مرايا الخيبات

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 82
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 جهاد الرنتيسي

ثمة ما يستدعي الأسئلة حين تتطابق مواقف المثقفين الغربيين والعرب تجاه حرب الإبادة في غزة أو تتجاوز ردود فعل مثقف يهودي في الغرب ما يطفو على سطح المشهد الثقافي العربي من إدانة للمذبحة ومطالبة خجولة بوقفها.

قد يكون الظاهر من أداء الأمانة العامة لاتحاد الكتاب الفلسطينيين نموذجا ملائما للحديث عن هذه المسألة، لا سيما وأنها تقدم نفسها باعتبارها واجهة للمثقف الفلسطيني، مما يفرض عليها أن تكون مرآة للقضية المفترض أنها قضيتها الأولى.

أقصى ما ظهر من أداء الاتحاد بوستر يطالب بوقف المجازر والمذابح في القطاع، يصف الحرب بأنها العالمية الأولى ضد الأطفال والرضع والخدج، يشير إلى أن 70% من الضحايا أطفال، ويدعو بالموت للقتلة والعملاء والصامتين، لوحظ أن مفردات البوستر الذي جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي مكتوبة بالعربية، مما يعني أن غرضه تفسير الموقف للمتلقي العربي، أكثر منه محاولة للتأثير على الغربي الذي تجاوزت معرفته بالحقائق والأرقام ما تم إيراده.

أقل ما يمكن ان يقال عن ذلك البوستر أنه موغل في الحياد، أقرب إلى المواقف التي يعلنها الأوروبيون خلال المسيرات التي تشهدها عواصمهم، ولا يصل إلى مستوى مواقف الأوروبيين والأمريكيين الأكثر تجذرا في مواجهتهم للخطر الصهيوني، وأبعد ما يكون عن الموقف المفترض أن يتخذه مثقف معني بحقوق شعبه، وأولها النضال بمختلف اشكاله لنيل الحرية.

كان لافتا للنظر خلال الأشهر الماضية تجنب السواد الأعظم من أعضاء الاتحاد الإشادة العلنية بفعل المقاومة، باعتبارها تعبيرا عن حق من حقوق الشعوب المظلومة، التي تواجه همجية وعنصرية واستيطان آخر احتلال في التاريخ، اذا استثنينا ادانة اغتيال المقاوم صالح العاروري، التي تبقى اقرب الى رفض التوحش من الانحياز العلني والواضح للفعل المقاوم.

ما لم يقله الاتحاد المفترض تمثيله لجميع الكتاب الفلسطينيين في مختلف مناطق تواجدهم وعدم اقتصاره على لون سياسي واحد قالته سفيرة السلطة الفلسطينية السابقة في فرنسا ليلى شهيد التي جرى تسويقها على مدى العقود الماضية بصورة المشتبك مع النخب الثقافية الصهيونية المتحدثة بالفرنسية، فقد جاء في تصريحات ادلت بها لصحيفة “هيومانتيه” الفرنسية ان “مأساة السابع من تشرين الأول، مع كل هذه العائلات الإسرائيلية التي تم اغتيالها، تصل إلى مستوى جريمة حرب” الأمر الذي يعني ادانة علنية للحدث، اعقبتها بالإشارة الى ان “رد تل أبيب غير المتناسب على الإطلاق نتيجة لعقود من الإفلات من العقاب” ولا تخلو محاولة الحياد غير الموفقة في موقف شهيد المركب من نظرة استشراقية للصراع، تتناغم مع المواقف الرسمية الغربية و تعطي تبريرا ضمنيا لجرائم الاحتلال، فاتها وهي تطلق فتواها المريبة ان دولة الكيان قوة احتلال، وان المستوطنين جرء من الاحتلال، وحماس واحدة من حركات المقاومة الفلسطينية، كما تجاهلت ان القوانين الدولية تتيح للشعوب الواقعة تحت الاحتلال فعل المقاومة.

لم يكن تفاعل اتحادات الكتاب العرب افضل حالا مما هو عليه الاتحاد الفلسطيني الذي رفع مؤسسوه في زمن ما شعار بالدم نكتب لفلسطين، حملوا البنادق في الميادين، استشهد بعضهم، ولقي اخرون التنكيل وعذابات السجون.

تتم في اقصى حالات تضامن هذه الاتحادات مع غزة الدعوة الى اعتصام في هذه العاصمة او تلك، تحضره فئة محدودة، مما يوحي بالتخلي عن الدور وترك الشارع وحيدا، بدلا من تصدر المشهد، والقيام بالحد الأدنى من المفترض في توجيه ردود الفعل وترشيدها، لتكون اكثر جدوى.

حالت مواقف نجوم الحركة الثقافية والفنية في الغرب والشرق دون ستر عجز المشهد الثقافي العربي، هوانه، وقلة حيلته، فقد ظهرت اصوات رافضة للعدوان في مناطق كانت خاضعة للدعاية الصهيونية حتى وقت قريب، وتمارس فعلا تضليليا في خداع الشعوب وتضليلها، مثل هوليود، التي انحاز ابرز نجومها لانسانيتهم، معلنين رفضهم للقتل والتنكيل الوحشي في الاراضي الفلسطينية، رغم علمهم بالفاتورة التي سيدفعونها ثمنا لهذه المواقف.  

وجد المثقفون والكتاب والنشطاء اليهود في الغرب مكانا في خارطة رفض العدوان على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فقد وقع 2000 كاتب وناشط يهودي على رسالة مفتوحة تندد بالتوحش الصهيوني، تناقلتها وسائل الاعلام على نطاق واسع، وتابعها المثقفون الفلسطينيون والعرب دون تفكير في الخروج من دائرة الفرجة، والتمايز عن المتعاطفين بفعل الدوافع الانسانية.

 تجاوزت الفنانة الكندية يولا بينيفولسكي، التي تحمل جنسية الكيان الصهيوني وعاشت في فلسطين ما يزيد عن عشرين عاما هذه الدائرة، وأمعنت في تعرية المثقف العربي باعلانها الواضح والصريح التخلي عن جنسيتها بعد عجزها عن تحمل اثام ما يفعله جيش الغزاة في غزة.

تضعنا المقاربة بين المواقف واصحابها، المقارنة بين موقف وآخر، والمعطيات المفترض ان تتشكل المواقف على اساسها امام فرضيات اولية يصعب تجاهلها في ظل المآلات التي انتهت اليها الصورة المهلهلة للمثقف العربي وتفاعلاته.

قد توفر دراسة غالب هلسا الصادرة في ثمانينات القرن الماضي “مثقف منظمة التحرير” بعض مفاتيح الفهم، لا سيما وانه حفر عميقا في التكوين الاجتماعي والنفسي لمثقف السلطة، وترك ما يمكن البناء عليه، لكن المياه التي جرت في النهر تقتضي التأشير على جوانب لم تركز عليها الدراسة.

يرتبط بعض هذه الجوانب في رغبة اسقاط التفكير العاجز على حدث يصنع المستقبل، بدلا من التفاعل الايجابي مع ذلك الحدث، كما تقتضي ضرورات الدور المفترض ان يمارسه مثقف معني بالتغيير، تحاول اتحادات الكتاب العرب تمثل صورته، وتثبت بين الحين والاخر ان مقاسات الثوب بحاجة لحشوات اكبر منها بكثير.

استجد على دراسة هلسا ايضا ظهور منظمات الأنجزة التي انتعشت منذ تسعينات القرن الماضي، لتعيث فسادا في تتبيع العقل العربي لمفاهيم الأخر الغربي ـ غير البعيدة عن التفكير الصهيوني ـ وتحوله الى نباتات زينة بعد خلع اشواكه.

يغلف البعض غربته عند تجاهله لاعتبارات الانتماء بطبيعة المقاومة في غزة ـ التي يطغى على فصائلها الطابع الديني ـ ويرى في التغليف ما يبرر الانكفاء عن الدور المفترض، وغطاء لابقاء قدم عند الغرب الاستعماري الذي يتحرك في فضائه النظام الرسمي العربي ومنظمات الأنجزة والاخرى في الفراغ.

لا يخلو المبرر من التهافت اذا سلمنا بحقيقة هوية وثقافة شعوب المنطقة، وحضور العروبة والاسلام فيها، بغض النظر عن انتماءاتها الدينية، ووضعنا في عين الإعتبار تعدد اشكال تفكير وتوجهات مقاومات الشعب الفلسطيني على مدى العقود الماضية، بين وطنية ويسارية لم تتخل عن عمقها الوطني،  ومن بين الحقائق التي يجري اغفالها على سبيل التبرير طبيعة التناقضات واولوياتها، فمن غير المعقول اسقاط مظلومية تاريخية بسبب خلاف فكري مع الهوية الايديولوجية او الفكرية للمقاوم الذي افرزته هذه المظلومية.

جاءت هذه النتائج بفعل مقدمات، قد لا تكون خافية على متابعي مسارات حالة الانحطاط التي وصل اليها المثقف العربي الذي يجد صعوبة في استيعاب فعل المقاومة غير المسبوق  في تاريخ الفلسطينيين المعاصر وامكانية التأسيس لانماط تفكير مختلفة، وكان من بين محطات هذه المسارات المبالغة في الابتعاد عن جوهر الصراع، وقطع اشواط في اللهاث وراء تسويات تعايش الضحية مع الجلاد التي ثبتت عبثيتها.

…………..

*كاتب وروائي من الاردن

 

 

 

مقالات من نفس القسم