آية السمالوسي
في ظل واقع عربي مثقل بالحروب والانقسامات، تبرز جهود نقدية جادة تُحاول أن تلتقط تحولات السرد وأسئلته في مواجهة الفقد والدمار. وفي طليعة هذه الجهود تقف الناقدة الدكتورة أماني فؤاد، صاحبة المسار النقدي المتميز والحضور الثقافي الفاعل؛ فهي ليست مجرد باحثة أكاديمية، بل هي قارئة استثنائية تمتلك قدرة فائقة على تشريح النص السردي واستنطاق صمته.
يتجلى في كتابات الدكتورة أماني “نفس نسوي” رفيع، لا يكتفي بمجرد الانحياز للمرأة، بل يغوص في “جماليات الهشاشة” والقهر. وإذا كان الإبداع والنقد لا يفرق في جوهره بين رجل وامرأة إلا بمقدار التمكن من الأدوات، فإن الناقدة هنا تُثبت أن التجربة النسائية وما تحمله من خصوصية اجتماعية ووجودية تمنح الرؤية النقدية زخمًا عاطفيًّا مختلفًا, وصناعة الحياة في مواجهة ثقافة الموت، تكون بالضرورة الأكثر قدرة على التقاط أنات البشر وسط ضجيج المدافع، والأكثر حساسية تجاه “الزخم المشاعري” الذي يفيض به السرد الإنساني.
في كتابها الأحدث “سرديات الحروب والنزاعات: تحولات الرؤية والتقنية”، تفتح فؤاد جرح الرواية العربية على مصراعيه، مُسائلةً التحولات الجمالية والفكرية التي طرأت عليها في زمن الانكسار. هي التي أثرت المكتبة العربية بمؤلفات وازنة، من أبرزها: “الرواية وتحرير المجتمع”، “المجاوزة في تيار الحداثة”، “الإبداع في تراث أبي حيان التوحيدي”، ومجموعتها القصصية “لأسباب أخرى تعتم النجوم”.
وبفضل مكانتها النقدية الرفيعة، أصبحت الدكتورة أماني فؤاد مرجعاً في لجان التحكيم العربية والدولية، حيث شاركت في تحكيم كبرى الجوائز، ومنها: جائزة الدولة التشجيعية (مصر)، جائزة الشيخ زايد للكتاب (الإمارات)، الجائزة العالمية للرواية العربية “بوكر” (ضمن لجان القراءة والفرز)، جائزة كتارا للرواية العربية (قطر)، جائزة ساويرس الثقافية، جائزة الشارقة للإبداع العربي.
الدكتورة أماني فؤاد، عضو لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة، تضعنا في هذا الحوار أمام مرآة الواقع؛ لتكشف لنا كيف صار “اللابطل” هو سيد المشهد، وكيف تحولت الرواية من مجرد حكاية إلى “صرخة” في وجه عبثية العالم.
الرواية والواقع المشتعل
تنطلقين في كتابك من واقع عربي مشتعل بالحروب والنزاعات؛ فهل تعتقدين أن الرواية باتت ملاذًا للوعي الجمعي في غياب الإعلام الموضوعي؟
الرواية ليست بديلًا للإعلام الموضوعي، ولا ملاذًا للوعي الجمعي بصورة مقصودة ومخطَّط لها؛ إذ لا كتابة ولا نوع أدبي يحل محل كتابة أخرى أو مجال إعلامي. الرواية نتاج فني أدبي سردي لكتَّاب مبدعين، وهؤلاء يعبِّرون فنيًّا وفكريًّا عمَّا يشغل مجتمعاتهم. ما أعنيه هو أن الفنون والآداب لا تقف في مقابل الإعلام الموضوعي؛ فالإعلام والأخبار وتحليلات الواقع سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا شيء، والسرد الفني شيء آخَر (رؤية، وخيال، وبنية فنية، وتقنيات). الرواية صارت سيدة الأجناس الأدبية لقدرتها على تمثيل الحياة من حولنا، واستيعاب التعدد الذي نحياه، وخلق عوالم تصوِّرها وتجسِّدها من منطلق رؤى فنية للحياة، تُشبع ذائقة المتلقي وشغفه بالحكايات التي تتضمن الواقع، كما تتضمن الأساطير والرموز والموروثات والمعارف. الإعلام والأخبار وتحليلات الواقع هي محور في المشهد الثقافي، والرواية فن كتابي سردي في المشهد ذاته.
في زمن الحروب المتعددة، هل لا تزال الرواية قادرة على احتواء كل هذا الاضطراب، أم بات الواقع أكثر فوضوية من أن يُروى؟
الواقع أكثر فوضوية وظلمًا وعنفًا مما يتخيله جميع البشر؛ عليكِ فقط متابعة الأخبار اليومية لتعرفي. ولذا بدت الروايات التي تُنتج -وعلى كثرتها- لا تقدِّم إلا صورًا ومَشاهد وتفسيرات لما يدور حولنا من حروب ولعبة التوازنات والمصالح، وتجسِّد -ببنى فنية واقعية أو متخيلة- أحوال مجتمعات وبشر يعانون كل أشكال العنف والإبادة الجماعية، كما يعانون من كونهم مجرد رماد لحرائق تشعلها القوى الكبرى المتحكمة في العالم. لقد باتت الأحداث الواقعية أكثر غرابة من المتخيل في كثير من الأوقات، لذا يبحث الروائيون عن بنى فنية مغايرة، غنية باكتنازها بالمتناقضات والحيرة والشعور بالعبث؛ لتجسيد واقع يتوازى فنيًّا مع الحقيقة، واقع غير نمطي، أحيانًا يتفوق عنفه ودماره ومؤامراته على الخيال؛ وذلك لخلق نص فني يعادل ويحمل في بنيته أحداث حياة يمكن توصيفها بلعبة نرد متروكة للعبث وللفوضى. لا يتغيَّر السرد تغييرًا مأمولًا في القريب، قدر ما يجسد السرد صرخة؛ صرخة ربما من شأنها تنبيه المعنيين بحماية الأجيال القادمة.
هل فرضت سرديات الحروب أشكالًا جديدة من اللغة والمجاز والرمز تتناسب مع عبثية الواقع وتناقضاته؟
منذ أشهر استيقظ العالم على صور وفيديوهات التفجيرات والحرائق والدمار في طهران وتل أبيب، ومن قبلهما غزة، وحين تبحثين عن السبب الحقيقي لن تجدي أكثر من مجرد رغبات لفرض الهيمنة والسيادة والتفوق. العالم لم يعد إنسانيًّا كما نتمنى؛ ولذا استحدث السرد طرائق وآليات لتشكيل نهج مركَّب في مسار الحكي وتقنياته، معقَّد كعقد الواقع المركب والغرائبي، حيث السرد المفتوح على مسارات جحيمية، وحكي أحداث ومَشاهد تستطيع أن تترك في وعي القارئ بصمات وآثارًا لانهائية من الغضب والشعور بالقهر والامتهان والضياع والرفض الشامل للحياة؛ علامات لا تنمحي، وهو ما أوجد بنية “اللابطل” التي أشرت إليها في السرديات.
وصفتِ الشخصيات الأساسية في كتاب “سرد الحروب” بظهور مفهوم “اللابطل”، ما دلالة هذا المفهوم في لحظة انهارت فيها المفاهيم التقليدية عن البطولة؟
تقتضي البطولة لدى شخصيات النص -كما كنا نفهمها- امتلاكها رؤية يواجه بها الإنسان العالم -رفضًا أو قبولًا- لما يشتعل من حروب ونزاعات، وبلورة موقفه وإيجابيته تجاه أمور الحياة من حوله، وتمتعه بإرادة حقيقية يستطيع من خلالها أن يفعِّل وجوده، وحلم يسعى لتحقيقه له على المستوى الشخصي ولبلده على المستوى الوطني، وأن تتجلى له آثار ثقافية بمفهوم الوعي العام، علمية أو فكرية أو إبداعية أو إنسانية. بطل تغازله رغبات تطوير الواقع من حوله، بمعنى الفعل الذي يحمل بصماته، سواء انضوى على بطولة أخلاقية أو مجرد موقف؛ أي أن هناك وعيًا بالحياة وموقفًا فاعلًا فيها. لقد باتت الشخوص في النصوص لا فاعلية لهم، مجرد ظلال تعيش على الهامش. تبدَّى معظم أبطال سرديات الحروب كبطن ضفدع رخو ينبض بلا أثر، أسطح بشر، أو جلود خارجية، أغلفة إنسان، نثار كيان لا يترك علامات فارقة في الحياة. وبرغم تضاعف أعداد البشر في الواقع، إلا أن الوجود الإنساني الفردي الفارق والمؤثر -بمعنى الفاعلية والتفرد- لم يعد له مكان في معظم سرديات العقدين الماضيين اللذين نحيا في نتائج أحداثهما. ليس هناك بطل في الرواية العربية -في معظم ما قرأت- إلا ما ندر، لا وجود إلا لما سميته “اللابطل”.
بدلاً من دراسة الروايات منفردة، اخترتِ تحليل الظواهر السردية في فصول تأخذ عناوين التقنيات؛ ما الذي أتاحته هذه المقاربة من رؤى لا تكشفها القراءة الكلية لكل عمل؟
كنت معنية في الأساس بالظواهر الفنية والفكرية التي رصدت تحولاتها وبعض تغيراتها، التحولات في الرؤية والتقنية معًا في سرديات الحرب؛ ولذا قسَّمت الفصول للظواهر الفنية والفكرية التي حدثت فيها تحولات وشعرت بها أثناء قراءاتي؛ ولذا رصدتها وقمت بتحليلها وتتبعها في أكثر من 52 عملًا روائيًّا. عاودت الرجوع للروايات مرارًا، واستخراج الشواهد التي تدلل على ما ذهبتُ إليه في كل ملمح فني بحثت فيه، استخرجت وتتبعت تلك التحولات في الرؤية والتقنية، وتطلب هذا تركيزًا رأسيًّا في الظواهر السردية، ومن ثم المعاودة مرارًا للروايات لرصد الظواهر والقضايا التي أبحث عنها، وليس دراسة نقدية لمجمل العمل السردي.
هل يمكننا القول إنك تكتبين “تاريخًا غير رسمي” للمنطقة من خلال الرواية؟ وهل الرواية هنا تتفوق على التأريخ السياسي؟
السرديات الروائية هي التي تكتب التاريخ غير الرسمي، وهي الأصدق مما يكتبه المهيمنون، والنقد من دوره وطبيعته أن يصرِّح ويقول ما تومئ به النصوص الفنية، حيث يرصد ويحلِّل -بمنحى منهجي- طبيعة هذه الكتابات، وكيف يرى المبدعون الوجود من حولهم، وكيف يربطون بين الواقع الاجتماعي والثقافي وقضايا الثقافة العربية الإسلامية بأوضاعها المتكلِّسة التي كانت سببًا عميقًا في اشتعال تلك الثورات والحروب. الفن لا يتغيَّى التفوق على شيء، الفن بالأساس يقدِّم المتعة العقلية والجمالية، كما أن الشغف والكشف من أهم خصائص السرد الروائي، ويتأتى هذا للنصوص في سرديات الثورات والحروب بإبراز شبكة العلاقات البشرية في تعقدها وتقاطعاتها وتداخلاتها المركبة للغاية. في نصوص الثورات برز الرفض لظواهر ومعانٍ اجتماعية ثقافية أشمل وأعمق عما بدت عليه مطالب الثورات وشعاراتها التي انطلقت في الميادين، لكن لم يكن من السهولة التعبير عن هذه المعاني والقبض على صياغات محددة لها؛ فمعظمها معانٍ وقضايا فكرية لا يمكن اختزالها في شعارات، ولا يعبِّر عنها الصوت الجهوري ولا الهتافات في الغالب. هي معانٍ ثقافية وفكرية سلبية سيطرت على الجموع لكن رفضها البعض في وعيه العميق لافتقارها للعدالة، والفساد، وغبن حقوق المرأة والأقليات، والفساد السياسي والاقتصادي، ورفض مظلة السلطة الدينية وتفسيراتها المتشددة التي تسببت في الكثير من الظلم الذي وقع على الفئات الأكثر ضعفًا.
ما المعايير التي اعتمدتِ عليها لاختيار الروايات الخمسين؟ وهل كان للجغرافيا وجنسية الكاتب دور في الاختيار؟
أول المعايير أن تدور السردية عن الحرب أو ظلالها التي تقع على البشر. ثانيًا: أن ألمس شعرية العمل وفنياته اللافتة وتميزه النسبي، وأن أجده يعضد بعض الظواهر التي رصدت تكرارها وتحولاتها. ثالثًا: أن يكون المشهد الفني السردي كاملًا للمنطقة، أي يعرض لجغرافيا بلدان المنطقة العربية بتنويعاتها والتي وقعت فيها الثورات والحروب، ومن هذه السرديات رصدت تحولات الرؤية والتقنيات التي حدثت في الأفكار، وأيضًا في التعامل مع تقنيات الكتابة بصورة متنوعة من بلد إلى آخر، المشترك بينهم والمتفرد.
كيف أثّرت عليكِ شخصيًا قراءة هذا الكم من الروايات التي تدور عن الحرب والشتات؟ وهل خرجتِ من هذه الرحلة النقدية بذات اليقين الذي بدأتِ به؟
أتذكر أنني كنت كلما انتهيت من بعض النصوص التي تتضمن مآسي الحروب، ولمست قدر العنف والدمار النفسي والبيولوجي الواقع على الشخصيات، كنت أشعر بصدري يضيق، وأتعجب من الإنسان وأتساءل: ما المبرر ليقع كل هذا الظلم بالحياة، كل هذا العنف! من هول أحداث بعض النصوص كنت أضيق بها فأحكي بعضًا من أحداثها لعائلتي ربما لأتخفف مما أعانيه من تعايش مع الشخصيات والأحداث. شعرت أن الحياة غير عادلة على الإطلاق، وكنت أحسب أن الإنسان كيان رائع قادر على المحبة، ملهم بالعقل والوجدان الإنساني الراقي؛ شعرت بعد كثرة هذه القراءات ودراستها نقديًّا لاستخراج نتائج أن البشر مجبولون على الأنانية ورغبات السيطرة والهيمنة وعلى الزعامات، وأنهم لا يعدمون اختراع المقولات ويدعون لها ومن ثم يبررون لها بكل طرق التحايل. كما أن الكثيرين من البشر مجرد أدوات، دمى يلهو بها سياسيو العالم بالسيطرة على عقولهم وزرع الأفكار التي تأتي تحت مظلة القداسة.
هل تعتقدين أن روايات الحروب تقدم عزاءً للقارئ، أم تكشف له أن لا عزاء قادم؟
لم أكن أبدًا من السوداويين، وأؤمن بقدرة الإنسان على تطوير ذاته واستيعاب الآخر باختلافاته، وبأن الأرض تسع الجميع حين نتخلى عن أطماعنا، وأعني الحضارة البشرية كلها. لكن الواقع يصدمنا، فلا يمر يوم إلا ونيران الحروب تشتعل، فيسري اليأس إلى النفوس على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وأحسب أنه لا عزاء قادم.
ما هو برأيك الفرق الجوهري بين من يكتب عن الحرب من قلب الجحيم، ومن يكتب عنها من مسافة آمنة؟
القياس هنا ليس بالمسافات قربها أو بعدها، بل بالتعايش والرؤى والتمكن الفني، لكن أحسب أنه لو توفرت للكتابة الرؤية والمعايشة لأرض المعارك ومعرفة تنظيم الجيوش والإحاطة بالخطط يكون أفضل بلا شك للكاتب إذا امتلك أفكاره وفنه. وخاصة في الماضي، ولظروف العصر لم يعد هناك ضرورة ملحة لوجود الكاتب في قلب المعارك؛ فالتكنولوجيا ووسائط العصر الحديث توفر التغطية والبث المباشر من قلب مواقع الصراع، كما صارت المعارك توثَّق بالصوت والصورة وتُعرض على الشاشات والمواقع كافة. كما أن آثار الحروب على الشعوب والنازحين، وقصص قوارب الموت وعذابات مغادرة الأوطان والشتات، ومظاهر الدمار والهجرات صارت تُعرض كل لحظة وطالت كثيرين، وكلها مثيرات ومواد مؤثرة تمكِّن الروائي من الكتابة عن الحرب وآثارها على البشر؛ فالمادة التي يحتاجها في متناول يده ويراها على الشاشات يوميًّا حتى وهو غير موجود في مواقع الاشتباكات، كما أن من وظائف الكتابة الفنية أن تملأ مناطق الفراغ بالمتخيل.
هل تعتقدين أن الرواية العربية استطاعت أن توازن بين التوثيق الفني للحروب والتعبير عن التجربة الإنسانية الفردية؟
استطاعت بعض النصوص الروائية بالطبع، وأعني بالاستطاعة في المقام الأول الجانب الفني الجمالي والرؤيوي، وبعضها الآخر جاء في مستوى أقل فنيًّا وفكريًّا؛ فالتفاوت دائمًا ما يحكم تقييم الأعمال السردية، وتلك ظاهرة طبيعية.
المرأة والالتزام النسوي في سرديات الحرب
كيف يتجلّى الالتزام النسوي في سرديات الحروب؟ وهل ترين أن الكاتبات العربيات قدَّمن رؤى مختلفة عن زملائهن الذكور في هذا السياق؟
اليوم وأنا أشاهد الصواريخ والقذف المتبادَل بين إيران وإسرائيل، وجدت نفسي أردد: لم يعد من المنطقي أن يتولَّى الرجال حكم العالم بمفردهم، فلقد أثبتوا أنهم الأكثر تهورًا وخفة ورغبة في الزعامات، وأنهم الأكثر دموية وعنفًا، لا يفكرون في إبادة البشر قدر ما يرسِّخون لتفوقهم وأطماعهم. وأحسب أن هذه الأيديولوجية عكس طبيعة المرأة بقدر ونسب، فعادة ما تتجنب النساء العنف والموت والفقد؛ فصناع الحياة لا يمكنهن الاستهانة بها. في السرديات التي درستُ تضاعفت هموم المرأة ومشكلاتها مع الثورات والحروب؛ إذ يقع عليهن -إضافة للموت والاقتتال وضياع الاستقرار- استمرار غبن الموروثات الاجتماعية والتأويلات والتفسيرات الدينية، فتصبح المرأة الخاسر الأكبر في أية حرب، فهذا الصراع المسلح يفقدها أمانها ويعرضها للاغتصاب الجسدي والدمار النفسي، كما تكون معرضة لفقد أعز ما لديها: أولادها وزوجها وأسرتها الأكبر، كما تظل المرأة ساحة انتقام متاحة للأعداء. أستطيع أن أؤكد أن كل ظروف الحرب ضد النساء.
في ضوء تحليلك، كيف تم تصوير معاناة النساء في مناطق النزاع؟ وهل تعتقدين أن هذه السرديات ساهمت في تعزيز الوعي بحقوق المرأة؟
أتمنى لو تُسهم هذه السرديات -بعمقها الاجتماعي والثقافي والنفسي- في تعديل النظر لحقوق المرأة ومراجعة الموروثات الاجتماعية وبعض التفسيرات الدينية ليعاود الوعي الجمعي العام النظر لحقوق المرأة. نجحت بعض النصوص السردية في تصوير معاناة المرأة وجسدت ضياعها في المجتمعات التي نشبت فيها الثورات والحروب، ولم يكن تجسيدها فقط لمعاناة المرأة في الحرب بل لمعاناتها من الخطابات المجتمعية التي تحكمها وتؤثر في كل مجريات حياتها وتجعلها طرف المعادلة الأضعف.
هل يمكن اعتبار الأدب النسوي في سياق الحروب أداة مقاومة بحد ذاته؟
الأدب بكل أنواعه هو أهم وأرقى أشكال المقاومة، حيث كل كشف وبوح يعد تعرية للجذور الموروثة التي تعفنت لعدم صلاحيتها للحظة التاريخية التي نعيشها. نحن بحاجة لحرث الأرض مرارًا وتهويتها للنظر للنساء بصفتهن إنسانًا مطلقًا لديه حقوق وعليه واجبات، ووضع قضايانا الاجتماعية المهمة والمصيرية على طاولة النقاشات الموسعة، وخلق حوارات مجتمعية واسعة لنستطيع حل مشكلاتنا الثقافية الاجتماعية الخاصة بالمرأة بكل تجلياتها، سواء في الثقافة أو السياسة أو الاقتصاد أو غيرهما.
كيف تعكس الروايات العربية مظاهر الرجعية المجتمعية التي تظهر خلال فترات الحروب؟ وهل تؤثر هذه المظاهر على تطور الشخصيات النسائية في السرد؟
يحكم الوعي الجمعي في الثقافة العربية -وخاصة في البلدان العريقة- مجموعة من الموروثات، منها القاصر عن المواكبة للعصر، والخرافي الأسطوري، ومنها الاجتماعي الظالم للمرأة، ومنها تفسيرات دينية متشددة وغير عادلة مع إنسانية المرأة (سلطة النص). فنواجه على سبيل المثال بحرمان المرأة من ميراثها الذي أقره الشرع، ويُشكك في نواياها وأخلاقها وكأنها الشيطان، وتتحمل وحدها عبء الأولاد والأسرة وخاصة في حال فشل الحياة، ولا تأخذ المرأة نفس حقوق الرجال وفرصهم في الأسرة أو المجتمع، سواء في التعليم أو الوظائف أو حتى الطعام. في أحد النصوص السورية يقوم أهل الزوج بطرد المرأة التي ولدت طفلين يوم ولادتهما لأنهما ولدا في اليوم الذي مات فيه ابنهما في الحرب، يتركون الأم والولدين لساحة المعركة دون أي سند ولا دعم، وعلى المرأة أن تتحمل وحدها الخرافة وضعفها بعد الولادة والضياع وحياة الطفلين بلا أي سند. في النص نفسه يهرب زوج الكاتبة الصحفية لأنه لم يتحمل أن يولد له طفل ذو احتياجات خاصة، وحالة لامرأة أخرى تُصاب بالشلل من إحدى القذائف فيطمع فيها الطامعون على اختلاف توجهاتهم؛ وهكذا تعاني النساء من وعي رجعي لا يعاود تطوير مقولاته إضافة لتوابع الحرب الكارثية.
هل ترين أن الروايات التي تناولت الحروب قدّمت نقدًا ضمنيًا للبنى الاجتماعية التقليدية؟
نعم، فلقد وجدت أن الثورات والحروب التي اجتاحت المنطقة كانت تحمل في عمقها الإنساني مستويات متعددة من الرفض الشامل لكثير من منظومة مقومات الحياة وقيمها الاجتماعية والثقافية، والاستنكار للظلم الواقع على الإنسان في مناحٍ مختلفة: الرجل والمرأة. تكشَّف هذا بعمق في السرديات الروائية عما بدا عليه ظاهر أهداف هذه الثورات وشعاراتها التي ترددت على الألسن. تجلى الرفض لما استقر على أنه من مسلمات الحياة التي يعيشها الإنسان العربي؛ لم تكن ثورة الجموع في الحقيقة على الأنظمة السياسية فقط، بل كانت في عمقها ثورة على أفكار ومظاهر كثيرة، وانتقادات لمعطيات ومعتقدات تتحكم في حياة الإنسان، أدركتها النخب وعبَّرت عنها كما شعرت بها الجموع واستنكرتها. وتجلى الرفض لأنظمة سياسية سكتت عن تطوير حياة الشعوب ثقافيًّا وماديًّا، أنظمة لم تقصر في التنمية فقط بل جمدت واقع الشعوب ومستقبلها، أنظمة جعلت الواقع أقرب للجحيم، تدنٍّ في مستوى الوعي نظرًا لتدني التعليم والثقافة العامة، كما رسخت لمنظومات من الفساد تخدم مصالحها الخاصة. كما توجهت الثورة والرفض نحو كثير من المقولات التي تتضمنها بعض أسس الثقافة العربية الموروثة والسائدة في محاورها الاجتماعية والسياسية والدينية، الثقافة العربية بمفهومها الشامل؛ حيث استيقظت رغبات ملحة لدى الجموع غير المؤدلجة في هذه الثورات في فلترة وتصحيح الموروثات والعادات والتقاليد، ورفض الخطابات الدينية التي تقسم الناس إلى طوائف ومذاهب، إلى مؤمنين وكفرة، وكراهية ما تتضمنه الأعراف الاجتماعية التي تسيطر على الوعي الجمعي من غبن ولا مساواة في معظم المعايير التي تحدد حياة المرأة، ورفض الممارسات السياسية التي ترسخ للحكم المطلق بكل صوره، وغضب ورفض للفساد الذي استشرى في المجالات الاقتصادية وطال الثقافة ذاتها، واستنكار للوعي المزيف الذي بات سمة مستساغة تمارسه شرائح واسعة تبرر الفساد، وطغيان الشعور بغياب العدل وضياع الحقوق والحقائق أيضًا، وهو أقصى شعور يصيب البشر بالسكتات الفكرية والشعورية والإحساس بالعدمية.
كيف يمكن للأدب أن يسهم في تفكيك الصور النمطية المرتبطة بالمرأة في المجتمعات المتأثرة بالحروب؟
من طبيعة الأدب أنه يفعل كعوامل الطقس والمناخ، بمعنى أن إسهاماته لا تظهر مباشرة بل تتراكم في الوعي العميق لمن يقرأ ويتذوق ويفهم، وتترسب طبقات. فحين يقدم أحد النصوص نموذجًا لامرأة مختلفة، امرأة يمكنها إنجاز أدوار غير المتعارف عليها في المجتمع، حرة وشجاعة وتفكر، أي أن يخرج بها عن الأطر التقليدية؛ امرأة تتفاعل وتقترح وتسهم في تغيير الواقع العنيف الدموي الذي يضرها وبنات جنسها، ويبدد استقرارها ويقصي الآخر ويحول المجتمع للتطاحن؛ يمكن وقتها أن يرسخ الأدب للوعي ولقدرات النساء. من إمكانات الأدب علينا تجميل الواقع أحيانًا بخلق نماذج ورقية، لكنها تجسد المأمول في المرأة الواثقة القادرة على التأثير والفعل.
جماليات المكان والزمان والتحديات النقدية
كيف تم توظيف الزمان والمكان في سرديات الحروب؟ وهل ساهم هذا في تعميق فهم تأثير الحروب على المجتمعات؟
تتسع آفاق التعامل مع تقنية الزمان وتشكيلها في فضاءات رواية الثورات والحروب الأخيرة لتتجاوز طرق معالجاته التقليدية السابقة؛ إذ لا يوجد مفهوم زمني أحادي المستوى في أزمنة تلك السرديات. السرد قد يوظف الزمن الدائري، أو الزمن السائر في خط مستقيم، أو ذلك البناء الزمني الذي تبنى الحدود الفاصلة بين الماضي والمستقبل واللحظة الحاضرة النابضة بالحدث. توجد تلك الأزمنة كلها في سرديات الحروب، لكنها توجد مركبة بطرق ما، ودائمًا ما تحمل معها أبعادًا أخرى لأزمنة أخرى تستدعيها الذاكرة البشرية. يستدعي زمن تلك السرديات أزمنة الماضي ليعرضها ويشير لأحداثها ويُحدث تناصًّا مع وقائعها. وفي سرديات أخرى يستدعي الحلم بأزمنة سلام ومحبة وإمكانية التواصل، أو تطغى أزمنة الموت والشتات والاغتراب والفقد؛ ولذا تأخذ التقنية الزمنية في تلك السرديات على عاتقها رصد هذه الفوضى وأشكال الخوف واليأس في صور متعددة. تتدفق السرديات بالتعدد الزمني في اللحظة الواحدة وكأن الزمن ذاته طبقات؛ التداخل بين الحاضر والماضي والمستقبل، أزمنة الضياع المستمرة، ومن ثم تتبدد كل أشكال اليقين. تَهب تقنية الزمان للسرد مساحات تشكيلات فنية متسعة تحتمل غواية التجريب ونزقه، اللعب الحر الذي تتسع الحركة فيه ليشمل الحاضر المعيش بالفعل أو جذوره السحيقة ومراحلها. كما يتفاوت التعامل مع تقنية المكان، فقد تتبدى السخرية من المكان الذي يشمل هذا الدمار الذي يكتوي به البشر، أو الحنين إلى الأوطان التي اضطر مواطنوها لتركها، أو يتخيل الكتاب أمكنة يمكن أن يجدوا فيها الأمان الذي يفتقرون إليه.
أشرتم إلى أنكم عملتم على هذا الكتاب لمدة سبع سنوات، كيف واجهتم تحدي توثيق وتحليل أدب الحرب المتغير؟
في كل الحروب هناك الثابت الذي يتكرر وهناك بعض المتغيرات، لكن تجسد هدف بحثي في رصد التحولات الجديدة، وأحسب أن ريادة الكتاب في رصد هذه التحولات. وعلى مر سبع سنوات استطعت معايشة هذه التغيرات، حتى إنني أتذكر أن قراءتي لروايتين بصورة خاصة قبل نشر الكتاب جعلتني أعيد تشكيل البحث وفصوله وطرح رؤى جديدة في كتابة الحروب ذاتها؛ فمع اتساع عدد القراءات والنصوص كنت أضيف للبحث ما أجده مختلفًا ويطرح رؤى أو فنيات جديدة.
في ظل غياب تعريف محدد لأدب الحرب حتى مرحلة متأخرة، كيف قمتم بتأطير هذا النوع الأدبي؟
بعد مناقشة الكثير من التعريفات في فصول البحث، وجدت أن أدب الحرب لا يقتصر على تجسيد وسرد الصراعات على جبهة القتال فقط، لكنه أدب إنساني يقدم بطولات عسكرية فائقة الشجاعة أحيانًا، كما يقدم أكثر لحظات البشر توترًا وقسوة. أيضًا قد يتضمن تجسيدًا للحظة شهوة إراقة الدماء لدى البعض، ولحظات الضعف التي تعقب بعض النهايات. تجسد الحروب الخيانات أيضًا، كما تجسد الأطماع والرغبة في احتكار الحكم تحت دعاوى أيديولوجية.
تناولتم في كتابكم أكثر من 50 رواية عربية من دول مختلفة، كيف أثَّر هذا التنوع على تحليلكم؟
تحريت الشمول في هذه الدراسة؛ المشهد العام، بمعنى تقصي سرديات الحروب تحليلًا ونقدًا للمنتج الروائي العربي في تنوعه الجغرافي والثقافي والاجتماعي في الأقطار العربية المختلفة (مصر، سوريا، العراق، فلسطين، الأردن، لبنان، تونس، الجزائر، المغرب، دول الخليج العربي.. إلخ). تلك البلدان التي عانت –ولا تزال– من الحروب والنزاعات وآثارهما، سواء مع المحتل الدخيل أو بين الفرق والطوائف والمذهبيات المختلفة بين أبناء الوطن الواحد؛ لتكون هذه الدراسة مرآة تنعكس عليها طبيعة التحولات التي شكلت حياة المجتمعات العربية حديثًا، والآثار التي خلفتها الحروب والنزاعات على الوجدان الشعبي والعقل الجمعي للشعوب العربية، والتغيرات التي نجمت عن هذه الآثار وأعادت صياغة حياة أبناء تلك البلدان، وشكلت قيمهم ودوافعهم وسلوكهم تجاه ما استجد من أزمات وتحديات شعبية وقومية.
في ضوء المجازر المستمرة وحرب الإبادة في غزة، كيف تتوقعون أن تنعكس هذه المأساة على فن الرواية العربية؟
أتوقع شيوع كتابة رواية “الدستوبيا” بكل ما تتضمنه من جحيمية وخلق عالم حقير يكشف أن ما يتحكم في مقوماته الرداءة والظلم وهوان البشر؛ لكنني لم يزل يحدوني الأمل بأن تفيق الإنسانية من ظلماتها التي تترك هذه الأحداث والوقائع تظلم المشهد الوجودي.
ما أبرز التحديات التي واجهتكِ في تتبُّع هذا المسار المعقد، خصوصًا مع تشابك الوقائع السياسية وتشظي الخطابات؟
التحدي الرئيس -من وجهة نظري- تجسد في وضع مسافة بين رواية الحرب ورواية السياسة رغم اتصالهما المنطقي والأكيد؛ فتلك المنطقة تمتلك حساسيات كثيرة في طرح الواقع بكل الانتقادات التي توجه له، وتعلمين أشكال الرقابة المختلفة بمجتمعاتنا. كما أن معالجة رواية الحرب نقديًّا فتحت الجرح على تقرحاته كافة، وأعني هنا التقرحات الثقافية بمعناها الشامل: الاجتماعي والسياسي والنفسي والديني والاقتصادي والتاريخي؛ فشعرت أحيانا وأنا أكتب بعض فقرات البحث بأنني أتحرك في منطقة ألغام مفخخة.
هل هناك مشاريع مستقبلية تخططين لها لاستكمال هذا العمل؟
نعم، هناك مشروع أكمله الآن لكنه في منطقة مغايرة عن الحروب؛ كتاب حول الفنون وكتابة الرواية، وأتصور أن هذا المؤلف النقدي سيضيف للمكتبة العربية حيث يؤصل لكتابة السرد الروائي بالفنون المختلفة وماذا يمكن أن تضيفه الفنون للرواية. أما فيما يتعلق بتوسعة كتاب “سرديات الحروب والنزاعات”، فأتصور أن الواقع المشتعل الذي نحياه سيجعل من الحتمي أن يُضاف إليه، وذلك في كل طبعة جديدة للكتاب، خاصة وأنني علمت أن الكتاب يُقرر في بعض برامج الماجستير والدكتوراه في بعض البلدان العربية.














