طابع الاختلاف والابتكار في قصص “هيهات”

هيهات محمد الشايب
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

عبد النبي بزاز

تتميز قصص مجموعة “هيهات” للقاص المغربي محمد الشايب بتنوع «تيماتها» التي تنزع نحو تجريب أشكال قصصية تمنحها نهجا إبداعيا يختلف عن الأنماط المألوفة بما يضفيه عليها من متغيرات تمس مجريات الحكي، وتطبعها بطرائق تملك من الجدة والتغيير ما يبوئها سبقا يرسم معالم مغايرة لجنس قصصي ( قصة قصيرة )أصيل لقاص اجترح عتبة تجديد مبني على مقومات فعل كتابة تتغيا حفر مجراها، ونحت صورتها وشكلها داخل فضاء السرد المترامي الأطراف، والمتشعب المسلكيات مضيفا صوته لمكونات جوقته، وسمفونية  إيقاعاته.

وسنحاول من خلال هذه الورقة مقاربة بعض موضوعات الأضمومة و”تيماتها”.

أ ــ التماهي: يرد بعدة صور وأشكال تتمظهر بتجليات مختلفة  تبدأ برغبة السارد في التماهي مع شخصية يوسف في نص “ريح يوسف”: ” أصررت على أني أخوه، لكن واجه إصراري بصمت ساحر ” ص 8، رغبة فتحت مسارب تيه وانزياح  في وجه السارد لما أبداه يوسف من تمنع  اكتسى حللا فضفاضة تشي بحركات  تقدم نحو وجهات  بعيدة المرامي: ” فابتسم ابتسامة ملبدة بالسحب، وسار يتبع الشمس… ” ص 8، فشخصية النبي يوسف بزخمها الديني في مسوحه القصصية بمرجعياتها  التاريخية والقيمية المختزلة في حكايته مع أبيه وإخوته والعزيز وزوجه المفصلة في النص القرآني ( سورة يوسف ) يتحول إلى مؤجج لرغبة السارد في تماه يستغرق الحلم تفاصيله: ” حينذاك رن منبه “البورطابل” معلنا حلول السابعة صباحا، فصحوت وقلبي يركض كمهرة جامحة ” ص 8، ويتحول هذا التماهي إلى حلول واتحاد في مقامه الصوفي وما يستنفده من مجاهدة ومكابدة: ” الحقيقة الوحيدة التي أدركتها أني أنا الشيخ، وأنه أنا كلانا شخص واحد…” ص 21، لينزاح إلى تجاذب حميمي   طقس كتابة قصة يتحول إلى اندغام وانصهار: ” كتبتها، ففتنتني، أو كأنها كتبتني من جديد… ” ص 11.

     ب ــ التحول: ويتم من مستوى إنساني: ” أحيانا أكون أستاذا أحمل محفظة وأقصد المدرسة… وللتو تحولت إلى فقيه يقرأ القرآن… ” ص 6 إلى مستوى كائن من نوع الشجر: ” وأحيانا أصير شجرة لا تراوح أبدا مكانها ” ص 6، أو حشرة: ” وأحيانا أصبح حشرة تتجول في الأسواق ” ص 6، أو حيوان ( ذئب ): ” لكنني في صبيحة ما تحولت إلى ذئب… ” ص 6، ولا يظل هذا التحول ثابتا في شكله الآلي بل يتطور لأنسنة الحيوان والتواصل معه إلى درجة مصاحبته  في ألفة وحميمية: ” صادفت قطة، أرسلت في وجهي ضحكة صافية… وأجبتها بضحكة أصفى منها، وسرنا جنبا إلى جنب نستنشق ليل المدينة… ” ص 24، وكذا المطر والرياح: ” يتجاهلني المطر، ولا تعرفني الرياح… ” ص 7، مما يحذو بالسارد إلى الإقرار باحتمالية التعرض لتحول أو مسخ  في خضم حياة هادرة بالتغيير والتبدل بشكل لا يخلو  من مشهديات  تنضح  بصور عجيبة وغريبة: ” كلنا معرضون للتحول وأحيانا للمسخ… ” ص 25.

    ج ــ الكتابة: والكتابة القصصية لدى الكاتب تؤسس لتصور مختلف يصدر عن رؤى تورطه في اقتراف إواليات حكي يمتشق مغامرة التجريب، كأن يطلب منه، وبإلحاح،عبد السلام المجنون أن يكتب قصته: ” ونزولا عند إلحاحه كتبت النص التالي عساه أن يكون قصته فعلا… ” ص 50 لأن الخوض في غمار كتابة قصته محفوف بصعوبات يطرحها تعدد قصصه الحافلة بأسرار مضمرة في إهاب المسكوت عنه، وثاوية وسط أضابير مركونة بدهاليز الخفاء والكتمان: ” تفحصت قصصه، فوجدته يجر أطنان الأسرار، ومتاعب السنين.. يتحصن بالصمت يبحر في تيه أبيض” ص 49، كتابة قصته خاتلت حسه، تحايلت على ذهنه، زجت به في متاهات تردد وتحفظ: ” فكرت مليا في الأمر، ولم أكتب شيئا… ” 49، إلحاح ومعاودة لم يكبح إصرارها وتكرارها التوسل بذريعة التجاهل والنسيان ليظل متمسكا بكتابة قصته، مصرا على ذلك: ” وبعد مدة طويلة، فاجأتني عودته بنفس الحال والهيئة، فوقف نفس الوقوف، ثم قال: قلت لك آولد قاسم أكتب قصتي…!” ص 49، وهي تجربة نابعة من تصور يراهن على ابتكار أشكال قصصية تشذ عن المألوف، وتنعتق من ربقة ثوابته ومواضعاته بما تمده من جسور تواصل مع شخوص المتن القصصي ومع قارئه. فإذا كان عبدالسلام المجنون ينسل من إهاب خبله، وينفلت من عقال هبله ملحا على كتابة قصته فإن قارئ المجموعة قد أوكلت له مهمة المشاركة والإسهام في تشكيل النصوص وإنتاجها بدءا بأخذ رأيه: ” ما رأيك أيها القارئ ؟!” ص 24 إلى تفويض وإناطة فعل الكتابة وإكمال حلقاتها: ” لن أتمم هذه القصة، لن أضع لها نهاية، واتركها مشتعلة دون انطفاء.. أما أنت أيها القارئ، إذا كنت تصر على إنهائها، فاركب غمار السرد ولك واسع الخيال.” ص 27.

لتبقى “تيمة” التماهي، والتحول، والكتابة من أبرز “تيمات” المجموعة التي اخترقت نصوصها عناصر أخرى ساهمت في منحها إضافات دلالية وجمالية كالعنصر الديني الذي حضر بعمق وثراء في نص “ريح يوسف” مستلهما آيات من سورة “يوسف” وتحويرها بإدخال أداة النفي “لا” في: ” لا أنا رأيت أحد عشر كوكبا، والشمس والقمر لي ساجدين، ولا أنا الذي قالت لي امرأة العزيز: “هيت لك”ص 6 “، ” وما بال الحق لا يحصحص ؟!…” ص  7، وعنصر المعتقدات التي تعكس رسوخ ثقافة الشعوذة، وتجذرها في نفوس  وأذهان الكثير من الناس حتى غدت قناعة شائعة يستعصي استئصال شأفتها، واجتثات جذورها: ” هذه الفتاة جاء بها أهلها لاعتقادهم أنها مسكونة، وأن بركة الولي الصالح قادرة على إخراج الجن الذي يسكنها..” ص 50.

وتزخر لغة قصص الأضمومة بنفَس مجازي يثري صيغها التعبيرية فتغدو أكثر عمقا وجمالا: ” وتروي القلوب المتوترة بكؤوس السكينة..؟!” ص 24، حيث تشكل صورا مختلفة الأبعاد والمعاني: ” استوطنه التعب واخضر الحزن في عينيه… ” ص 25، متنوعة الاستعارات: ” حاك القلق جلابيب لبسناها ” ص 37، أو: ” أراها على أريكة الخيال جالسة، أو ترسم بالخطو بحور التيه…” ص 9، أو متوسلة بأسلوب رومانسي: ” تهوي الجري في الغابات، والغناء مع الفراشات، والسباحة في الفضاء…” ص 12، كما تتعدد التشبيهات، وتتنوع استعمالاتها: ” هيفاء كالنغمات، وتهب كالريح  اللطيفة وقت الهجير.. ” ص 9، ” تتحرك المرأة كسحابة حبلى بالمطر..” ص  25 لتمنح اللغة غنى في التعبير، وعمقا  في المعنى. ويتوالى الحلم كذلك في نصوص المجموعة عبر صور تُنوِّع  سيرورة الحكي، وتغني نسيجه في صياغات مختلفة: ” حينذاك رن منبه “البورطابل» معلنا حلول السابعة صباحا، فصحوت وقلبي يركض كمهرة جامحة ” ص8، وفي: ” عادت، لتطل من نافذة حلم غريب.. ” ص 16.

ويقترن تعدد وتنوع الموضوعات و “التيمات» بتعدد وتنوع الشخوص والأماكن في ارتباطها بموضوعات كموضوع الهجرة والذي تشكلت  أطرافه من عزيز الذي هاجر إلى إسبانيا بطريقة غير شرعية: ” وصلت داخل محرك سيارة… سيارة مهاجر شرعي، أخذني داخل محرك سيارته مقابل ثلاثة ملايين!” ص 34، وعائشة التي تشتغل بمطعم زوجها الإسباني بعد أن كانت شغوفة بالشعر: ” أما عائشة فلم يكن لها من يقين سوى الشعر، ظلت تركب أمواجه، وتردد: “منذ البدء كان الشعر ومن لم يقم علاقة مع الشعر فهو ليس إنسانا !»  ” ص 36 ، أما عزيز فكان مناضلا طلابيا: ” كان زعيم تظاهرات الطلاب.. ” ص 35  أضحى الآن مهاجرا غير شرعي يبحث عن طرق تسوية وضعيته بإسبانيا: ” عرفت أن أمنيته الأولى هي أن يحصل على أوراق الإقامة… “ص 34، أشخاص زجت بهم الظروف إلى الهجرة نحو أوربا ينبشون في علاقات ماض مقرون بمرحلة طلابية داخل الحرم الجامعي من خلال حوار أثار موضوع الهجرة وما يحفه من خلفيات وإكراهات وتطلعات… داخل فضاء مدينة برشلونة الإسبانية والتي تنضاف إلى أمكنة أخرى عجت بها قصص الأضمومة مثل كراج علال، وباب الأحد،وجامع الفنا، وجنان السبيل، وسور المعاكيز، والهديم، والخبازات، والقنيطرة، وبلقصيري، وخميس ارميلة، وأولاد موسى، والحوافات بالمغرب،وأخرى بإسبانيا كشارع”الرامبلا»، وساحة «بلاصا ريال» بمدينة برشلونة، بالإضافة إلى شخصيات موسومة هي كذلك بسمة التعدد والتنوع مثل طامو، ونرجس، والشيخ، وزينة،والفقيه، والجدة،وشعبان،و عياد، والهادي… وتاريخية ذات حمولات دينية عقدية كيوسف، أو قائد دولة كفرانكو، أو باحث مُسْتكشِف ( كريستوف كولمبوس).

نخلص إلى ان مجموعة ” هيهات ” بعتبة عنوانها الممعن في الزئبقية والانفلات، والمجسد في شخص “طامو» وما عرفته من تحول: ” حتى رأيتها تتحول إلى فراشة، وتطير، ثم تحط على السطور، وتملأ البياض… ثم أخذت تعدو تارة بين الرفوف، وتتوغل في أعماق السطور، وتارة تطير في سماء الخيال والحلم، وتنأى بعيدا… حاولت اللحاق بها لكن هيهات…” ص 13، مشهد مزدحم بصور تمعن في زئبقية متحولة، تستعصي على الثبات والرسو يتكرر في قصة “فاكهة الممشى” حيث تبقى الفاكهة عصية على الجني والقطف: ” كان يحاول قطف فاكهة الممشى بطريقة ما، لكن هيهات.” ص 21.

لتنفرد “هيهات” القاص محمد الشايب بأسلوبها السردي المطبوع باختلاف نوعي تستدعي مقاربته التوسل بأدوات معرفية متعددة كفيلة باستنباط خفاياه، والغوص في خباياه.   

…………….

ـ الكتاب: “هيهات” ( مجموعة قصصية )

ـ الكاتب: محمد الشايب

ـ المطبعة: التنوخي ـ الرباط/ 2011

 

     

مقالات من نفس القسم