د. رضا عطية
أثار الجدل الصاخب مؤخرًا حول أغنية حمد حماقي وشيرين عبد الوهاب، “بحرية” (2026) التي تُقدَّم بوصفها “دويتو” إشكالية كبرى نواجهها في صناعتنا الفنية بعامة وكذلك في ثقافة التلقي الفني، إذ تركَّز الجدل حول هذه الأغنية حول مستوى جودة كلمات الأغنية وتناسب موضوعها لأن يقدمه مطرب ومطربة تجاوزا الأربعين عمريًّا، فجاءت جل الآراء المنتقدة الأغنية أو المدافعة عنها انطباعية وسطحية بين منح أحكام بالقيمة ونفيها دونما تعليل أو فهم واعٍ لأسباب تلك الأحكام في حين لم يلتفت معظم هؤلاء إلى أزمة خطيرة ومستفحلة لعقود في الأغنية العربية تتمثَّل في مدى صلاحية الأغاني التي تُقدَّم بوصفها “دويتو” لأن تحقق شروط النوع أو القالب التعبيري الذي تدَّعي أنَّها تقدِّمه.
الحقيقة المهمة الغائبة عن صناع الأغنية وجمهورها أنَّه ليس كل أغنية يؤديها صوتان مختلفان يمكن أن تستوفي شروط النوع ثنائي الصوت، “الدويتو”، لأنَّنا ببساطة سنجد في معظم هذه الأغنيات التي قدِّمت في العقود الأربعة الأخيرة- إن لم يكن كلها- كدويتو أنَّه يمكن بسهولة الاستغناء عن أحد الصوتين المشتركين في أداء الأغنية فلا تتأثر إن أداها صوت واحد واستُبعِد الآخر.
والحق أنَّه كان لدينا في تاريخنا الغنائي المصري والعربي بعض النماذج المتميزة لأغنية الدويتو من أربعينيات القرن الماضي حتى نهاية سبعينياته كما في “حكيم عيون” التي غناها محمد عبد الوهاب وراقية إبراهيم مرورًا بدويتوهات محمد فوزي وليلى مراد “في حاجة شاغلاك”، و”شحات الغرام”، عبد الحليم حافظ وشادية “حاجة غريبة” وفريد الأطرش وشادية “يا سلام على حبي وحبك”، وصولاً لفايزة أحمد ومحمد سلطان “احنا انهارده إيه” وغيرها من أغنيات الدويتو التي صيغت بحرفية وإحكام فني يستوعب الخصائص النوعية للدويتو، الذي يجب أن يقوم على تبادلية وتكاملية بين الصوتين المتشاركين فيه، تتأسس على النص/ الكلمات التي تنسج حوارًا منسابًا بين طرفي الموقف الدرامي الذي ينبني عليه الدويتو.
لابد لأغنية “بحرية” لشيرين وحماقي التي قُدِّمت بوصفها “دويتو” لمجرَّد تشارُك صوتين في أدائها أن تثير تساؤلات عديدة ومهمة حول مدى تحقيق كلمات الأغنية لشرط نوع الدويتو، إذ تبدأ الأغنية التي من ألحان وكلمات عزيز الشافعي، في مذهبها بدعوة الأنثى/ الحبيبة للآخر/ الحبيب إلى مشاركتها احتساء الشاي قائلة: (بحرية الفرنده بحرية/ هتيجي أمتى/ ونشرب أنا وأنت/ الشاي في العصرية/ من ماما ماتخافش من ماما/ دي عشرية/ بتموت فيا/ مع بابا كلامك مع بابا/ نمرته أهيه) وإذا كان السطر الأول من كلمات الأغنية “بحرية الفرنده بحرية” يعيد استخدام جملة فلكلورية أصلها: “بحرية يا ريس بحرية” في التراث الشعبي السكندري والسواحلي أو “بحرية يا غواندار بحرية” في الفلكلور اللبناني الذي وظَّفه الرحبانية، كما كان أيضًا في مطلع أغنية لوديع الصافي من ألحان محمد عبد الوهاب “عندك بحرية يا ريس”، فجاء توظيف هذا التكوين الفلكلوري في هذه الأغنية للتأكيد على لطف المكان المرشَّح لجلسات تبادل المودة والحب، “الفرنده”، مغايرًا لتوظيفاته السابقة التي كانت تأتي ضمن سياق النداءات الشاحذة حماسة البحَّارة، لكن ما قد يتبادر إلى الذهن: هل ينطلق الحب والتحفيز عليه من معطيات مادية خاصة مثلاً بمكان تلاقي الحبيبين؟ بمعنى هل لو لم تكن “الفرنده” بحرية سينتقص ذلك من قوة الحب بين الطرفين أو قد ينفيه أو يقلل من مقداره؟!
وإذا كانت دعوة الحبيبة (شيرين) في المذهب أو المقطع الأول من الأغنية لحبيبها (حماقي) وتحفيزه على التقارب معها بطمأنته بألفة أمها: (من ماما ماتخافش من ماما/ دي عشرية/ بتموت فيا) فإن قيام عزيز الشافعي الملحِّن بجعل الحبيب (حماقي) في المقطع التالي/ الكوبليه الأول والوحيد في الأغنية يعيد نفس الجملة من المقطع مع تعديل طفيف بتحويله من ضمير المخاطب إلى ضمير المتكلِّم بقوله (من ماما مابخافش من ماما) يحدث خللاً في منطق الخطاب، فلا نعرف إن كان الحبيب يتحدث هنا عن أمه، فيكون الأمر غير مجدٍ في سياق التفاوض مع أسرة الحبيبة، أم يتحدث عن ألفة أم الحبيبة إليه، وهو ما يناقض الطرح الأولي السابق في مطلع الأغنية أو مذهبها بأنَّه لم يكن قد التقى أم الحبيبة بعدُ، فتطمئنه الحبيبة بألفتها وطيب معاشرتها. وفي ظني أنَّ عزيز الشافعي الملحن قد جعل الحبيب يعيد هذه الجملة التي سبق وأن قالتها الحبيبة في المذهب نظرًا لطول الجمل التي قالتها الحبيبة (شيرين) في هذا المقطع والاحتياج لدخول صوت الآخر/ الحبيب، وهو ما يتنافى مع شروط نوع الدويتو.
أما رد الحبيب (حماقي) على دعوة الحبيبة (شيرين) إلى بيتهم بالإعلان عن حبه البالغ لها: (لا مجنون أنا ولا اتجننت/ أنت اللي من القلب اتمكِّنت/ وزاد الشوق يا حبيبي وعطلت) فلا يملك سندًا منطقيًّا ليكون ردًا على دعوة الحبيبة باللقاء أو التفاوض مع أسرتها، وتشكيليا فقد جاءت الجمل الثلاثة في عملية تراص آلي وتوال عشوائي لا يهدف إلا لتعبئة الجملة اللحنية بأي كلام مهما افتقر لأدنى مستويات القوة المنطقية، أما الروابط بين هذه الجمل فجاءت مجرد تماثلات صوتية في خواتيمها بلا اتساق منطقي، ففي الجملة الأولى ينفي الحبيب عن نفسه الجنون (لا مجنون أنا) وهو اسم مفعول يعني الثبات والاستمرارية، أي ثبات نفي وسم الجنون عنه، فيأتي نفي الجنون بعده بصيغة الماضي (ولا اتجننت) نتوءًا تعبيريًّا ومجرد حشو لغوي لاستكمال السطر والجملة اللحنية دونما أدنى فائدة تُضاف إلى بنية المعنى، أما الجملة الثالثة التي تختتم بالفعل (وعطلت) فلا يبين عن أي شيء قد تعطَّل الحبيب وبدت أنَّها مجرَّد كلمة لسداد الحاجة للتقفية، دونما أي إضافة للمعنى بل تعطِّله، في تصور ساذج ومفهوم مغلوط بأنَّ القافية هي مجرد اتفاق خواتيم الأسطر الشعرية صوتيًّا وحسب.
الواضح أنَّ أغنية “بحرية” لم تحقق شرط “الدويتو” بمفهومه الفني العميق؛ إذ يتطَّلب “الدويتو” بنية درامية تقوم على جدل بين الشخصيتين أو الصوتين أو تكاملية ما، بل كانت أقرب إلى “مباراة صوتية” تم فيها تفصيل دفقات كلامية متباينة الأجواء والطبقات السوسيو-ثقافية، وكأنّنَا إزاء مقاطع من أكثر من أغنية غير متجانسة جرى تجميعها كمزق من أقمشة متنافرة تم رتقها لتشكِّل ما يشبه مرقَّعة الدرويش. لقد غاب المخرج الدرامي (الشاعر) الذي يضبط حركة الشخوص على مسرح النص، فجاءت الأغنية مفككة منطقيًّا، غير متسقة دراميًّا في توزيع الضمائر والأدوار، لتعيش فقط على الهامش الإيقاعي النغمي دون أن تصنع نصًا حواريًّا متماسكًا يمكن أن يمتلك قيمة البقاء الفني أو يستوفي أدنى شروط “الدويتو”. ولو طبَّقنا اختبارًا بسيطًا وسهلاً على هذه الأغنية التي يفترض صانعوها بأنَّها تندرج تحت نوع الدويتو بافتراض أن أحد الصوتين ولتكن الحبيبة أو الأنثى تغنيها بمفردها سنجد إمكانية الاستغناء عن الصوت الآخر بكل ارتياح دونما وقوع أدنى خلل في إمكانية استمرارية الخطاب الذي تبثه الأغنية- شأنها في ذلك شأن معظم الأغنيات التي قُدِّمت بوصفها “دويتو” في العقود الأربعة الأخيرة.
وتكشف أغنية “حرية” لشيرين وحماقي عن افتقاد النص/ الكلمات لأهم متطلبات الدويتو وهو البنية الدرامية، لا الدراما بالمفهوم الخاطئ والساذج الذي شاع عند صنَّاع الأغاني وعوام الجمهور بأنَّ الأغنية الدرامية هي التي تكون مشبعة بحالة من الحزن أو الشجن أو هجران الحبيب أو غدره وخيانته لمن أحبه، وإنَّما الدراما بمفهومها الفني وإحدى تجلياتها الحوار الديالوجي ومن صوره في الغناء “الدويتو”، الدراما التي يجب أن تقوم على مبادلة حوارية بين صوتين/ شخصيتين بينهما حوار وجدل أو تقابل أو تمايز في المواقف والرؤى أو أنَّ أحداهما قد يضيف للآخر أو يوضِّح له موقفًا أو يستدرك عليه طرحًا ما، لذا يغيب، في الأغلب- لدى صنَّاع الفن في الأجيال الحديثة الوعي بضرورة ثقافة المبدع الفنية، فعلى من يتصدى لكتابة دويتو غنائي أن يكون مشبعًا ثقافيًّا بجرعات كافية من الدراما بالتزود بقراءة نصوص مسرحية كأساس للدراما، وعلى مؤلفي الأغاني ألا يكتفوا بالمصادر الشفاهية لتزودهم بالمبادئ الأولية لكتابة الأغنية وإنما عليهم أن يقرأوا نصوصًا أدبية متنوعة بين الشعر والقصة والرواية والمسرح لتوسِّع أفاق وعيهم الجمالي وتثري مخيلتهم الإبداعية، وكم نحتاج في برامجنا التعليمية أن نفعِّل مادة التذوق الفني بإعطاء الناشئة والأحداث مبادئ وأبجديات الفنون المختلفة. كما أبرزت هذه الأغنية ظاهرة خطيرة وهي تصدي بعض الملحنين أحيانًا لمهمة كتابة النص تمامًا مثلما يحدث في مسرحنا المصري منذ زمن ليس بالبعيد من إزاحة بعض المخرجين للكاتب المسرحي ليقوموا بإنتاج نصوص تفتقر لمقومات النص المسرحي الجيد، صحيح قد يقول البعض إنَّ هناك ملحنين في الغرب وكذلك الرحبانية يجمعون بين التلحين وكتابة نصوص الأغاني لكنَّ مثل هؤلاء لم يتجاسروا على ذلك إلا بعد امتلاك الموهبة والثقافة الواسعة من الزاد الشعري للقيام بذلك.
……………
(*) هذا المقال هو النسخة الكاملة من مقالين للدكتور رضا عطية، نشر أحدهما في صحيفة “المصري اليوم” والآخر في صحيفة “الجمهورية”.










