على أطراف الأصابع

على أطراف الأصابع
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

كتب هيثم الورداني.. حلمتُ أنني أقف أمام الحوض لأغسل يدي، بينما تمدد مصطفى ذكري في البانيو وهو يقرأ كتاباً. البانيو كان خالياً تماماً من المياه، والكتاب كان بعيداً عن مرمى بصري فلم أستطع قراءة عنوانه. استندت ساق مصطفى اليمنى على حافة البانيو في حين قامت اليسرى لتشكل مع قاع البانيو مثلثاً متساوي الضلعين. هكذا كنت أتخيله دائماً في عزلته الحلوانية، ممدداً على كنبة أو سرير، بساق نائمة وأخرى قائمة، يقرأ كتاباً أو يشاهد فيلماً. قال مصطفى فجأة دون أن يرفع عينه عن الكتاب إنه سيتزوج، فتطلعت إليه مندهشاً وقلت له: أنت تتزوج؟ غريبة!

فقال لي إنه يحب صديقته وإنه منجذب إلى طبيعتها التي يمتزج فيها العربي باليهودي والهندي بالسندي. سألته وقد بدأت أهتم بالموضوع: لكن كيف ستعيشان؟ لابد أن تبحث لك عن عمل إذن. وكنت أعرف أنه لم يعمل في حياته قط. فأجاب دون أن يرفع عينه عن الكتاب: بالطبع، وقال أيضاً: هنبقى نشوف. رويت لمصطفى الحلم، فسخر من موضوع الزواج، وأشار إلى طابع فرويدي للحلم عفا عليه الزمان، وعندما سألته عن الكتاب الذي كان يقرأه في البانيو اقترح على الفور أن يكون كتاب الحقيقة والمنهج لجادامر، أو أن يكون رواية حلاوة الحرام، وهي الرواية التي كان بلوم يحملها وهو يهيم على وجهه في طرقات دبلن ويفكر في إهدائها إلى حبيبته المُلعب مولي في رواية عوليس. على عكس مصطفى بدا لي أن الطابع الفرويدي للحلم هو طابع خادع لم أتحمس في السير وراءه، وإنما انسقت وراء التفكير في المياه التي ملكت عليّ انتباهي كلما استرجعت الحلم. فلا زلت استطيع الإحساس بها تتدفق بحيوية بين أصابعي، وأرى رذاذها يتناثر على أكمام قميصي، في حين غاب أثرها عن البانيو غيابا تاماً كفل لمصطفى أن يجلس مستريحاً بكامل ملابسه دون أن يبتل بقطرة واحدة. وظل هذا الإحساس بالتناقض في طبيعة المياه يكبر كلما فكرت في الحلم ليشكل دوائر تتسع مع الوقت حول مركزها، فوجودي مع مصطفى في حمام واحد كما يفعل الأزواج هو في حد ذاته تناقض مربك، وكلام مصطفى الرومانسي ورغبته في الزواج والتغيير يتناقضان مع وضعه المسترخي الذي يوحي بأنه لن يغادر عزلته أبداً، ولن يقلع عن تكبره يوماً. وزادت حيرتي عندما حاولت أن أعرف كيف استقبلت في الحلم خبر زواج مصطفى المزمع، فوجدتني أتأرجح بين شعورين متناقضين، تارة اعتبره نذير شؤم يدل على تحوله إلى مواطن صالح يعود إلى حظيرة المجتمع، وتارة اعده فأل خير يشير إلى خروجه إلى الحياة الواسعة. وعندما تتسع دوائر التناقضات وتتضارب أمام ذهني العاجز عن النفاذ إلى أعماقها أعود وأفكر في الماء وأتوه في ملمسه المراوغ وانعكاسات قطراته المتطايرة. بعد أيام استعادت أفكاري المشتتة حول الحلم تنبيهي لمصطفى بأنه أصبح بحاجة ماسة إلى عمل. عندها هدأت الريح قليلاً، وبدأت أتأمل في علاقة مصطفى بالعمل، وفي رفضه القاطع لمهن الحياة الدنيا وتفرغه للكتابة والتأليف فقط، خاصةً وأنني كنت أعاني في ذلك الوقت من ضيق وقت الكتابة بسبب عملي الدنيوي. ثم انجررت إلى التفكير في يوميات مصطفى التي ينشرها أسبوعيا، وانتبهت إلى أنها تقع في منزلة بين العمل المُدنس وبين الإبداع المنزه. تذكرت بعضها وأدركت أن ما كان يعجبني فيها هو مراقبة كيف يتراخى غربال مصطفى الذي لا يرحم، بسبب منزلتها الوسطى فيما أظن، فتتسلل إليها تيارات من الحياة ما كان لها عادة أن تمر. فكثيرا ما كنت أعتقد أن مصطفى يعيش الحياة لكي يبقيها خارج نصوصه، كأنه يستمد منها قوة نفيها، وكلما ضاقت ثقوب الغربال الذي تمر الحياة عبره كلما رأى مصطفى أن نصه أصبح أكثر نقاء وصفاء. عندها تذكرت فجأة، وبدون أسباب واضحة، أن مصطفى كان قد حكى لي قبل الحلم بسنوات، أنه كان يعمل في صدر شبابه كمعلم سباحة في كابرتاج حلوان، وأن مهام عمله كانت تتضمن بجانب تعليم الحسناوات السباحة، إنقاذ من يشرف على الغرق. كلام مصطفى عن عمله في الكابرتاج جعل ذكرى قديمة تطفو ببطء وأنا استمع إليه ساعتها. فقد اصطحبني عمي، واسمه أيضاً مصطفى، ذات مرة إلى كابرتاج حلوان وانا لم أتجاوز السادسة فيما أذكر. وكانت فرحتي عارمة بالنزهة ومنيت نفسي بيوم لن أرى له مثيلاً. وما أن وصلنا إلا وأسرعنا لتغيير ملابسنا ونزلنا حمام السباحة الذي كان يعج بالناس. وقفنا قليلاً وسط الزحام ثم قال عمي مصطفى إنه سيذهب إلى السباحة في منطقة الغميق فيما بقيت أنا واقفاً في مكاني أتحسس خطواتي بحذر لأنني لا أعرف العوم. تابعته بعيني وهو يبتعد ثم أخذت أراقب المحيطين بي وهم منهمكون في مرحهم وقصفهم، وشيئا فشيئا تسلل إليّ شعور بالوحشة وسط هذا الحشد الهائل الذي لا أعرف فيه أحداً. وفجأة شعرت بقوة تسحب الأرض من تحت قدمي وتقلبني رأساً على عقب، فأصبح رأسي في الماء وساقاي في الهواء، ولم أكن أعرف وقتها أن المرء لا يتنفس تحت الماء. ظللت معلقاً لحظات طوال لا يتناهى إلى أذني أي صوت من الخارج، وكأن الحشد الهائل الذي كان محيطاً بي للتو قد تبخر فجأة، ولم يبق في هذا العالم سواي، أتخبط وأتشنج في هذا السائل اللانهائي. حتى عاد الصوت مرة أخرى ووجدتني ممداً على حافة حوض السباحة حيث حملني بعضهم، واعتذر مني أحد الصبية قائلاً إنه ظنني أحد أصدقاءه فغطس تحت الماء ثم أمسك بساقي وقلبني على سبيل المزاح. لكن ما كان يزيد من سوء حالتي هو أنني وجدت نفسي محاطاً بحلقة من الوجوه الغريبة ليس بينها وجه عمي مصطفى المألوف. كيف غابت عن بالي في الحلم تفصيلة عمل صديقي مصطفى؟ كيف غاب عن بالي أن مصطفى سبق له ومارس عملاً دنيوياً بالفعل؟ لكن ما بدا أنني نسيته في الحلم وتذكرته في الواقع، أي العمل، سهل علي فهم تشابكات مشهد الحمام. فعندما طفت ذكرى الكابرتاج مرة أخرى على سطح وعيي وأنا أفكر في الحلم، انتبهت إلى تجاور ساحر للحظات غير متزامنة يشف عنها ذلك المشهد البسيط بيني وبين مصطفى، وأخذت أتأمل وحشة طفل في حلوان السبعينيات وعزلة كاتب في حلوان التسعينيات، وأضع مصطفى العم الذي يذهب للسباحة بجانب مصطفى الصديق الذي ينقذ الغرقى، أضع مصطفى الذي يقف على يابسة الكابرتاج جافا بجانبي أنا الغريق الذي تجري المياه بين أصابعه، وحوض كابرتاج حلوان، الذي أصبح مكاناً يجمع بيني وبين مصطفى، وإن فصلت بين وجودنا هناك أعوام عديدة، بجانب بانيو وحوض للغسيل في حمام أشترك في استخدامه معه بعد أن جرت بيننا مياه الأدب، وأخيراً أضع رأيي في وضع مصطفى خارج عتبة نصوصه عندما يعمل ككاتب بجانب قيامه في زمن سابق بعمل آخر هو إنقاذ الغرقى، ووهبهم الحياة. تهادت أفكاري تتأمل هذا التجاور العجيب بين لحظات الوجود المنفصلة، وأدركت أنني ومصطفى في مشهد الحمام لسنا سوى انقطاعين متجاورين في جسم الزمان، زمنان منفصلان يجمعنا مكان واحد، بل ما نحن سوى طيف من اللحظات المختلفة والمتداخلة على مستويات عدة في الوقت نفسه. والحوار البسيط الذي أداره الحلم على ألسنتنا ليس سوى صدى لحديث آخر مستغلق يدور بين طيات زمن متباعدة. كل هذه الانقطاعات والتجزؤات التي توصل إليها ذهني من خلال عملية التفكير ضمها الحلم من خلال عملية أخرى ساحرة يخفى عليّ كنهها، فجعل منها مشهداً واحداً بسيطاً وشفافاً، من فرط اتساقه يبدو كأنه مشهد مستقل بذاته، شخصان في حمام، اضاءة صفراء بسيطة، خرير مياه متدفقة، وحوار عادي. وأخيراً ارتحت إلى ترجيح أن الحلم بمشهديته التي تبعث على تلك الألفة المنافية للطبيعة، هو محاولة لإدخال تعديل على ذكرى الطفولة الأليمة مع الماء. فوجوه كابرتاج حلوان المتحلقة حولي لم تعد كلها غريبة، بل انضم إليها وجه مصطفى بعد معرفتي المتأخرة بعمله السابق. وربما كان جمعنا هذا الجمع التعسفي في حمام واحد وإضفاء جو من الألفة على المشهد هو حيلة الحلم لكي يزاوج بيني وبين مصطفى ويزرعه في لحظة ماضية تخصني. وكأن الحلم، بتناقضاته الناتجة عن جمعه مستويات غير متزامنة، يريد أن يصل عبر أكثر الطرق وعورة، ولعلها الطريق الوحيدة، إلى الطفل الذي كنته ليعيد إليه الطمأنينة المفقودة، ويقنعه بأنه إذا تعرض للغرق مرة أخرى ولم يكن عمه مصطفى بجانبه ستمتد يد كابتن مصطفى المنقذة وتنتشله من المياه. الوجه الذي يترقرق على صفحة الماء هو إذن وجه ذلك الطفل المذعور، والحلم لم يكن سوى رسالة موجهة إليه اشترك مصطفى في كتابتها دون قصد.

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم