أحمد الشَّهاوي
أعرفُ أحمد القرملاوي منذ سنواتٍ عبر الدار المصرية اللبنانية التي أنشر فيها كُتبي منذ ثلاثة عقود ،وكانت ناشرَهُ أيضًا،ثم صار بعد ذلك جُزءًا أساسيًّا من دار ومكتبة ديوان،حيثُ أصبح ينشرُ أعماله منها ،وبسبب حدْسه النافذ الذي لا يُخطىءُ وتجاربه المُتنوِّعة استطاع أن يحرق مراحلَ كثيرةً في مسيرته الكتابيةِ قبل أن يبلغَ الأربعين.
هو كاتبٌ يعرفُ الواقعَ جيدًا ،ويلمُّ مشكلاتِه في يديه،حاملًا المعارف والمعلومات في دماغه؛يسعى نحو ما يبقى حد “الأبدية”،ولحُسن معرفته بالموسيقى ومقاماتها طاوعتهُ اللغةُ وقبلها الأفكار الجديدة غير المكرَّرة.
وهو من الكُتَّاب الذين يعتنون بلُغتهم ،إذْ دوما ما تأتي محمُولةً على الشِّعْرية والسلاسة الآسرة،والسُّهولة الجاذبة،القادرة على شد انتباه الذي يتلقَّى كتابته.
وهذه هي المرة الأولى التي أكتبُ عن تجربته،وقد جاءت روايته ” صفر فاصل خمسة” فرصةً لهذه الكتابة ،خصوصًا أنَّها تجربةٌ سرديةٌ غريبةٌ حيثُ “غرابة الرقم صفر فاصل خمسة الخالي من أي دلالة معروفة”،لكنَّ له “مدلولا خاصا في معجم العقول الاصطناعية ،إذ هو رقم الغموض والتعادلية ،والحد الفاصل بين الشكِّ واليقين.”
ورواية أحمد القرملاوي تتمثَّل في “ثلاثة مواقف مُجْهِدة عاطفيا لأغلب الناس : السفر،والتيه،والفقد،تخوضها عينةٌ من المتطوعين من مختلف الطبقات والخلفيات والمُعتقدات والشَّرائح العمرية،فيختزن العقل الاصطناعي جميعَ انفعالاتهم وأفكارهم وحيلهم النفسية التي يستخدمونها لتجاوز المواقف التي يواجهونها”.
يكتبُ الراوي “عُمر”هذه الروايةَ ليتخلَّص من السَّأم الذي داهمه،وستكون التجربة “فرصة ذهبية للعقل الاصطناعي لاستيعاب مفهوم السَّأم وتأثيره في النفس البشرية”.
يخُوض الراوي هذه التجربة بمفرده مع العقل الاصطناعي الذي ” يتغذَّى على أفكارك وهواجسك،يترجمها إلى حياةٍ وأحداثٍ ،وقد يقعُ في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة،فلا يزال أمامه كثيرٌ لكي يتعلمه.”
يتمرد الراوي كثيرًا داخل النص على “سلمى” التي أدخلته التجربة المُمتعة الغريبة والمخيفة في آن،وكذا الشرطي الذي يُحقِّق في جريمة قتل افتراضية”إنني شخصٌ افتراضيٌّ،لا أنتمي حقيقة إلى عالمه.هل يعقل أن تحتجز هولوجراما أيُّها السيد؟أن تحاكم صورةً مجسَّمة لشخصٍ لا وجودَ له في واقعك؟لا يليقُ بكم هذا الهراء…”.
….
جاء أحمد القرملاوي من التصميم المعماري إلى الرواية؛وذلك خدمه كثيرًا في كيفية بناء النص،والتحكُّم في خيوطه من قربٍ ومن بُعدٍ، كما جاء من آلة العُود إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الذاكرةِ القرآنية إلى مغامرة اللغة، ومن ثم يواصلُ القرملاوي بناءَ عوالمَ لا تكتفي بمحاكاة الواقع، بل تذهب إلى تخُومه، حيثُ يختلطُ الإنسانُ بما يتخيله، وما يفقده وما يسافر إليه بحثًا عن نفسه.
وأرى أنَّ أحمد القرملاوي من الكُتَّاب الذين يستحقون أن نقتربَ من تجربتهم على هذا النحو؛ فأنا لا أراه روائيًّا يكتفي بتشييد الحكايات، بقدر ما أراه منشغلًا ببناء عوالم تتجاورُ فيها المعرفة والخيال، ويطلُّ فيها الموروث الرُّوحي على أسئلة العصر، وتظهر فيها الذات من وراء أقنعة الشخصيات، بينما تتولَّى اللغة مهمَّةً شاقةً ألا وهي أن تجعل ما يبدو بعيدًا عنَّا قابلًا لأن يُرى ويُحس ويُعاش.
ومع صدور روايته الجديدة «صفر فاصل خمسة»، يصبحُ من الممكن أن نعيدَ النظر في هذه التجربة من مداخل متعددة؛ من نشأته وتكوينه العلمي إلى الموسيقى والترجمة والنشر، وعلاقته بالقرآن واللغة إلى مغامرته الأخيرة في عالم الذكاء الاصطناعي، لكنَّني أظنُّ أنَّ المدخل الأهم يظلُّ ذلك الفضول الذي يدفعُ الكاتب إلى مغادرة المناطق المأمونة، والذهاب بخياله إلى حيث لم يعتد السَّرد المصري، في كثيرٍ من تجاربه أن يذهب.
وُلد أحمد القرملاوي في القاهرة عام 1978، وعاش سنوات من نشأته في الكويت، قبل أن يعُود إلى مصر للدراسة الجامعية، درس هندسة التشييد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتخرَّج عام 2001، ثم حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة إدنبرة في أسكتلندا، وهو مسار علمي ومهني لا يبدو للوهلة الأولى متصلًا بعالم الرواية، لكنه يمنحنا فرصة للتأمُّل في العلاقة بين التكوين الأول والخيارات الإبداعية اللاحقة.
لا أريد أن أختزل الرواية في خلفية صاحبها الهندسية، فالفن لا يخضعُ لمعادلات المهن، ولا يولد الإبداع بالضرورة من تخصص دراسي بعينه، لكن خلفية القرملاوي العلمية تظل ذات دلالة، خُصوصًا حين نرى اتساع اهتمامه بالعلوم والتكنولوجيا، وقدرته على إدخال أسئلة تنتمي إلى عالم المعرفة المعاصرة في نسيجٍ روائيٍّ لا يتخلى عن الإنسان.
ومنذ بداياته، لم يتعامل القرملاوي مع الكتابة بوصفها طريقًا مستقيمًا،فقد أصدر مجموعته القصصيةَ “أول عباس” عام 2013، ثم روايته “التدوينة الأخيرة” عام 2014، وأتبعها بـ”دستينو” عام 2015. وفي “أمطار صيفية”، التي صدرت عام 2016، بدا أكثر انشغالًا بعلاقة الموسيقى بالرُّوح، والأسئلة التي تظلُّ مفتوحةً بين الموروث والحاضر، قبل أن يواصلَ رحلته مع “نداء أخير للركاب” و”ورثة آل الشيخ”، إلى جانب مجموعته القصصية “قميصٌ لتغليف الهدايا”، وروايته “الأحد عشر”.
هذه ليست قائمةَ كتبٍ بقدر ما هي إشاراتٌ إلى كاتبٍ لا يريدُ أن يعيدَ التجربةَ نفسَها، ولا أن يحبسَ خياله في قالب أثبت نجاحه ،إنه يغامرُ في الفكرة والشكل والفضاء، ويترك لكل روايةٍ أن تبحث عن شرُوطها الخاصة، وفي هذا الإصرار على التجريب ما يستحق الانتباه؛ لأنَّ الكاتب الذي يطمح إلى أن يضيف شيئًا إلى الأدب لا يمكنه أن يكتفيَ بإعادة إنتاج ما يعرفه القراء عنه.
….
حصل أحمد القرملاوي بروايته “أمطار صيفية” على جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع المؤلف الشَّاب عام 2018، ونالت روايته “نداء أخير للركاب” جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2019، ثم فازت روايته”ورثة آل الشيخ” بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2021.
لقد منحت هذه الجوائز تجربة القرملاوي حُضُورًا أوسع، وأسهمت في وصول أعماله إلى قرَّاء جدد، لكنَّها لا تستنفد قيمة تجربته ولا تفسِّرُها؛ فالجائزة تضع كتابًا أو كاتبًا في دائرة الضَّوء، أما بقاؤه في ذاكرة القراءة فيتوقف على شيء آخر ألا وهو قدرته على أن يظلَّ حيًّا بعد انطفاء أضواء الاحتفال.
ولعل ما يعنيني في مسيرة القرملاوي أنَّ الجوائز لم تحصره في منطقةٍ واحدةٍ، ولم تدفعه فيما يبدو من تنوُّع أعماله إلى الاكتفاء بما أثبت نجاحه؛ فهناك كُتَّاب يكرِّرون أنفسَهُم لأنهم يخشون خسارة جُمهُورهم، وهناك كُتَّاب يقبلون مخاطرة الذهاب إلى مناطق جديدة، حتى لو اقتضى ذلك أن يعيدوا اختبارَ أدواتهم من البداية.
والأدب في جوهره لا يكافئ الاطمئنان طويلًا، إنه يحتاج إلى مغامرة واستعداد لأن يضع الكاتب ما اكتسبه من خبرة على المَحكِّ، وأن يسمح لنفسه بأن يكون مبتدئًا مرةً أخرى أمام كل عملٍ جديد.
ومن المداخل المُهمَّة لقراءة تجربة القرملاوي علاقته باللغة، وبما تختزنه الذاكرةُ العربيةُ من طاقاتٍ تعبيريةٍ وروحيةٍ؛ فالقرآن ليس في الثقافة العربية كتابًا دينيًّا فحسب؛ إنه أيضًا أحدُ منابع التكوين اللغوي والبلاغي، ومستودع للصور والإيقاعات والمفردات التي أسهمت في تشكيل الحساسية العربية عبر قرون.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى العناية باللغة عند القرملاوي؛ فاللغة ليست غلافًا أنيقًا يوضعُ حول الفكرة بعد اكتمالها، وإنَّما جزءٌ من تكوين الفكرة ذاتها.
وقد تحدَّث القرملاوي، في سياق تجربته مع روايتيه “أمطار صيفية” و”ورثة آل الشيخ”، عن الصلةِ بين الخيال والتجربة الشخصية وصعوبة البوح، وإمكان استحضار الذات داخل النص الروائي من دون كتابة سيرة مباشرة.
ومن هنا أرى أن الحديث عن ذات القرملاوي داخل نصوصه لا ينبغي أن يقودَنا إلى البحث عن نسخةٍ مطابقةٍ له في كل شخصية، بل إلى تتبع الأسئلة التي تظل ترافقه، مهما تغيرت العوالم والشخصيات، فهناك فَرْقٌ بين أن يضعَ الكاتب نفسه داخل الرواية، وأن يجعل الرواية مجالًا لاختبار نفسه وفهمها.
الأول قد ينتهي إلى الاعتراف، أما الثاني فيفتح الباب أمام الفن.
أقولُ إنَّ للموسيقى مكانةً خاصةً في تكوين أحمد القرملاوي المعرفي ؛ فهو يعزف على العود والبيانو، ويمتلك شغفًا قديمًا بالموسيقى، ظهر أثره بوضوحٍ في روايته “أمطار صيفية”، حيثُ تتشابكُ المقاماتُ الموسيقيةُ مع الأسئلة الرُّوحية والصوفية، ويصبح العزفُ جُزءًا من العالم الروائي لا مجرد خلفية لأحداثه.
…
وأحسب أنَّ الموسيقى تمنحُ الكاتب خبرةً لا يمكن اختزالها في المعرفة النظرية، إنها تعلمه الإصغاء، وتدرِّبه على إدراك ما يحدثُ بين النغمات، وعلى فهم الصَّمت بوصفه عنصرًا من عناصر التعبير، لا فراغًا ينبغي ملؤه.
وهكذا تتجاور الموسيقى والكتابة في تجربة القرملاوي، لا لأن الرواية ينبغي أن تتحول إلى مقطوعة موسيقية، بل لأنَّ كل فن منهما يتيحُ للآخر طريقةً مختلفةً في فهم الزمن، والإصغاء إلى الإنسان وهو يتغيَّرُ.
أعودُ إلى روايته الجديدة «صفر فاصل خمسة»، حيث يذهب القرملاوي إلى منطقة تستحق التوقف، لا لأنها تتصل بتقنيةٍ حديثةٍ فحسب، وإنما لأنها تفتح بابًا لسؤال قديمٍ في ثوبٍ جديدٍ ما الذي يجعل الإنسانُ يشعر بأنه حي؟
تضع الرواية عمر، رجلًا يبدو أن حياته مستقرة، أمام تجربةٍ تعده باستعادة شغفه بالحياة؛ ومن خلال عالمٍ افتراضيٍّ يتداخل فيه الذكاء الاصطناعي بالخوارزميات والمشاعر الإنسانية، يدخل البطل تجربة لا تكتفي بمنحه ما يفتقده، بل تضعه أمام مخاوفه ورغباته وحدود إرادته.
والأهم أن الرواية، كما تكشفُ بنيتها، لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه معلومة تقنية أو حيلة للغرابة، إنه جزء من السؤال السردي نفسه.. هل تستطيع الآلة أن تفهم الإنسان إلى الحدِّ الذي يجعلها قادرةً على التأثير في رغباته؟ وإذا استطاعت أن تتنبأ بما يريده، فهل يعني ذلك أنها تعرفه حقًّا؟
وما الفارق بين أن تمنحنا التقنية تجربة مُصمَّمة لإرضائنا، وأن نعيشَ تجربةً حقيقية بكل ما فيها من ألم ومخاطرة واحتمال للفقد؟
هنا تتجلى أهمية الثقافة العلمية حين تدخل الأدب؛ فالمعرفة بالتكنولوجيا لا تكفي وحدها لصناعة رواية جيدة، لكن الكاتب يستطيعُ أن يحوِّلها إلى أداةٍ لاختبار الأسئلة الأخلاقية والوجودية التي تثيرها، والذكاء الاصطناعي ليس بطلًا بديلًا من الإنسان، وإنما مرآة تكشفُ له بعض ما يحاول إخفاءه عن نفسه.
تنبع راهنية الفكرة التي اختارها القرملاوي.. ماذا يحدث للإنسان حين يستطيع العالمُ الرقميُّ أن يجذبه إلى حياةٍ تبدو أكثر إثارة من حياته الواقعية؟ وهل يكون ذلك خلاصًا من السَّأم، أم شكلًا جديدًا من أشكال التيه؟
لكن الرواية لا تقفُ عند حدُود هذا السُّؤال التقني؛ إنها تبني تجربتها على ثلاثية التيه والفقد والسفر، وهي ثلاثية تمنحُ الحكاية أفقًا إنسانيًّا يتجاوزُ التكنولوجيا ذاتها.
وأظنُّ أنَّ الكاتب الذي يعتني بنصِّه إلى هذا الحد، ويمنحه من القراءة والتأمُّل والمُراجعة ما يستحق، إنما يراهن على شيء يتجاوز لحظة النشر، كأنه يسعى من خلال اللغة إلى مقاومة الفناء الذي يصيبُ كلَّ شيء، وإلى منح التجربة الإنسانية فرصة أخرى للبقاء.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة “صفر فاصل خمسة” في سياق تجربة القرملاوي، من دون أن نحبسَها داخلها. فهي رواية تستفيد من ثقافةٍ علميةٍ ومن أسئلة العصر، لكنها مطالبة، مثل أي روايةٍ أخرى، بأن تصنع عالمها المستقل، وأن تمنح شخصياتها حياة لا تختزلُها الفكرة التي انطلقت منها.
مع “صفر فاصل خمسة”، لا نكون أمام كاتبٍ يكرر ما عرفناه عنه، بل أمام محاولةٍ جديدةٍ للذهاب إلى منطقةٍ لم يختبرها من قبل بالطريقة نفسها، وحين يغامر الروائيُّ في هذه المنطقة، فإنه لا يضمنُ الوصول إلى إجابةٍ نهائيةٍ؛ لكنه يمنحنا على الأقل فرصةَ أن نرى أسئلتنا القديمة من زاويةٍ مختلفةٍ.
فربما لا تستطيعُ الكتابةُ أن تمنحَنا الأبديةَ، لكنَّها تستطيعُ أن تنتزعَ من الزَّمن لحظةً، ومن النسيان أثرًا، ومن التيه سؤالًا يقُودُنا إلى أنفسنا، ورُبَّما كان هذا بالنسبة إلى كاتبٍ مثل أحمد القرملاوي، سببًا كافيًا لأن يواصلَ الرحلةَ، وأن يترُكَ لكلِّ روايةٍ حقَّها في أن تكون بدايةً جديدةً.
………………………
*نقلاً عن صحيفة “الصباح” العراقية
















