحيان، ورغم أن التجربة كما قلت كانت صعبة في آنها إلا أنني اليوم وبعد مرور كل هذا الوقت مدينة لها ومدينة للإمارات العربية المتحدة على تلك الفرصة العظيمة التي قدمتها لي والتي فتحت لي آفاق كبيرة مع الوقت وخاصة على المستوى الثقافي ككاتبة وصانعة محتوى ثقافي. فقد كانت تلك التجربة إضافة كبيرة لي وتعرفت من خلالها على زوايا كثيرة سواء في الإعلام أو الثقافة أو الأنشطة الثقافية، فهذه المبادرة التي كانت برعاية والدنا سمو الشيخ محمد بن راشد الذي التقيته أيامها وسلمت عليه وجمعني معه لقاء قمة في الدفء وأهداني كتابه الذي كان هو الآخر مليئا بالخبرة والتجربة الحياتية الثرية كانت فارقة في حياتي كقارئة بالدرجة الأولى وككاتبة لاحقا، لذا كما قلت هذه التجربة ساهمت بشكل كبير في صناعة اسمي وانتشاري الواسع بين القراء في الأوساط الثقافية العربية ومحبي الثقافة وجعلت المتحدث بالعربية في الهند يتواصل معي معجبا بمشاركتي كما يتواصل معي المشاهدون والمعجبون من سوريا واليمن والسودان والسعودية والأردن ومصر الحبيبة وباقي الأقطار العربية.
كيف أثّرت هذه المشاركة في حضوركِ الثقافي وفي علاقتكِ بالقراءة والكتاب؟
تحدي القراءة العربي جعلني منذ أول يوم فزت فيه في دائرة الضوء ببلدي، ولاحقا بعد سفري إلى الإمارات ومشاركتي عرف علي مئات الآلاف في العالم العربي وحتى الجاليات العربية المهاجرة وهذا بقدر ما هو مسكر في البداية ومفرح لي على المستوى الشخصي بقدر ما كان مسؤولية كبيرة وضغطا حقيقيا علي وخاصة أن الأفكار والكتابات التي كنت أنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة موقع فيسبوك منذ 2015 كانت أغلب قراءاتها من قبل أشخاص مهتمين ونوعيين؛ من الباحثين أو المثقفين وكانت منحصرة في عدد معين من القراء اكتشفوك من خلال نص في موقع أو جريدة أو مجلة أما بعد المسابقة فقد صار الجميع يعرفك والجميع يتابعك وبالتالي الجميع يقرأ لك، وأذكر أنه أول يوم إعلان عن فوزي على مستوى المدينة في هذه المسابقة تابعني بضعة آلاف من القراء والمثقفين وبعد إعلان فوزي وطنيا تابعني المزيد وعلى الصعيد العربي فيما بعد تابعني عشرات الآلاف تحديدا على منصة الفيسبوك وكان حسابي أول حساب نسائي في موريتانيا ينال علامة مارك الزرقاء بداية عام 2020، وهذا التفاعل الكبير والمتابعات المهولة انعكست على مستوى التعاطي مع اما أكتبه فرغم انتشاره وتلقفه على مستويات كبيرة إلا أن التعاطي الفكري معه قل وصار بدل أن يناقش بوعي ويقرأ بنضج يتلقف بالإساءات أحيانا والهجوم وخاصة إذا كان على مستوى الحريات والدين، وهذا بالنسبة لي يعتم على الفكرة ويسطح الطرح بتجاوز نقاشهما إلى نقاش شخص الكاتب والتجاوز في حقه من جموع أغلبها يعرف صورتك من التلفاز وقرأ اسمك من الشاشة ولا علاقة له بالورق أو المنتديات أو الأنشطة الثقافية وشتان بين من تعرف على الكاتب من الشاشة سريعا ومن تعرف عليه من ندوة أو صحيفة. أيضا تلقف المتابعين أيامها لاختياري في البرنامج لرمز وطني يعني لي والذي تمثل باختياري لغرفتي، موظفة رمزية الغرفة لأعبر من مساحتها الصغيرة إلى اتساع وطني الكبير والذي لم أعبر عنه أيامها لأسباب بعينها، وما سببه من ردة فعل كبيرة ورفض عند البعض أثر في كتابتي وخاصة في الكتاب الأول الذي كان نوعا من التعويض عن الرمزية والغموض في الطرح فطرحت ما عنيته، وما أعنيه عموما في تلك الفترة بالتحديد من حياتي؛ بلغة وأسلوب منفتحين على الجميع وكان ذلك كان بوعي مني وباجتهاد محسوب ولا يعني أن ينصت الكاتب أثناء كتابته لصوت غير صوته الداخلي ولا أن يكتب بلغة غير لغته وأسلوبه حتى وإن أساء الناس كلهم فهمه وفهمه شخص واحد فحسبه.
كتابكِ «أيها المارون بين الكلمات العابرة» حقق انتشارًا ملحوظًا في معارض الكتاب العربية، ما الفكرة أو الرؤية التي أردتِ تقديمها من خلاله؟
وضعت اللمسات الأخيرة لهذا لكتاب بعد عودتي من دبي أواخر أيام 2019 وقمت بتصفيفه وضبطه ومراجعته في العام الموالي واتفقت مع الناشر في مصر على طباعته وصدر في نهاية عام 2021، وقد راعيت في هذا الكتاب البساطة والمباشرة والدقة لأنني اعتقدت بأنه سيقبل عليه الكثير من القراء بمختلف مستوياتهم وقدراتهم المعرفية، ولعله أيضا كان فرصة لي لأكتب عن كثير من الأفكار والآراء التي أؤمن بها وقتها وأرى بصحتها وصوابيتها فعبرت عنها بدقة وحساسية ولغة غير معقدة أو موغلة في الألفاظ المعجمية تحدثت فيه عن الوطن كما أراه بوضوح وليس ترميزا وعن الحرب والحب والتدين والعلاقات الإنسانية، وكان أن انتشر ونجح وكان الإقبال عليه كبير ومبشر وما كتب حوله إيجابي ومشجع فرغم أنني لا أعتقد أن الكاتب عليه أن يهتم بالمبيعات والانتشار وتصنيفات السوق أو ما يعرف ب best seller فهو عليه فقط أن يقول كلمته ويمضي ويتركها تجابه الزمن فإذا كانت قوية بما يكفي ستصمد في وجه رياح الحياة وإذا كانت حصى فستذروها الرياح؛ إلا أنه أيضا نشعر بعزاء ما حين يقبل القراء على ما كتبناه ويجدون ذواتهم فيه وهو ما حدث مع هذا الكتاب فالقراء في المغرب والسعودية والعراق ومصر وسلطنة عمان والأردن وباقي بلداننا العربية ممن وصلتني رسائلهم الإيجايية والمحفزة كانوا سببا في شعوري بالبهجة، في عملي “أيها المارون بين الكلمات العابرة” مثلا كتبت للجميع وأنا معنية انتهاج المباشرة في أغلب فصول الكتاب أو كلها لأنني متوجهة لجموع غفيرة من القراء من مختلف المستويات والأعمار والعقول فخاطبت الجميع وكتبت عن معاناة الجميع بلغة متأنية فيها البعد الفكري والإصلاحي، وفيها لمسة التوجيه والمباشرة أبرز، وسعيدة بأن وصل إلى قلوبهم وتفاعلوا معه بإيجاب، أما الفكرة الرئيسية للكتاب فهي أنه علينا أن نفهم بعضنا بعضا ونخرج من ضيق الأيديولوجيا إلى أفق المحبة والتلاقي الإنساني.
في ديوانكِ «ما نخبّئه في علب سجائرنا الفارغة» تبدو اللغة مشبعة بالرمزية والاعترافات الإنسانية، كيف وُلد هذا الديوان؟
كتبت هذا الديوان على مدار فترات متفرقة من العام 2024 بتأني كبير وتجريب ومراجعة مستمرة، وكان كل نص نتاج تجربة وتأمل ذاتي ورغبة حقيقية في كتابة نصوص مختلفة لا تخضع لغير الفن والفلسفة والتجريب وربط ذلك باليومي والمعاش وبالتفاصيل المنسية المبثوثة في مفاصل يومنا بدءا بأوقات الصباح الباكرة حتى آخر ساعة من الليل، ليكون نوعا من ممارسة الإنصات للخطوات والإيماءات والحوارات اليومية التي لا يلقى لها بالا، وأيضا للمشاعر التي نشعر بها والأحاسيس التي تراودنا ونغض عنها الطرف أو لا نلقي لها بالا. مع الحرص على التعامل بوعي مع قالب اللغة الذي أذيبت فيه كل هذه الالتقاطات وجعلها لغة حية تتنفس وتمشي وتشعر وترفض مثلنا وبالتالي تكون الكتابة هنا أقرب لكتابة أل “ما بعد” أي ما بعد الألم بتركه يبرد حتى نكتبه أو على الأقل حتى يكون قادرا للتجاوب مع اللغة والرمز. وما بعد اليقين بخلق آفاق للتجربة الشعورية حتى تسأل وتتساءل. كما أن العمل كتب في الرباط الحبيبة هذه المدينة الساحرة التي كتبت فيها نصوصا مهمة وقرأت فيها نصوصا عظيمة واكتشفت فيها زوايا أخرى من روحي ربما ما كنت سأكتشفها لو لم أستقر في تلك المدينة الهادئة لفترة، فقد كانت ولادته بين أشجار النارنج وأزقة الرباط القديمة العبقة برائحة الطاجين والشاي والعطور والتي تنتصب في حواري المدينة العتيقة بكبرياء وأنفة لا تقلان عن كبرياء وأنفة الشعر والشعراء. وقد حاولت أثناء كتابته المحافظة على الالتباس، ذلك الالتباس الذي اشتغلت عليه بجد ولا زلت أحاول الاشتغال عليه وتطويره باجتهاد للمحافظة على المساحة بيني وبين القارئ تلك المساحة التي نخلقها كمبدعين رغبة منا في توثيق الصلة بيننا وبين قرائنا من خلال الرمز والأسئلة المفتوحة في فضاءات شاعرية محكمة.
يقال إن قصيدة النثر ما زالت تواجه شيئًا من التحفظ في بعض البيئات الأدبية، كيف ترين موقعها داخل المشهد الشعري الموريتاني؟
أنا شاعرة موريتانية معاصرة أنتمي إلى جيل جديد من الأصوات النسائية التي تكتب خارج الأطر الكلاسيكية للشعر الموريتاني رغم أننا نحن بالتأكيد معروف عنا كموريتانيين اهتمامنا بالشعر التقليدي والأدب الجاهلي وبحور الخليل واهتمام السواد الأعظم به، وممارسة الإقصاء على أي جنس أدبي آخر لا يلبي تلك النظرة، ولكنني مع ذلك كتبت قصيدة النثر وأصدرت هذا الديوان الذي هو حسب علمي أول ديوان قصيدة نثر يطبع لسيدة موريتانية وقد اشتغلت في تجربتي على الجمع بين الحس الفلسفي والاشتغال على اليومي والهش، والانفتاح على لغة غير تقليدية وثقيلة رغم أن هذا القالب الشعري غير مطروق بشكل كبير في الكتابة الشعرية في بلادنا؛ رغم وجود أسماء مهمة في كتابة قصيدة النثر في البلد كالأستاذ المختار السالم رائد هذا الفن بموريتانيا. أيضا سيلاحظ القارئ لديواني استخدام مفردات مثل (فونديشن نيسبريسو إنبوكس) وسيجد أنني أحاول فعليا نزع القداسة عن اللغة الشعرية كما درج أجدادي الشعراء على تمكينها وترسيخها، وشعراء بلدي تحديدا الذين أعتبرهم الأكثر وفاء للمقدمة الطللية والأكثر محافظة عليها في الوطن العربي، أما أنا وقلة معي نعد على الأصابع نحاول جعل القصيدة ابنة زمنها ومنحازة لواقعها وقريبة من القارئ دون أن تفقد عمقها. وهو ما تطلب استخدام مفردات كهذه وحتى الخروج عن الوزن والقافية رغم أنني أكتب شعر التفعيلة أيضا.
بين الشعر والقصة والمقال الفكري، أيّ هذه المساحات تشعرين أنها الأقرب إلى روحكِ؟
تدهشني الشاعرة العظيمة سنية صالح حين تشبه القصيدة بطلوع الفجر وحين تقول بأن القصيدة تقرر مصير العالم الذي يقف خلف أميال من النيران الشعرية ولكن لا تكون إلا حين نجتاز تلك الأميال بخفقة قلب. لذا القصيدة دفقة شعورية عالية علينا القبض عليها وتقييدها بالكتابة فورا أو ربما تتلاشى وتجتازنا وبالتالي القصيدة بالنسبة لي تأهب مستمر وإنصات دائم لأناشيد الوجود في أعماقي. أما القصة فهي تجمع بين الخيال والفكر والعاطفة في آن واحد ورغم الاعتماد على السرد والتخييل ولكنها بمثابة معمل يشتغل على صهر الأحداث والشخصيات والحبكة والوصف، والمقال يمثل عندي التنظيم ببنيته الحجاجية المحكمة وأطروحته الواضحة وبالتالي أعتقد أن كل صنف من هذه الأصناف الأدبية له مكانة خاصة عندي فالشعر أعتبره نافذتي على الوجود وجزء مني ولا أضعه في مقارنة مع باقي أصناف الكتابة أما باقي الأصناف وخاصة المقال والقصة فالمفضل عندي هو الذي أشتغل عليه لحظتها أو في خضم مراجعة نصوص تنصب في قالبه.
في بعض مقالاتكِ الفكرية تناولتِ قضايا حساسة مثل الدين والمرأة والحريات، ما الذي يدفعكِ إلى الاقتراب من هذه المساحات؟
على ذكر سنية صالح تحضرني مقولة ثانية لها تقول: عملية الإبداع هي وجه من أوجه الرفض ونوع من الثأر وإحقاق الحق. وهذا القول يحدد دور المبدع المنوط به، فما حاجتنا للإبداع والثقافة إذا لم نكتب ما نؤمن به ونقترب من المساحات الفكرية والثقافية الملغومة التي لا يمكن لغير المبدعين التعامل مع انفجارات ألغامها حتى يعبدوا الطريق لمجتمعاتهم، وبالتالي أنا أكتب ما يلح علي وأكتب ما أرى أن في كتابته الضرورة القصوى ليس بحثا عن الشهرة أو المجد أو المال رغم أن البحث عنهم ليس خطأ ولا انتقاصا وإنما فقط لأقول إن ما أكتبه هو ما أؤمن به بشكل صرف، فإذا صفق له فذلك لم يكن هدفي بالأساس وإذا هوجم واثار الحفائظ فذلك ليس رغبة مني ولا هدفا أيضا، فحين أجلس على طاولة مكتبي لأكتب فذلك لأمارس وجودي وكينونتي وأسجل مواقفي وأفكاري في كتاب الكون المبسوط، ولأقول كلمتي قبل أن أغادر، فلطالما كان شعاري لا تمت قبل أن تقول كلمتك.
هل تعتقدين أن الكاتب ينبغي أن يكون شاهدًا على قضايا عصره أم يكفيه الانشغال بالجماليات الأدبية؟
في اعتقادي أن مهمة الكاتب الأولى هي الكتابة وأن يكون صاحب مشروع إبداعي جاد، ولكن الإبداع في ذاته هو موقف، والجماليات الأدبية هي في جوهرها موقف من قبح العالم وزيف الصخب والوعظيات، ومع ذلك على الكاتب أن يكون صاحب ضمير حي اتجاه ما يحدث حوله.
ويمكنني أن أستشف ذلك من قراءتي لرواية “الأم” للكاتب مكسيم غوركي ذلك حيث كانت هناك شخصية باسم “ايغور” شاب مثقف صاحب موقف ومعروف بالتعبير عن مواقفه والكلام بصوت عالي عما يؤمن به، كان ايغور مسجونا وفر من السجن ليكسر قيده ويعود ليعبر عن نفسه مجددا بعد أن منع من ذلك فترة سجنه، لكنه كان يعاني من مرض عضال نقل إلى المستشفى بسببه بعد فراره من السجن في مرحلة حرجة، وحذر الاطباء من أن الكلام قد يسرع في موته؛ فتم منعه من التحدث، وبعد لحظات من منعه فارق الحياة. هذه الرمزية الواضحة تبين أن المثقف وبالخصوص الكاتب عندما يمنع من التعبير عن آرائه يموت.
هذا الإيمان بأن المعرفة هم وهذا الهم يواجه بطرق مختلفة فتارة بالكتابة وتارة بالنقاش وتارة أخرى بالرفض بأعلى صوت وتارة بالصمت يجعل الكاتب شاهدا على قضايا عصره ومنخرطا فيها مع انشغاله بالجماليات وبمشروعه الأدبي.
تعرّضتِ أحيانًا لنقد أو هجوم بسبب بعض آرائكِ، كيف تتعاملين مع هذا النوع من الجدل الثقافي؟
النقد وبالأخص النقد الهدام واللاذع في البداية يكون صعبا ومؤلما لأنك تتلقاه بقلبك وأناك وبالتالي ولأنك لا تستحق أن تعامل هكذا فقط لأنك عبرت عما تؤمن به تنزعج جدا ويثقلك ما تسمعه وتقرأه من تجاوز في حقك، ولكن مع الوقت وبعض النضج وفهم كيف تجري بعض الأمور تفهم أن هذا جزء من الطريق وعليك ما دمت قررت السير في طريقك أن تتحمل مشقته، وبالتالي أحاول دائما طمأنة نفسي والإيماء لها بأنه للكلمة الحرة ضريبة ولا بأس من دفعها وأصبر نفسي ببيتين من قصيدة للشاعر محمد سالم أعمر التي كتب في شخصي:
سيري إلى النصر أم النصر باسمة
لا تشغلنك أرباب التفاهات
خلقت للعلم للعلياء فارتفعي
في سلم المجد في أعلى المقامات
وبالتالي ما ألقاه من تضييق أحيانا ومن هجوم والذي وصل لحد أن إحدى أكبر القنوات في البلد التابعة للإخوان المسلمين أوقفت برنامجا ثقافيا كانت تبثه لإعلامي مثقف ومهم لأنه قدم إلى المدينة وصور معي إحدى الحلقات التي قررت القناة منع بثها ولاحقا منع البرنامج؛ جعلني أدرك أن صوتي وصل وما علي سوى أن أستمر في التطور والكتابة والحرص على أن لا أسمح لأي كلمة مثبطة أو تضييق أو منع من تكميم أفكاري أو تجفيف حبري.
شاركتِ في لجان تحكيم لعدد من المهرجانات والمسابقات الأدبية، كيف تقيّمين مستوى الإبداع لدى الشباب في موريتانيا؟
بدأت رحلتي مع التحكيم وتأطير المواهب اليافعة والشابة منذ الإعدادية حين تم اختياري وقتها كمسؤولة ثقافية لنادي المؤسسة التعليمية التي كنت أدرس فيها، فبدأت الكتابة للمسرح المدرسي والإشراف على فرقة الممثلين وتنظيم وتحكيم مسابقة طالب العام الثقافية أيامها، لاحقا كنت من محكمي مسابقة “غيث العقول” الكتابية لاكتشاف الكتاب من مختلف ربوع الوطن العربي وكانت تجربة ثرية واكتشفت فيها أقلام شابة واعدة تكتب بشكل جيد، كذلك قبل سنوات قليلة تم اختياري للتحكيم في المهرجان الوطني لمسرح الهواة وكانت تجربة غنية وأضافت لي الكثير وبعض التجارب الأخرى الفردية من كتب ومشاريع ثقافية شبابية تم إطلاعي عليها كانت في المجمل تستحق التشجيع، بالتالي في اعتقادي أن هناك الكثير من المبدعين الشباب في موريتانيا في مختلف المجالات كل ما يحتاجونه هو الرعاية والتأطير والإيمان بقدراتهم.
عملتِ أيضًا في مجال التعليم والمكتبات، ما أهمية المكتبات والبرامج الثقافية في تعزيز عادة القراءة؟
المكتبة هي ذاكرة العالم الحية، وكلما فتحنا مكتبة جديدة أو ساهمنا في نشر كتب جديدة نحن ننشط هذه الذاكرة ونثري عقلنا الجمعي ونعطي لوجودنا معنى مضاعفا، ولهذا كان اشتغالي كأمينة مكتبة المدينة والقائمة على أنشطتها الثقافية من أهم التجارب في حياتي رغم أنني قضيت أشهر قليلة ومن بعدها استأنفت دراستي الجامعية إلا أنها كانت إضافة حقيقية لي، وأعتقد أن المكتبة إذا ارتبطت برؤية حكيمة لمؤسسها وبأنشطة وفعاليات موازية؛ تقدم تجربة قراءة ثرية يمكنها أن تحقق أضعاف مهمتها المركزية وبرأيي مكتبة محمد بن راشد العظيمة نموذج حقيقي للمكتبات التي تحقق الغاية القصوى من الثقافة وتعزيز الوعي والمعرفة بفعالياتها وأنشطتها النوعية.
تُرجمت بعض نصوصكِ الشعرية إلى لغات أجنبية، كيف تنظرين إلى مسألة ترجمة الأدب العربي وإمكانية وصوله إلى قارئ عالمي؟
ترجمة الأدب وترجمة نصوصي تحديدا كوني موريتانية تعني لي الكثير فلا زال العالم لم يتعرف على أدبنا بعد كما يليق بأرض لم تعرف بشيء كمعرفتها بالشعر والأدب والثقافة فهذا هو رأسمالنا الحضاري، خاصة مع المنجز الإبداعي الكبير الذي حققته نخبة مهمة من مبدعينا وخاصة في الرواية في السنوات الأخيرة، غير أن الترجمة الجادة والفعالة بحاجة إلى مترجم ذكي وعارف بالنص وعلى معرفة جيدة بصاحب النص ولهذا كانت تجارب الترجمة حتى الآن كالترجمة إلى اللغة الإنجليزية التي ترجمت المترجمة الصديقة الأستاذة نجاة محمد فاضل إليها بعض نصوصي أو إلى اللغة الفرنسية مع المخرج الفرنسي هنري جول؛ تجارب مضيفة للنص وثرية ولا زلت أنتظر المزيد في المستقبل حتى يتمكن القارئ الأجنبي من التعرف على بلدي وآداب بلدي من خلالي فلطالما قلت “من خلال أم النصر ستعرف موريتانيا” وأعني أن تعرف أكثر فأكثر وتوضع على خريطة الأدب العالمي. فمن المهم أن يعرفنا وأن يتعرف على ثقافتنا وحضارتنا من خلالنا وليس من خلال سردية الغير.
كيف تقيّمين حضور المرأة الموريتانية في المشهد الثقافي العربي اليوم؟
حضور المرأة الموريتانية في المشهد الثقافي العربي اليوم خجول جدا حتى لا أقول منعدم، رغم النماذج النسائية المشرفة للأدب الموريتاني مثل الدكتورة باته البراء الاسم الأدبي النسائي البارز صاحبة الإسهامات الأدبية والثقافية المهمة، إلا أننا لا زلنا بحاجة كبيرة إلى بزوغ أسماء نسائية موريتانية في المشهد العربي الثقافي ويكفي من تغييب المرأة الموريتانية وتهميشها وابتعاث البعثات الموريتانية إلى مختلف الفعاليات الثقافية في العالم العربي بأعداد مهولة من الرجال وحضور صفري لأي سيدة بينهم وكأنه ليس من حق الأديبات والمبدعات الموريتانيات السفر والمشاركة والاحتفاء بهن أيضا؛ وإذا قرروا اصطحاب النساء في هذه البعثات فيكون بالكاد الحضور النسائي سيدة أو اثنتين كذلك معارض الكتاب والمؤسسات الثقافية في الوطن العربي في الغالب لا توجه دعوات للكاتبات والمثقفات الموريتانيات ولا تساهم في تسليط الضوء على تجاربهن كما يجب إذا استثنينا فعاليات بيت الشعر في الشارقة، وهي دعوة للمهرجانات العربية ومعارض الكتاب إلى إشراك المبدعات الموريتانيات ودعوتهن والتعرف عليهن هن أيضا بعد أن غصت هذه الأنشطة والفعاليات بالحضور الرجال فقط ولا زالت حتى اليوم.
شاركتِ في أعمال أدبية جماعية مثل كتاب «العزف على المشاعر»، ما الذي تضيفه هذه التجارب المشتركة لمسيرة الكاتب؟
في عام 2018 شاركت مع مجموعة من الشعراء والكتاب الرائعين بنصوص شعرية في عمل تحت عنوان “العزف على المشاعر” بعد سنوات من الكتابة والنشر في مختلف الدوريات العربية، كانت هذه التجربة المهمة في مسيرتي هي تدريب على إصدار كتابي الأول الذي كنت أرفض أن أصدره قبل أن أقرأ كثيرا وأجرب أكثر وقد عرض علي عام 2016 من طرف صديق إريتيري كان قارئا نشطا لما أنشره أيامها أن يطبع لي كتاب أجمع فيه نصوصي المنشورة وقتها كلها وتتم مراجعتها وتنسيقها ونشرها ورفضت ذلك بشكل قاطع، وقلت له إن ما أنشره على الفيسبوك وبعض المدونات أيامها بالنسبة لي مجرد مسودات تدريبية ولا يستحق النشر وأن كتابي الأول سيكون عملا مكتوبا ليصدر في كتاب وليس ما تم نشره على الصحف والنت، ولذلك كانت تجارب النشر الجماعي والنشر في المجلات تجارب مهمة وثرية بالنسبة لي لأنها جعلتني أمشي بالتدرج بدل القفز وبهذا أتعلم وأكتشف وأتبادل الخبرات مع كتاب من بلدان مختلفة لا يقلون قيمة أو إبداعا عني وبعضهم ربما يفوقني.
من خلال مشاركاتكِ في الندوات والملتقيات، ما أبرز القضايا الفكرية التي تشغل الجيل الجديد من الكتّاب؟
أعتقد أن قضايا مثل المرأة والهوية وتحديات الإنسان المعاصر من أبرز القضايا التي تشغل حيز كبير من نقاشات وكتابات عدد كبير من كتاب الجيل الجديد، كما أن قضية الحرب والنزاعات الإقليمية والعالمية التي تعصف بالعالم والمنطقة العربية تحديدا، قضية فلسطين هي الأبرز؛ لا زالت من أهم هذه القضايا.
تعملين حاليًا على مشاريع أدبية وبحثية ذات بعد أنثروبولوجي، هل يمكن أن تحدثينا عن هذه المشاريع؟
مهتمة في الكتابة عن المجتمع من الداخل، أقصد الكتابة عن المجتمع الموريتاني من خلال الغوص في المناطق التي لا يتم الوصول إليها في الغالب من طرف الجميع، تلك المناطق الداخلية البالغة الخصوصية التي لا يتم الاقتراب منها لأنها منطقة تخص “الأسر الكبيرة” لذا المعاناة التي يعانيها الأفراد في هذه البيئات تهمني الكتابة عنها بشكل متخصص أكثر وعلى ضوء المناهج العلمية الأنثروبولوجية وقد كتبت فعلا عن ذلك ما سينشر قريبا بعضه.
أخيرًا، ماذا تقول الشاعرة أمّ النصر مامين للقارئ العربي، وكيف تتصورين مستقبل الأدب في العالم العربي؟
مع هذه السرعة المجنونة وسعار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح سؤال الأدب سؤالا جوهريا يستحق أن تتم الإجابة عليه، فرغم أنني في تصريح سابق حول الذكاء الاصطناعي في تحقيق قامت به جريدة سلطنة عمان قلت بأنني سأكون مسرورة بمد يد المساعدة إلى الذكاء الاصطناعي والمساهمة في تطويره وتطوير طرق تفاعله مع الأعمال الموكل إليه إتمامها، لكنني مع أشرت إلى الانتباه لحدود الاستخدام بتضميني لتحذير من السذاجة التي تنتج عنه وعن استخدامه في الكتابة الإبداعية وأنه من غير المقبول الاعتماد عليه لإنتاج الأدب. إلا أنني اليوم أرى بأن السؤال عن الأدب وواقع الأدب هو سؤال ملح وخاصة في ظل ما نلاحظه من كتابات منتشرة اليوم كثير منها تم توليده بالذكاء الاصطناعي وأدواته وأعني هنا الكتابة الأدبية التي هي صنعة لا يمكن إجادتها بغير الاجتهاد والقراءة والتجربة الإنسانية والتعلم المستمر، وبالتالي رغم أنه هناك أسماء من جيل التسعينات تحديدا وبداية الألفينات لامعة ومبدعة ومجتهدة وتكتب بحساسية ورهافة بالغتين، إلا أنه هناك جيل ما بعد سقوط العراق أو جيل الذكاء الاصطناعي الذي حرفيا أصبح يستخدم أدواته في كل شيء ويريد كل شيء بسرعة وسهولة حتى الكتابة صارت هناك دورات تروج على الانترنت لتعليم كيفية تأليف أول كتاب بسرعة ونشره وهو إفراغ تام لعملية النشر من معناها، وكأن مسألة التأليف بهذه البساطة والسهولة وكأنه على الجميع أن ينشروا كتبا وفي وقت سريع ووجيز. إذن مع لوثة السرعة الفائقة والرغبة في الحصول على كل شيء بسهولة لا أستبشر كثيرا بمستقبل الأدب إذا لم يتم إدراك معنى وقيمة الأدب من لدن الأجيال الجديدة، رغم أنني أعول كثيرا على الشعوب التي وقاها الله من التمدين الزائف والمعلب ولا زالت تحافظ على بعض خصوصيتها الحضارية والثقافية وأخص شعوب بلداننا العربية الحبيبة.









