آيس كريم

sara al kasaby

سارة القصبي

يظهر أمامي، في إحدى صفحات فيسبوك، خبر وفاة شخصٍ ما.

يشاركه آلاف البشر بالرحمة والدعاء والمغفرة.

يبدو خبرًا عاديًا للبعض:

(وفاة رجل الآيس كريم المشهور – عم سمير حبيب الجميع)

هكذا كان مكتوبًا على عربته الصغيرة.

 

دققت في ملامحه جيدًا، حتى عادت إلى ذاكرتي صور من صيفياتٍ حارة قضيتها أنتظر في شرفة منزل جدتي، عربة الجيلاتي الصغيرة المكتوب عليها بخطوط ملونة ومبهجة: “أبو لولو”.

في زياراتي القليلة لبيت جدتي خلال فترة الإجازة الصيفية، حيث انقطاع الدراسة عنا نحن الأطفال، ولمّ شمل الجميع من مختلف الأماكن البعيدة لقضاء الإجازة، أنا وأمي قادمتان من آخر أطراف البلاد لنقضي شهرًا أو أقل بجوار العائلة.

كانت أعز اللحظات وأكثرها متعة حين يقف جميع الأطفال والكبار في انتظار أبو لولو عند سماع صوت مذياعه بأنغامه المرحة القادمة من بعيد.

الجميع يشتهي هذا الآيس كريم اللذيذ لكسر الحر القائظ، أو كما كانت تطلب جدتي دائمًا:

ـ هاتولي واحدة ترطب على قلبي.

أكره زيارة المكان في فصل الشتاء، فرائحة الحارة تشبه العفن.

رطوبة شديدة، لا تزور الشمس كل البيوت القاطنة بهذا الشارع الضيق إلا في الصباح؛ مجرد ساعتين تسطع فيهما في منتصف الزقاق، ثم تختفي.

يلف قرص الشمس الجهة الغربية من الحارة، حيث يغطي منزل جدتي القديم من ناحية المسقط الذي لا يسكنه أحد سوى بضاعة تخص محلات السباكة والصرف الصحي.

ليلًا، تتراقص الفئران بينها، وتُسمع أصوات الحركة كأن هناك أسرة كاملة تعيش أسفل كومة من المواسير.

الشمس كانت تزور فقط الدور الأخير، الذي يعلوه السطح وتسكنه زوجة خالي الصامتة دائمًا؛ تزورها الشمس أكثر من بيت جدتي.

أما الدور الثالث فتسكنه زوجة خالي الأخرى، أكثر الناس ودًّا ورحمة، تزورها الشمس عند شباك صغير في منتصف الصالة الضيقة.

أما منزل جدتي، فلا تقترب منه الشمس أبدًا، وكأن المنزل كُتب عليه، بأمر قادة الظلام، لعنة كبيرة تصيب ساكنيه وكل من يزوره.

لونه دائمًا يميل إلى الرصاصي الأزرق — هكذا كنت أراه بعيني الطفولية.

الضوء لا يصله بنسبة كبيرة.

كانت الجدة تعاني من حالة ربو، وأعتقد أنه كان النوع الخطير، وغياب ضوء الشمس عن المنزل كان سببًا كافيًا لزيادة رائحة الرطوبة، ورائحة السعال والبلغم الدائم.

شيء يصيبك بالرهبة والخوف فور دخولك عتبة الشقة القاتمة الخانقة.

تعلو فيها الأصوات والخلافات والشجارات العنيفة.

رائحة الطعام تتصاعد في رئة الجدة وتحبسها بالداخل، حتى يعم المساء وتبدأ في طرد كل هذه الأبخرة فوق أفواه جميع من ينام بهذا القبر الأزرق.

يومًا، تُركت في هذا المنزل عنوة.

باتت محاولاتي فاشلة في منع وصد أمي من الخروج وتركي وسط هذه الحجرات الغارقة في الظلام والبرودة الشديدة.

 

لم تشعر، ولو لثانية واحدة، بمرارة ما أعانيه في محاولة تخطي الوقت وسط هذا الضباب الأزرق.

لم تفهم حينها أمي أنني مصنّفة بالتعلّق القلق؛ إذ كنت طفلتها الوحيدة التي فقدت والدها في سن صغيرة حرجة، وكان غيابها — بأي شكل — يشكّل لي نوبات من الهلع المربك، والتي لم أستطع يومًا التعامل معها أو شرحها.

كان يتم تصنيفها آنذاك مجرد حالات من الدلع أو الشخصية الخايبة، كما يُذاع، وعليها أن تتركني أكثر وأكثر لتنشف عظامي وأواجه مخاوفي.

هكذا نصحتها خالتي، كانت ، وأخذت بها أمي بالفعل.

في تصوري حينها، كان غياب الشمس هو سبب غياب ألوان المنزل، وسبب هذه البؤرة الشاحبة الباردة.

هروبًا من هذا الواقع، أتسلق السلالم لأصعد إلى أعلى المنزل، أزور زوجة خالي الصامتة.

عندما فتحت الباب، تسرب إلى أنفي رائحة اللوبيا الساخنة، التي اعتاد زوجها أن يجبرهم على طبخها مرتين أسبوعيًا، وما يتبقى من الصلصة الزائدة يُضاف إلى طبخة أخرى، لذا كانت رائحة المنزل وملابسهم تعج دائمًا باللوبيا البيضاء.

رغم الدفء المنتشر، إلا أن قواعد الصمت المفروضة في منزلهم كانت تخيفني.

لا يُسمع سوى صوت القدر الذي تُطهى فيه اللوبيا وهو يقرقع بالغليان، أو صوت ماتور المياه؛ فكل دخول لدورة المياه تنقطع عنهم حتى الوصلة، فيركبها الصمت ويحركها ماتور ضخم معلق بمدخل المنزل أسفل السلم.

أخرج سريعًا من هذا المحبس المنسق، وهذا القمع المُغطى بصلصة اللوبيا، وكثير من رائحة الغازات الناتجة عن انتفاخ بطونهم جراء التهام نصف محصول كامل من البقوليات طوال فصل الشتاء.

أنزل بخفة إلى منزل زوجة خالي الودودة البشوشة.

تسامرني وتضحك، تصنع لي كوبًا حلوًا من الكاكاو أو العصير، أو تقشر لي برتقالة، وتعرض عليّ الطعام الساخن بمذاق يسبق حلاوته، جمال ابتسامتها.

ينقطع عني الخوف قليلًا.

يأتي موعد عودة زوجها، وحتى لا يعلم أنني أزور منزله في غيابه، وأبدد سيف القطيعة بينه وبين أمي.

فعليّ الآن الهبوط إلى القبر الرمادي.

بدأت أعراض الخوف والقلق تظهر على معدتي.

أنظر إلى الساعة، وإلى تأخر أمي.

أكرهها مرة لتركها لي ، وأقلق كثيرًا مرة أخرى خوفًا أن تكون فارقت الحياة وقررت الرحيل للأبد.

فلا شيء يُزيل الوحشة سوى انتظارها في الحارة المعتمة.

أقف بعينين زائغتين، أراقب وجوه كل من يقترب.

 من شارع الأشباح.

إذا ظهر رجل من بعيد أعلم أنها ليست أمي، وإذا مرت امرأة أتخيلها والدتي.

حتى زاغ بصري، واشتدت تقلصات معدتي، وتراكمت ظنوني:

ماتت أمي بحادث أليم.

أشرع في بكاء شديد، ولا أحد من منزل الموتى يعلم ما يدور بي.

حتى يصل لمسامعي، من بعيد، نغمة جميلة من ميكروفون وسماعات، وصوت مرح أحبه وأعلمه:

أبو لولو وصل… إدّوا لزمايله خبر.

أشعر بلحظة يختفي فيها كل الحزن والخوف بداخلي.

يقترب أبو لولو من منتصف الشارع، ويركن عربة الجيلاتي أمام عيني.

ينظر إليّ، يجدني طفلة باكية، عيناي تخرجان من محجريهما.

يناديني بلطف، ويقتلع قرطاسًا من البسكويت اللذيذ، ويغمس ملعقة الآيس كريم في لونَي الشيكولاتة والكريمة، ويملأ لي القرطاس، ويغمز بضحكة طيبة.

أقول له بصوت باكٍ:

بس أنا مش معايا بريزة.

يمسح فوق رأسي ويقول:

امشي بسرعة قبل ما يسيح.

أجلس قبالة المنزل أتناول الآيس كريم.

ينظر إليّ كل أولاد الشارع بعجب.

لا أحد غيري يأكل قرطاسًا ذهبيًا مملوءًا بالآيس كريم.

أتعجب: لماذا لم يشترِ أحد؟

أيعقل أننا جميعًا لا نمتلك حتى بريزة؟

أصعد سريعًا لأحكي لخالتي، التي — بالمناسبة — كانت تحب جدًا آيس كريم أبو لولو.

أخبرها أنه وجدني باكية، وأعطاني قرطاسًا لذيذًا بنكهات الجيلاتي التي أحبها، حتى دون أن أطلب.

فضحكت خالتي كثيرًا، وقالت:

الظاهر عياطك على أمك لحس مخك.

أقول لها:

لماذا تقولين هذا؟ ألا تصدقيني؟

قالت:

أولًا: إحنا في الشتاء.

أبو لولو يأتي فقط في فصل الصيف.

ثانيًا: أبو لولو توفّي في نهاية الصيف الفائت بعدما سافرتي أنتِ وأمك، وباع أولاده عربة الآيس كريم، ومش بييجي تاني..!

 

كاتبة وشاعرة مصرية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع