عن التجمد والطيران

نهى محمود
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

نهى محمود

يتكرر مشهد قديم من مسرحية قديمة شاهدتها أثناء طفولتي في ذهني، بطلة تزوجت رغما عنهامن رجل فظ، أنجبت طفلا، تجلس على أريكة وهي زائغة البصر، مشعثة الشعر، تحاول أن تتذكر كلمة، تفكر أنها لو تذكرتها ستحصل على الخلاص، لا يمكنني أن أنسى العنف الذي وقع على البطلة في تلك المسرحية، ولا دهشتي عندما تذكرت “الكلمة” في المشهد الأخير فاستطاعت أن تقف على قدميها، تنظر في عينه وتصرخ بينما تتجه للباب وتغادر، كانت الكلمة هي “الحرية”.

أفكر أني للمرة الأولى والأخيرة سأحتفل، هذه المرة فقط، وبعدها سأكرمش كل ذلك في كيس قمامة وألقيه من نافذة قطار مسرع نحو الإسكندرية، سيختفي وسط الزرع، يتحلل، يعود للأرض، فيكتمل تحرري، هذه المرة فقط، سأحتفل بمرور عام على مغادرتي الأخيرة، بعدها سأنسى كل شيء.

سأتذكر أني لم أتجمد، أو أترك نفسي لأتداعى، كما جاءت نصائح كل فيديوهات التعافي التي شاهدتها، كانت النصيحة ذاتها، أن يترك المرء نفسه للسقوط، حتى يتمكن من الوقوف من جديد.

لم تناسبني أي من تلك النصائح، فأنا أشبه بطلة المسرحية، قضيت سنوات على الاريكة الرمادية، أتعفن من داخلي، أنهار، وأتلاشى في محاولة تذكر الكلمة، لحظة فتحت الباب وغادرت كانت تلك قيامتي الجديدة، لا حاجة لي لمزيد من السقوط والغياب.

كل ما عانيت منه، كان جرحا غائرا قديما متقيحا في قلبي، وكنت أعرف بخبرة عاشقة قديمة، أن الزمن يداوي الجروح، وحتى إن أخفق في علاجها فتركها على حالها متجمدة وغائرة لن يتسبب في موتي ولا تعاستي، ستمضي الحياة، وتجد إرادتها داخلي، أنا المغرمة بالحياة، المتشبثة برغبة خالصة في الحرية والفرح واللعب.

طوال العام الماضي، كنت مشحونة بطاقة غضب، لأن ما عشته يختلف كليا عن وجهة نظري نحو نفسي، صورتي عنها أعرف أني قوية، لا أقبل الإساءة، أحب أن أكون قوية، أتظاهر بالقوة حتى في لحظات الخواء والوحشة وتقلب الهرمونات، يمكنني أن اغفر لنفسي كل شيء، إلا ذلك الاستسلام والتعايش مع الاستباحة، ذلك ما يجب أن أذكره دائما، حتى أكتمل وأمضي في طريقي، أفكر أن وسط كل ما جمعني بأمي، بمحبتها وصداقتها وكل ما تعلمت منها، تبقى مواقفها التي قدمت لي فيها الحماية هي أقوى ما أحبه، طريقتها في الدفاع عني، في مؤازرتي، تلك المرأة اللطيفة المثقفة، كانت تهد العالم لو مسني سوء، وأنا أتمنى أن أكون في قوتها، وأن أحمي صغيرتها وأهد العالم لو مسها حزن.

أقولها لنفسي أنا أم حرة قوية سعيدة، يمكنها أن تحمل طفلتها وسط الغابة وتمضي بثقة ويقين، أنهما سيصلان معا للشاطئ، حيث يبنيان قلاعا من الرمال، ويتعلمان الخسارة والخذلان ويتقبلان الفقد، كان ذلك أصعب ما لقنته لصغيرتي، كنا في مول تجاري في منطقة الألعاب وكانت صغيرة جدا، اشتركنا في لعبة أو مسابقة، وربح اطفال آخرون، نظرت نحوي بدهشة واستغراب، كيف لم تربح لعبة، ابتسمت وعلمتها درسها الأول في الخسارة، لا يمكننا أن نفوز كل مرة، ليس كل لعبة نكسبها في مباراة حظ، هي بالضرورة مكسب حقيقي.

في سنواتي أمومتي الأولى، وبينما أمضي معها على طريقنا، تعلمت معها، خلقنا عالمنا، تماما كما علمتني أمي، أحاول تفادي أخطاء قديمة، عذبتني في طفولتي، أحاول أن أمنحها عالما آمنا، محتملا، لكني لا أرسم لها بيت دمي في قصة أسطورية ينتصر فيها الخير والحب، أقدم لها العالم كما هو، بقسوته ووحشته، أحكي لها عن الساحرات الشريرات اللاتي طالما

دسسن السم في التفاح. أخبرها بذلك كله، وأنا أتذكر المرات التي تعرضت فيها للخيانة، والخديعة، أتذكر حتى أثر شفاهي على قضمة التفاحة، أتذكر، وأنسى، بالحيطة والاستخفاف ذاته.

تتأبط أمومتي يدي، وتنقذني من الضعف والتداعي، بينما تمسك الكتابة يدي الأخرى، تغلق عليها جيدا وتحرص ألا تفلتني وتمضي، الدفاعات القديمة ذاتها، وصفتي للطيران، شغفي بالسينما والكتب والصداقة، الأنين الذي أسمعه في قلبي، والفرك والسخونة التي تملأ روحي كلما جاءت الكتابة، والنشوة التي تسكنني كلما سودت صفحات، وكتبت نصوصا.

عدت كما كنت في البداية، أكتب لأتداوى، ولأفهم العالم من حولي، وأمنح نفسي حيوات أخرى، أبدل فيها الحكايات التي لا تعجبني، أبدل القسوة والألم، أحول الاشياء كلها لأمور أتقبلها ويمكنني التعامل معها.

القبح يجمد الدماء في عروقي، الصراعات والسخافة، الإيذاء، الرغبة المرضية في فرض أحدهم سطوته على روحي، سيطرته على نظرة عيني وابتسامتي وطريقتي في الكلام وقص الحكايات.

لا يمكنني أن أتخيل أني تعرضت لعنف مثل ذلك، أن يمنعني أحد من الحكي، لا أتصور أني مررت بذلك الموقف في الحياة الحقيقية، الآن أظن أنه كان كابوسا، أن يطبق أحد يده على معصمي وينظر نحوي بقسوة ورغبة في بث خوف أبله لروحي ويقول بلغة قاسية، لا تقصي أفلاماً أو كتباً على أحد.

لا يمكن أن أكون اختبرت تلك المشاعر، ولا أصدق أني في لحظة طويلة وقفت، وتجمدت مكاني، وسكن الخوف والصمت قلبي، لحظة طويلة مظلمة، ثم حرائق تشتعل من تلقاء نفسها كما يحدث في الغابات التي تبدو بلا نهاية وبلا ضوء نهار، ثم يد أبي تلفني ببطانية رطبة، يضمني تماما، ويسحبني من العتمة ورائحة الدخان ووهج الحريق، يقولها لي بلطف مبالغ فيه، لا يمكنني أن أعيش لحظة في هذا العالم وأنا أعرف أني أفلتك ولم أقدم لك الحماية.

الحماية التي أعرفها قديمة يا ابي، في كل ذكرياتنا معا، في صداقتنا، وتفهمك ولطفك، الحماية هي ذلك الحضن الذي يخفيني دائما من الأشباح والحزن والشر، يمنحني أوراقا وأقلاما وخفة، يربت ضهري ويحثني دائما على الحكي والابتسامة والفرح.

يقولها لي، ويمررها لطفلتي بالإيمان والعفوية ذاتها “العبي وانبسطي”.

 والحقيقة أني أصدقه دائما، وأثق فيه تماما، وألتزم بنصيحته طوال الوقت، فأضم يدي على يد صغيرتي والكتابة، وكل ما أحب، وأمضي نحو اللعب والفرح.

  

مقالات من نفس القسم