ضحايا بُعد النظر

أحمد كامل
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

 أحمد كامل

إذا اعتبرنا الزمان دبّاً يركض بلا هوادة لالتهام خطٍّ من الخرفان، فإن لحظة الالتهام تمثّل الآني، والدبّ الذي يتضخم هو الماضي، وما أمامه من خرافٍ لا تنتهي يمكن تصوّرها كسراب المستقبل. يتبرز الدبُّ بعض الخراف كما هي؛ غير مهضومة، وهذا ما ندعوه “النسيان”، فيما بقية الخراف تعلق في نسيج لحمه. يتعثر الدبُّ أو يتباطأ في أحيان الكدر، وربما تعجّل بما يفوق إيقاعه عند المسرّة. إن أية خراف مقارنة به تبدو هزيلة، سيان المأكولة أو التي على مرمى البصر، وحتى تلك الغائبة عن إطار الرؤية؛ لا سطوة إلا للدبّ، ولا سطوة لنا على الدبّ، اللهم تخيل شيئاً في ثناياه المدهننة بخلاف حقيقته، كوسيلة لتزييف الماضي بغرض التجمّل أو اكتساب منفعة وفي أفضل الأحوال، يكون التخيّل بلا قصد كمحاولة فرار من الواقع. ليس في متناولنا سوى أن ننشغل بالخراف، سواء تلك المنظورة، لنجعل من كلّ نعجة حفلة شواء نمارسها بأقصى طاقة تلذذ، أو قد نتعقل فنتغاضى عن القليلة المنظورة، لصالح رتل غير منظور، وذلك ما ندعوه “بُعد النظر”.

*****

في كتابه “تاريخ الفلسفة الغربية” يعلّق برتراند راسل على مسألة بُعد النظر، باعتبارها لصيقة بالمدنيّة الزراعية، فالأعمال الشاقة من قبيل حرث الأرض والريّ وخلافها… أعمال بُعد نظر، فيما الصيد يتولد عن دافع فطري، يتولد عن تحرّي لذة الآن.

وربما أن ذلك يفسّر ارتباط البيئات الزراعية بحياة ما بعد الموت، فلا يزال بُعد النظر يعمل، والأهرامات ومومياوات الفراعيين منتج بُعد نظر. وربما نستشف في ذلك أيضاً شيئاً من المكر؛ إن الشعوب التي رسّخ حكامها لسياسة بعد النظر كانت أكثر استقراراً وإنتاجاً وطاعة.

ويرى راسل أن المدنية تلجم الدافع الفطري، وبُعد النظر يقضي بطبيعته على جوانب حسنة في الحياة، فيما أن عابد ديونيسوس يثور على بُعد النظر، وهو حين يسكر يستعيد غزارة في الشعور كان بُعد النظر قد قضى عليها، ويصير العالم حينئذٍ ممتلئاً بالجمال والمتعة، ويتحلل خياله من سجن المشاغل اليومية، فلولا العنصر الباخي لفقدت الحياة نكهتها.

ويقول راسل: «كانت عبادة ديونيسوس في صورتها الأولى وحشية، بل كانت منفرة في كثير من نواحيها، وهي لم تؤثر في الفلاسفة بصورتها تلك، بل أثرت فيهم حين اتخذت صورتها الروحية التي تعزى إلى أورفيوس، وهي صورة مصطبغة بالزهد، أحلت السُّكر الروحي مكان السُّكر البدني».

يمد راسل الخطّ كي يصل ما بين ديونيسوس وما تلاه من اللاهوت، عبر أورفيوس العازف الذي ألان بقيثارته الحيوان والجماد، وبالإمكان أن نلمح هنا مقدمات تصوّف. فالفعل الصوفي حاول الدمج بين بُعد النظر واللذة الآنية في مقاربة تبدو للوهلة الأولى مستحيلة. ولا شك أن ذلك يستدعي في الذهن الخمريات العربية، التي تخاطب الروحي عبر النبيذ وتلتذ بلحظة البروق الكشفية ومذاقها، فيما تتطلع ببعد نظر إلى مرضاة المحبوب/الخالق.

*****

إن أعمق بُعد نظر يتمثّل في العمل من أجل الجنة والنار، وعلى عمقه فهو بعد نظر تشوبه العاطفة، حتى وإن كانت فحواه بالأساس مصلحة ذاتية. وإذا ما نظرنا إلى العاطفة باعتبارها نقيض بعد النظر، باعتبارها مُعطّلاً عن مخططٍ لا يجب الحياد عنه، فسوف يتراءى لنا كيف أن بُعد نظرنا خدعة، فلا يوجد بُعد نظر صافٍ نقي، سوى لدى الإله الذي سوّى عالمنا وسيّره بشكلٍ لا حياد عنه؛ بُعد نظر الخالق هو القدر. وللإنسان الذي يدرك حزم القدر محض الدعاء لاكتساب طاقة تحمّله، فيما أن لدى الإنسان ميزة التغاضي عن بعد نظره؛ والارتكاز في طمأنينة إلى قدر الخالق. ومن الغريب أن الديانات التي تحضّ على بعد النظر وتجعل مكافأته جنة أبدية، هي ذاتها الأديان التي تطوي أفكار التوكّل والرضاء بالقدر ومفهوم التوبة وألا تحميل فوق الطاقة، كأنها تعلن استعدادها للتواطؤ في أحيان، مع قصور بعد نظرنا الإنساني. فدون قصوره ما كانت دراما البشر، التي صنعت للحياة كلّ ما هو جميل وبائس. ما كانت الهبّات المفاجئة بصرخة ثورة في وجه الظلم. ما كان للغراب أن يعلمنا أمور الدفن ولا للجبل أمام موسى أن يتصدع. ما كان تهوّر الأحبة في أول قبلة وعسل رعشة هوى… وبينما تنمّ قطع أغلال بعد النظر عما هو إنساني، وتطوي فكرة تسليم المرء بعجزه أو العيش بلامبالاة في رحاب اللحظة، فمحصلة تحرّيه -بالمقدرة البشرية- هو وعد بجنة، لن تستدعي المزيد من قسوة بُعد النظر، فهناك لن توجد قطعاً أية خراف مأكولة.

 

مقالات من نفس القسم