نبوءة كاتب يستشرف مستقبل قريته: «ليل أوزير» بين الواقع.. التاريخ.. التخييل.. الرؤية

موقع الكتابة الثقافي writers 84
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إيهاب الورداني

   هل يطرح سعد القرش واقعا.. هنا في «ليل أوزير» أم يكتب تاريخا؟ أم يخلق واقعا متكئا علي التاريخ؟!

   أي أننا أمام رؤية له..

   وما مدي التخييل الذي أنتجه في ظل هذه الرؤية؟!

   أسئلة تتبدي لنا ـ بعد القراءة ـ نحاول إجاباتها.. وذلك لا يتأتي لنا إلا بعد الوقوف على الملامح المشكلة لـ «ليل أوزير».

   وملامح «ليل أوزير» تتشكل من عتباتها التي بناها سعد القرش ولونها لنا.. بدءا من:

   (أ) العنوان    

   (ب) الفاتحة / المدخل

   (ج) المتن

العنوان

   والعنوان يتكون من دالين.. الليل.. وأوزير..

   الليل نقيض النهار وعلامته الظلمة..

   وأوزير.. اسم مكان: احدى قرى دلتا مصر.. والمعروفة الآن باسم بنا أبو صير وهي موطن الآلهة أوزوريس، وعاصمة الإقليم التاسع من أقاليم مصر السفلى واسمها اليوناني «بو ـ أبوزير»

والتي تم تحريفها مع النطق والأيام إلى بنا أبو صير وهي مولد الكاتب.. وبضم الدال الأول مع الثاني يصبح ناتجة ليل أبو صير أو «ليل أوزير».

   أي أن العتبة الأولى تشير إلى أننا سنمضي فترة في هذا الليل نتكشفه.. نرى أسبابه.. وكيف وصلنا إليه..

   وهي حمولة رؤيوية في المقام الأول..

   البحث في ظلمتنا التي كانت والتي نعيشها علنا نستشرف مآلنا الآني، فإذا ما قلبنا الغلاف سنلاحظ أن قرية أوزير التي أعاد بناءها الحاج عمران كانت نموذجا للتسامح والتعايش ثم آلت إلى حفيده عامر الذي انشغل بالملذات وحاول أغراب اغتياله فكانت البداية لمنصور ابن القهوجي ليتصدي للقتلة ومن ثم تسقط القرية كلها في حجره ثم إلى ابنه خليفة على مدى أربعين عاما هي فترة الصراع بين قوة عمياء ووعي يحاول الناس امتلاكه.

   لكن ليل أوزير لا ينتهي بالفجر وإنما بكارثة..

 من هنا يتبدى لنا نقطتان أساسيتان

   1 ـ فترة الصراع على مدى أربعين عاما بين قوة عمياء ووعي يحاول الناس امتلاكه

   2 ـ «ليل أوزير» الطويل لا ينتهي بالفجر وإنما بكارثة

   من (1)، (2) يمكن القول أو الوقوف على ثمة حقيقتين

   الأولى: وعي الناس.

   الثانية: وقوع الكارثة.

   أي أي أننا أمام نبوءة كاتب يستشرف مستقبل قريته أوزير «الصغرى» والتي هي «مصر» بطبيعة الحال «الكبرى».. على اعتبار أن الجزء من الكل، وأن الماضي والحاضر وجهان لعملة واحدة.. إذا عرف الماضي رأينا الحاضر.

   «ما أشبه اليوم بالبارحة».. وإذا تمعنا في الحاضر عرفنا مآلنا «كل إناء ينضح بما فيه» أي أننا من البداية من أول عتبة.. «العنوان» يفجعنا سعد القرش بمآلنا السائرين إليه وحتمية وقوع الكارثة.. لا مفر..

الفاتحة / المدخل

   عن منطق الطير لفريد الدين العطار اختار سعد القرش أو انتقى:

   «كل من قضم خبزنا، لا يمكن رفع اليد بالسيف نحوه، ولا يمكن أن تكره أرواحنا من أكل خبزنا فكيف يحل لي سفك دمك بسيفنا»

   المعني واضح لا لبس فيه..

   إدانة سفك الدماء لمن أكل من خبزنا فكيف بالله يهون علينا سفك دماء بعضنا البعض بأوهام تعشعش في صدورنا وهي أقرب إلى الجهل منزلة.. الجهل بمنطقنا.. الجهل بتراثنا.. الجهل بأرضنا.. الجهل بناسنا.

   وأظنها إشارة إلى نقيض المتن الذي يعج بالكثير من الظلم والإذلال والخداع والبطش والظلام.

   كما أن منطق الطير يتناول فكرة وحدة الوجود والشهود وهي رحلة جماعية للبحث عن ملك يقودهم أو يتوحدون فيه..

   أي أن سعد القرش يبحث عن مسألة قديمة / حديثة.. مهموم بها.. مما عايشه أو يراه واضحا وجليا.. من تخبط وفساد ووطن ينوء بحمله.. مسألة «الحاكم والرعية»

   أو عزل الحاكم أو توريث الحكم أو…

   ثمة مرارة إذن وغصة في الحلق لما نعيشه ونكابده وما كنا عليه وما سيؤول إليه مصيرنا

حمولتك الرؤيوية.. يا سعد..

المتن

   هو وعي سعد القرش إذن بما هو مقدم عليه الكتابة المقترنة بإرث كبير والاستحداث في الوقت ذاته.. فبنى متنه على مظهرين أساسيين أو هكذا نرى:

   المظهر الأول: بنية الشكل..

   المظهر الثاني: بنية الحكي..

   وأثراهما ببعض الملامح الطقسية.. والتي اعتبرها مظهرا ثالثا..

   ومن ثم وقوفنا عليهم قليلا لتستوضحهم ونرى كيف ارتكز عليهم.

   المظهر الأول: بنية الشكل

الشخصية

   اعتمدت «ليل أوزير» على لبوس الشخصية أو تقديمها.

   فجاء تحت (منصور) خمسة وعشرون لوحة أو مشهد. ركزت في تصويرها على (عامر بن عمران) سيد أوزير أو حاكمها وكيف استلبت منه قريته أو أخذها منصور «ارتقي منصور سطح الدار، ورأى البلد مثل مركب يتهادى في نهر النيل، يمضي وحده. أقسم ألا يضيع الفرصة، وأن يسارع للإمساك بالمجاذيف.. حدثته نفسه أن أهل أوزير هدية عامر إليه، وليس من الحكمة رد الهدية» ص 28، 29 28 وجاء تحت (إدريس) خمسة عشر لوحة أو مشهد.. ركزت في تصويرها على إدريس بن عامر وكيف تغيرت أوزير «يسر إليه الحارس بأن أوزير تغيرت كثيرا؛ القصبة انكمش طولها مرة ثانية، أما التمثال فعجزوا عن تدميره، أو تشويه رأسه، وأفتى إمام الجامع بتغطيته» ص 165 وتتابع المشاهد الجيل الثالث من أوزير بعد عمران وعامر يأتي إدريس وبعد علي القهوجي ومنصور يقب خليفة ابن منصور ليحكم قبضته علي أوزير..

   وتصوع اللوحات / المشاهد معنى كليا بل يكاد يكون أطروحه مركزية أو حمولة رؤيوية تشير إلى قصدية الموضوع وتكشف بجدارة عن لعبة السلطة وكيفية تحكمها في العباد مرة بأمر الدين ومرة بأمر المؤامرة ومرات بالبطش والخديعة وخيبات السكوت.. وتقترن كل شخصية بضدها أو مقابلها أو متممها.. فمنصور يقابله عامر وإدريس يقابله خليفة.. وهذه البنية الشكلية تقوم دعائمها على بعدها الازدواجي فهي في الوقت الذي تعلن عن نفسها يتبدى لنا صورة الآخر المتمم لها.. فبدون أحدهما لا تستكمل الشخصية الأخرى أي أنها جزء من الوجود وتشير في الوقت نفسه إلى متعة التقابل أو التعارض وتؤكد الصراع.

الفضاء:

   حددت «ليل أوزير» فضاءها بأواخر الغزو الفرنسي ومقاومة المصريين له وبداية عصر أسرة محمد علي 1805 حتى 1848 «الباشا الجديد متقلب المزاج ولا أمشير؛ فقبل مجيئه كان الملتزم يأخذ المحصول أو الضريبة، ويورد الميري للحكومة، ويحصل على الفرق. وجاء الباشا يبشر المساكين بغيط لا يقل عن ثلاثة أفدنة لكل فلاح، وامتنع الناس عن الشغل في الوسايا، إذ أصبحوا فلاحي الباشا. الباشا نفسه جار عليهم» ص 82

   «كثيرون رأوا فيل الهندي الذي رقص طربا وقد ارتدى قماشا زاهيا، تزدان به الركائب في الاحتفال بمولد النبي، لما عاد عامر من حرب الفرنسيس» ص 96

   وقد ورد اسم مدينة طنطا بالهاء أي طنطه إشارة إلي وضعها التاريخي أقصد زمانها (وقد عرفها الفرنسيون باسم طنطه) وكأنه يشير إلى فترة تاريخية بعينها أو يضعنا فيها لينبثق السؤال: هل نحن أمام رواية تاريخية؟

   الإجابة بالتأكيد توهمنا حسب ما يشير إليه المؤلف: نعم

   وحسب تنامي تشخيص التقابل وجعله بؤرة إشعاعية بين الشخصيات: لا

   فنشعر بأن الواقع المعيش ـ في الرواية ـ هو ما نعيشه الآن

   هذه المراوحة تضع رؤية الرواية في الواجهة بل تجعلها جوهرية في العلاقة بين الأدب والواقع والتاريخ وتقيم نسقها من هذه المراوحة.

   المظهر الثاني : بنية الحكي

   سعت ليل أوزير إلى إقامة نسق فني تراتبي بين مشاهدها الأربعين في تعاقب المشاهد المتجاورة والمحتشدة باللقطات والتفصيلات الجزئية ولفتت النظر إلى القدرة التعبيرية للتكوين الجمالي للمشهد حيث تنتظم التفصيلات البصرية وكأنك أمام فيلم سينمائي أو هكذا سعت لتكون.. وكأن هذا المظهر ـ التشكيل السينمائي ـ هو المشكِّل لبنية الحكي في ليل أوزير.. ولننظر مثلا مشهد (1) أو مفتتح «ليل أوزير»

   نلاحظ:

   (1) مشهد عام أو كلي: إنقاذ سيد أوزير من الرصاصة الطائشة لأغراب يريدون قتله

   (2) مشاهد أو تفصيلات مكملة للمشهد العام:

   أ ـ حمل طاجن الفخار ورميه في الترعة

   ب ـ رواد المقهى يتابعون الحدث

   ج ـ إخبار الصبي بما يحدث خارج المقهى

   د ـ اندفاع منصور حافي القدمين وهرولته إلى منزل سيد أوزير

   هـ ـ استماعه إلى ثرثرات الناس

   و ـ صراخ منصور في الناس وتذكيرهم بأنهم أولاد أوزير وإعجاب الناس بطلاقة لسانه

   ز ـ احتضان منصور لعامر وإنقاذه من الرصاصة

   ح ـ قدرة منصور على التحدي

   ط ـ تصدي الجموع ـ الناس ـ للأغراب بالشقارف والفؤوس والعصي

   وهي لقطات تراصت وتجاورت وشكلت في تتابعها المشهد العام

   ويمثل طاجن النار البؤرة الإشعاعية للمشهد أو اللقطة سين حيث تم ذكره ثلاث مرات في أول المشهد كانتباهه وفي وسطه عند إقدام منصور على التحدي وفي أخر المشهد عند ارتداد المقذوف لذلك يتم تسليط الضوء على منصور القهوجي وهو يرمي طاجن الفخار في الترعة بعدما رفعه بين يديه (كأنه ينفخ الجمر) ونفخ الجمر أو تقليبه يمنح رواد المقهى راحة وهدوءا وقوله: إن هذا يوم الدم.. ثم تتحرك الكاميرا أو يقع الضوء معه وهو يغوص في عتمة ما بعد المغرب يجري حافي القدمين باتجاه دار سيد أوزير.. وعتمة ما بعد المغرب في أوزير يتبعها زحام رواح العائدين من الغيطان غير أن ما وصل إلى مسامعه من الفتى والآخرين أن قوما من الغجر أغاروا على الدار وآخرون قالوا إن بعض الأعراب بحثوا عن بنادق في منازل الفرنسيس ولم يعثروا على شيء فاقتحموا البلد.. سمع منصور كل ما يصل أذنيه وكفاه تلتهبان من سخونة طاجن النار..

   أليست هذه تفصيلات بصرية وقدرة تعبيرية للتكوين الجمالي للمشهد بدءا من طاجن النار وانتهاءا به.. واحتشادا بالناس والإمكانات الدرامية في المواجهة على اعتبار أنها اللحظات المثلى لتنامي الحدث؟ وجميعها اتكاءات سينمائية غير أن التتابع والترابط في بنية الحكي في «ليل أوزير» توهمنا بالمألوف إلا أن التمعن والتفحص فيها يشيران إلى جديتها في ارتكازها على التصميم المشهدي ـ كما أسلفنا ـ ويدخلانها في حيز التمرد على ما هو متعارف عليه.. وكأننا مرة أخري ندخل فلك التقابل أو الثنائية المصممة والمؤسسة في «ليل أوزير»..

   وتقودنا إلى وعي المؤلف بالإبداع أو الخلق الأدبي.. وقس على ذلك المشاهد الأربعين في تكونها..

   المظهر الثالث: الملامح الطقسية

   حفلت ليل أوزير بملامح طقوسية متعددة منها علي سبيل المثال لا الحصر

   فرحة الأهالي بنجاة سيد أوزير (وتسييح دم العجل بين رجليه) ص 13

 ورقص الغازية ص 17

   معزوفة الخبيز وتبطيط العجين فوق المطارح ص 74

   مولد السيد البدوي ص 80

   فرح إدريس ويحيى ص 151

   موت زوجة إدريس ص 163 …إلخ..

   وهي أشبه بالبنيات الصغيرة التي تسهم أو تشارك في إيهامنا بالواقعية وتقنعنا بتشكل العالم الروائي الذي هو في البدء عالم تخييلي

   ومن ثم

   1 ـ لا بد من الاعتراف بأن تماهي التاريخي مع الواقعي أو تضفيرهما معا والاتكاء عليهما ساهم في خلق بنيتها «التشكيل السينمائي» من واقع فهم وإدراك مؤلفها بالعملية الإبداعية.. كما جسد رؤيتها في إعادة صوغ السؤال وتحريض الوعي العام لما نحياه في الواقع المعيش.

   2 ـ تمثل الواقع الاجتماعي وانتظامه النصي في «ليل أوزير» يعكس اللا نظام الاجتماعي المعاش وهي رؤية اجتماعية وإدراك إبداعي قائم على العلاقة التقابلية بين الذات والمجتمع والتي رسمت بدورها صورة مرعبة لما تؤول إليه الأمور.

   3 ـ تتمرد «ليل أوزير» على جماليات الكتابة المألوفة والسائدة ككتابة الجسد والهامش والتهويمات الشعرية.. وغيرها لذا جنحت إلي خلق صورة سردية ربما تخصها فاتكأت على تضفير العامي بالفصيح ولجأت إلى الوصف وانعدمت المسافة فيها بين المتخيل والواقعي.. وكأن المشاهد والشخصيات تصاغ وفقا لحركة الواقع بهدف التأثير ومن ثم تحملت اللغة العبء الأكبر في ذلك من خلال طاقاتها الإيحائية وإكثارها من الصور.

   4 ـ أن صنوف التعذيب والقهر التي احتشدت بها «ليل أوزير» وتنوعها تشي بديمومتها من قبل السلطة للمحكومين على مر الأجيال.

   5 ـ كما أن لجوء السلطة للدين لخدمة أغراضها نتاج عماء اجتماعي يدفع للتساؤل ويجسد قيم الخواء والتخلف وغياب الوعي.

   6 ـ «ليل أوزير» هي الجزء الثاني من ثلاثية بدأت بأول النهار وضروري أن يعقبها الجزء الثالث لأن منطقها ـ كما اشرنا ـ رواية أجيال.. وأظن وبعض الظن حق أن الثالث المتمم قد يكون الكارثة أو الطوفان أو ما شابه..

   وهي نبوءة الكاتب أو حمولته الرؤيوية.

   آه يا سعد..

   أي مسئولية تلك التي تستشعرها تجاه وطن أغرقوه في الوحل أمام أعيننا؟

   أي مرارة تلك التي تنز منك عرقا مالحا في خضم فوضي الكتابات تحت اسم الرواية؟

   وأي غصة تلك التي تكتويك بنارها فتبدع في صمت وتتألم في صمت وتبوح في صمت.. وتصرخ في صمت.. ولا من مجيب؟

   ـــــــــــــ

  • (موقع “ميدل إيست أونلاين” / 26 ـ 7 ـ 2010)
  • (“العرب” اللندنية / 29 ـ 7 ـ 2010)

عودة إلى الملف

 

مقالات من نفس القسم