بولص آدم
مررنا
وكانت الطريق تشقُّ الوادي
بين صخرٍ وشجر
ورأيتُ بيوتًا صغيرة
كأنها أسرارُ الأرض،
تختبئُ منّا
وتأوي إلى ظلِّ الأشجار
قلتُ في نفسي
كيف يعيشُ الذين هنا؟
هم يرون السماء
لكنهم لا يرون المدى
يرون الشمسَ حين تعلو
ولا يرونها،
وهي تمشي على وجه الأرض
لهم نجومٌ كثيرة
لكن ليس لهم أفقٌ بعيد
ولهم صباحٌ
لكن الجبالَ تقفُ
بينه وبين امتداده
ومع ذلك
تُفتحُ الأبواب
ويخرجُ الأطفال
وتُزرعُ الورود
وتجلسُ أمي عند المساء
تنظرُ إلى السماء
كأنها تكفيها
فكم من قلبٍ
يسكنُ واديًا ضيقًا
وروحُه أوسعُ من الأفق
وكم من إنسانٍ
يسكنُ بين المدى والسماء
ولا يرى
إلا جدرانَ نفسه
ثم تذكرتكِ
منذ أن عبرتِ إلى صمتكِ الأخير
وأنا أسكنُ واديًا
كلما رفعتُ رأسي
ابتعدَ الأفق
البيتُ يعرفُ أن اسمكِ
طريقةٌ أخرى لفتحِ الأبواب
كلما قلتُ
أمي…
هَبطتِ على الأشياء
على المساءِ وهو يمدُّ ظلَّه
كأنه قطعَ طريقًا طويلًا
من الموصل
ليسمعَ صوتكِ
ثم طالَ به الطريق
كلما مددتُ يدي
تساقطت منكِ
رائحةُ صابون
خيطٌ أبيضُ عالقٌ بثوب
دعاءٌ بين فراقين
أمنيةٌ نامت تحت وسادة
وشعرةٌ فضيةٌ
تقاومُ الريح
في أسنانِ مشطٍ قديم
والنافذةُ
كلَّ صباح
تمسحُ زجاجَها بالضوء
يمرُّ وجهٌ بعيد
يشبهكِ
ثم تمضي الشمس
إلى الجهة الأخرى من الجبل
أما أنا
فكلما قلتُ
أمي…
ارتفعت في داخلي
جبالٌ قديمة
وتراجعت
حتى ظهرت السماء
واسعةً
وحيدة
أمدُّ يدي إليها
فتعودُ إليَّ
برائحة يديك
وفي المساءِ
حين يضيقُ الوادي
وتنحني الأشجار
تحت الريح
أراكِ
في خيطِ شمسٍ
على حافةِ جبل
وأظلُّ واقفًا
أرى السماء
وأنتظرُ الأفق
وعندما أعودُ إلى البيت
أشعرُ أن الجدران
ترتِّبُ صمتَها
وتتركُ عند الباب
مكانًا…
يكفيك
وتبقى السماء
معلّقةً فوق البيت
كأنها
آخر ما تركتِه لي
…………………
*اللوحة للفنان لوثر إيشو










