د. يسري عبدالله
تعاين الكاتبة الروائية إنجي همام عالما على شفا الحلم، والتبدد، في روايتها الجديدة ( أفلام الظهيرة)، والصادرة في القاهرة حديثا عن (بيت الحكمة)، معتمدة على عدد من التقنيات السردية، تبدأ من العتبات النصية، حيث العنوان، والغلاف، الدال على أحد أشهر أفلام الأبيض والأسود، وأعني فيلم (حياة أو موت)، حيث تحمل الطفلة الشجاعة زجاجة الدواء لأبيها الذي يعيش بين الحياة والموت، في دراما مأساوية، صاحبتها الجملة الشهيرة (الدواء فيه سم قاتل)، والعنوان الدال (أفلام الظهيرة)، القادر على تأدية وظيفة داخل المسار السردي للرواية، حيث المشاهدة في غير أوقات الذروة، واستعادة زمن الأبيض والأسود، وأظهرة الخميس، الذي كان مخصصا لدى الساردة البطلة (وجد)، ورفيقاتها وزمانها لمشاهدة الأفلام القديمة، فتحضر أفلاما من قبيل (حياة أو موت/ فاطمة وماريكا وراشيل..)، وغيرها. والمنبئة عن عالم كثيف محتشد، بالرموز، والدلالات، والعلامات. إنه علامة على زمن يخص الذات الساردة، وتفضيلاتها الجمالية، والإحالة على لحظة زمنية تلقي بظلها على السرد، حيث لحظات التكوين الفني، وعادات المشاهدة لبطلة مركزية (وجد) تختزن في السينما أحلامها، وهواجسها، وأمانيها المعلقة.
ثمة مكونات نصية، وتصدير للرواية يبدأ من “هرمان هسه”، حيث العزلة الطوعية، وأشعار (بول إيلوار) تصنع التقديمة الدرامية لأقسام الرواية الثلاثة: (مكاتيب الرضا /ظل رجل/ بورتريه ذاتي)،وإهداء يعزز من مزاجية الكتابة، وبوحها، واستطراداتها، ونثار تفاصيلها؛ إذ تعتمد الكتابة هنا على تفعيل تقنيتين مركزيتين، يندمجان معا في بنية سردية متجانسة، وهما التخييل الذاتي، والتخييل الموضوعي، إذ تعد الذات الساردة مركز الحكي في الرواية، وموضع التخييل الفني، فهي ترسل رسائلها من دون انتظار الرد، حتى إنها قد تتوجه إلى مسرود له محدد (ميمي أو محمد)، من دون أن تتنظر الإجابة، إنها تحيا حالا من الشغف بالمرسل إليه؛ لتحيا (وجد) حالا من الوجد يصاحبها في رسائلها، وحيواتها داخل الرواية.
كما تعتمد الرواية على تقتية التخييل الموضوعي، وتبدو حاضرة على نحو أقل من التقنية الأولى(التخييل الذاتي)، وفي التخييل الموضوعي، نرى العالم عبر المواقف والأحداث الروائية المعروضة، وهنا تتضاءل تعليقات السارد الرئيسي، ويستنتج القارئ المصائر والمآلات، ويكمل دائرة الحكي.
أما الإطار الشكلي الجامع للرواية، فينهض على توظيف الكاتبة تقنية الرسائل السردية التي تصبح نصا سرديا، وليس مجرد تقنية فنية، ومن ثم تتحول من كونهاNarrative Messaging Techniqueإلى Narrative text
وتعد لعبة الرسائل تقنية مركزية في الرواية، تحوي داخلها تقنيات أخرى، من قبيل التداعي الحر، والمونولوج الداخلي، والرواية داخل الرواية، وغيرها، وتوظف الكاتبة من أجل ذلك ما يعرف بمنحى إدارة السرد، وتنظيمه، فعلى الرغم من كون الرسائل مغلفة بالبوح، إلا أنها تحوي خطوطا درامية متعددة، عبر الحكايات الفرعية التي تكتنفها.
في القسم الأول (مكاتيب الرضا) ثمة رسائل تبثها الذات الساردة إلى آخر لا يرد (ميمي)، حالة من الوجد تحياها البطلة المنحوت اسمها وجد مع فنان لم تره، لكنها عاشت مع أغانيه، وألحانه، ميمي كما سمته، أو محمد، أو (مي مي)، وفي كل مطلع رسالة سنجد استهلالا مغايرا من قبيل (الحبيب مي مي .. صباح الوجد)، أو (صباح الخير يا ميمي)، أو (صباح الخير يا محمد)، أو (عزيزي ميمي)، وهكذا، من قبيل المقطع التالي:” عزيزي ميمي…
صباح طيب كروحك.اليوم لدينا الكثير من الكلام، لن أبدأ بالفيلم، سأبدأ بك أنت، بك أنا، أوحشتني، لا أعرف كيف لذلك أن يحدث؟! كيف تكون الوحيد الذي لا أفارقه والوحيد الذي لا أشتاق إلى سواه؟! أي وصل بعد هذا الوصل يمكن أن يكون لترتوي روحي منك فتشبع؟! وأي حيرة أعيش أسيرة لها منذ عرفتُ روحك؟! تعرف أنت كل شيء، تعرف ما حدث وما يمكن له أن يحدث، تعرف نفسي أكثر مني، لكنك أبدًا لا تُجيب حيرتي، تبتسم ابتسامتك الماكرة الحبيبة وتصمت، ماكرة وأحبها كما هي، شريرة وهي الوحيدة من شر العالم أرتضيها، إنه الشر الطيب، أسمعت عنه من قبل؟ وكيف لا يكون طيبًا وهو شرك أنت، شر البراءة والطفولة التي لا تبرحك، لم أحبك ملاكًا وأعرف، وأحب كل ما فيك حتى شرورك الطيبة، ربما لآخرين أن يعترضوا، ربما يصرون على وصم الأحبة بالكمال، أو وصمك أنت، أجل إنه وصم، وما جمالنا أحيانًا سوى تلك الهنات، بعض العيوب، لا يهمني تصورات البشر الميلودرامية عن الأحبة والأعداء، تهمني وحدك من كل شيء، يكفيني أن تفهم كيف أحبك، أن تشعر بتدفق روحي في روحك، أن تستقبل عودتي إليك، عودتي الأبدية.. عودتي الأزلية، فما جئتُ هنا إلا لأعود إليك، تقف خلفي.. يدك على كتفي، أمام البحيرة الصغيرة في الحديقة العملاقة العتيقة، نفتت الخبز للطير ونطعمه إياه ضاحكين، نفرغ من كل شيء لنرانا، تُدير وجهي إليك، تُدير كلي إليك، تمتلك ضحكتي وحدك، تحفظها في عينيك، تمسح وجنتي بكفك وتسحب نفسًا عميقًا متمهلًا من الحياة..”.
وفي (ظل رجل)، تبث (وجد) رسائلها هذه المرة إلى صديقتها (ليلى)، وفي النص أكثر من ليلى، بدءا من الصديقة الواقعية، المتخيلة، إلى ليلى مراد وزمنها، ومن اللافت في القسم الثاني (ظل رجل) أن ثمة حضورا مغايرا لمحمد، أو ميمي في القسم الأول من الرواية (مكاتيب الرضا)، إذ يحضر هنا على نحو ظاهر، وليس مضمرا، على نحو حقيقي، وليس مجازي كما كان في مكاتيب الرضا. فهو هنا الفنان محمد فوزي، الملحن والمطرب الشهير، ومن ثم تأتي الرواية على جانب من سيرته الذاتية، ليس على نحو توثيقي، بقدر ما تعني تضفيرا للحكاية الواقعية مع الأخرى المتخيلة في بنية سردية متناغمة، ولذا تحكي لصديقتها ليلى عن محمد فوزي قائلة: “محمد مرة أخرى، قلتُ لكِ سأحكي من البداية، كان محمد الابن الأول لوالدته، وكان في الوقت ذاته الحادي والعشرين لوالده، وله من الإخوة الأشقاء وغير الأشقاء أربعة وعشرون، كان ابن آخر زوجة، الزوجة الثالثة لعبد العال حبس الحو، محمد فوزي كان اسمه وحده، كان لأبيه عادة أن يمنح جميع أبنائه أسماء مركبة، محمد فوزي! لم يحتج إلى غيره قطُّ، حتى الألقاب، كفاه اسمه دالًّا على كل ما يحمله هذا الرجل من معانٍ، في موالد طنطا القديمة أسموه لفترة فوزي الصغير، وفي بداياته هنا كان يسمي نفسه فوزي الحو، أما عندما اكتمل الحلم، فعاد ليكون محمد فوزي وحده، على تيترات أفلامه كان يُكتب مذيلًا بعلامة موسيقية أحببتها بشدة، شعرتُ أنها والاسم خلقا لبعضيهما بعضًا، أذهب خصيصًا للإيموبيليا لأراها على لافتة مكتبه التي ما زالت تعتلي برج الإيموبيليا البحري عن يساره، قبل المكتب والأفلام عمل فوزي بالتيتروهات، أكبرها في مصر حين ذاك، بدأ مع السيدة الأولى، بديعة مصابني، زامل عندها فريد الأطرش وتحية كاريوكا اللذين بقيا معه حتى النهاية في الفن والحياة، أحب هناك زميلته “لولا عبده”، وأحبته هي الأخرى، فعلا ذلك سرًّا حيث إن السيدة بديعة وضعت شروطًا للعمل لديها، أولها منع العلاقات الغرامية بين زملاء الفرقة، ولكن السر انكشف مع الوقت، قامت بديعة بطرد لولا من المكان وأبقت على محمد وحده، أما محمد فقدم استقالته دون طلب اعتراضا على طردها، كان نبيلًا دومًا في ما يفعله، المساواة في الظلم عدالة حققها بنفسه ولو كانت في غير مصلحته، كان ذلك سببًا لعمله الجديد مع فاطمة رشدي، ثَمة صورة جميلة تجمعه بها وعبد الغني السيد في العشرينات من عمره، سأرسلها لكِ مع الرسالة”.
وفي القسم الثالث من الرواية (بورتريه ذاتي)، كان لا بد من أن يكون العنوان جامعا على هذا النحو ( بورتريه ذاتي)، إذ ترى الأم (وجد) نفسها في مرآة حكيها لابنتها (نهاوند).
زخم من الشخصيات داخل الرواية، لم تغفل فيها الكاتبة حركة الشخصيات الهامشية، والاعتداد بالتفاصيل الصغيرة، من قبيل النظرات المستريبة لعامل قاعات الدرس في الأكاديمية (عزازي) للطلاب والأساتذة على حد سواء. وربما احتاجت الرواية إلى تسريع الإيقاع السردي في بعض مواضعها، وإبراز توترات الشخوص الداخلية أكثر.
وبعد.. عبر ثلاث حركات سردية، تأتي رواية ( أفلام الظهيرة)، فتتباين إيقاعاتها وتتقاطع، لتشكل جدارية فنية بامتياز، واستعارة من الفنون الأدبية الأخرى وتماسا معها، إذ يحضر الرقص، والموسيقى، والسينما العربية والعالمية، في جغرافيا سردية متسعة، تمتد من القاهرة إلى بيروت إلى الأردن إلى تونس، تتجادل مع سينما نوعية في إيطاليا وأمريكا، وغيرهما، وتعاين أمكنة واقعية، من قبيل ٣٦ شارع شريف، وعمارة الإيموبيليا، وقصر النيل لتعزز من واقعية الحدث الروائي، في نص اعتمد أيضا على توظيف تقنية الرواية داخل الرواية، عبر الرواية الطويلة التي سرعان ما تعاود الساردة الرئيسية الإحالة عليها، بشخصياتها المركزية (حنين وحافظ)، الوجه الواقعي المتخيل لوجد وميمي النابتين من رحم الشغف، والمحبة، والشوق الذي يفضي إلى وجد يسكن الروح.
هنا في (أفلام الظهيرة) تدشن الكاتبة المصرية إنجي همام مشروعا روائيا يخصها، لا تستعير فيه أصابع أحد، وتبني نصا ثريا متعدد الطبقات، يمثل إضافة نوعية لمتن كتابتها، ورواياتها الثلاث السابقة (موت الجدة مليكة/ بالقرب من الحياة/ في الليل على فراشي).









