الرعب: لحظة شفافة نادرة

محمد الفخراني
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

محمد الفخراني

الرعب أحد مشاعر البشر القُصوى، لذا، لحظات ومواقف الرعب فى حياتنا محفورة فينا، لو سألنا أحد عن مواقف الرعب التى مرَرْنا به، سنعُدُّها، نتذكَّرها على الفور، واضحة، ناصعة، نرى تفاصيلها أمامنا، هذا ما يفعله الرعب، يحفر بداخلنا، لا ننساه، الغريب أننا نتذكَّر بعض هذه المواقف بشىء من حنين، ورغبة غامضة أن نعيش هذا الإحساس مرة أخرى.

ربما نَمُرُّ بمشهد مُرْعب يُغيِّرنا للأبد.

لا أتكلَّم هنا عن الرعب الذى يمتد لساعات أو أيام أو سنوات (سأعود إليه بعد قليل).

أتكَلَّم عن تلك اللحظة المُكَثَّفَة التى تضرب فينا كالبرق، صاعقة تَفيق لها أرواحنا، وينفجر لها جسدنا إلى الداخل، كأن كل شىء بداخلنا، أحشاءنا وأنفاسنا، قد اُنْتِزَعَتْ منا دون ألم، وشعورنا معها بالفراغ الكامل، ويعود لنا كل شىء فى اللحظة التالية، كأننا عِشْنا حياتنا كلها فى رمشة عين، أو متنا موتنا كله فى لَمْحة، هو شعور غير الموت والحياة، مُكَثَّف ولامع وعميق وخارج عن الزمن، كأننا فَعَلنا كل ما يمكن أن نفعله مُجَمَّعًا فى لحظة واحدة، أو أننا لم نفعل كل ما لم نفعله مُجَمَّعًا فى لحظة واحدة.

ربما من الشائع أن الرعب درجة أعلى من الخوف، لكن برأيى أن الرعب يختلف بالأساس عن الخوف، الخوف قاتل مُمِيِت، يُطفِئنا، والرعب يُضيئنا بذلك البرق، يُشْعِلنا لكن لا يحرقنا.

الخوف يمكن أن يصيبنا بالشلل الجسدى والنفسى، الرعب يستفزُّنا بالكامل، كل ما بداخلنا، وحتى ما لا نعرف أو نتوقَّع أن يكون بداخلنا، دائمًا هناك استجابة ما تجاه الرعب، حتى لو كانت.. لنَتَخَيَّل.

لماذا نُقدِّم الرعب لأطفالنا وهم أغلى ما لدينا، العجب، نحن بهذا نريد أن نُمتعهم، لا أقصد نُسعدهم، إنما نُمتعهم، والفرق كبير بين المتعة والسعادة، الرعب يمنح المتعة، نحكى لأطفالنا (عندما نحكى) حكايات الرعب كى نرى الَّلمعة فى عيونهم، كى نجعل عيونهم تتعلَّق بنا، وتنظر إلينا. بحكايات الرعب نحصل من أطفالنا على الاهتمام، على هذه النظرة الجميلة، وبالرعب نجعل أطفالنا يرتمون فى أحضاننا، هذا بعض ما يفعله الرعب، لماذا عندما كنا أطفالاً لم تكن تُمْتِعُنا غير حكايات الرعب.

ولا تخلو منه ألعابنا، نصنع ألعابًا مَبْنيَّة على الرعب، علاقة وثيقة وأكيدة بين اللعب والرعب، أجمل الألعاب هى التى بها قَدْر من الخطورة، وكلما زادت الخطورة زادت متعة اللعب، حتى نصل إلى درجة الرعب، عندها نصل إلى متعة اللعب.

لأن الرعب غال، ونادر، اخترعنا ألعابًا مُرْعِبة، مُدُن الألعاب التى ندخلها، مَنْ مِنّا لم يرغب فى دخول بيت الرعب، مَنْ منا لم يفكر أن يُجرِّب تلك الألعاب الخطرة، التى لو حدث بها خطأ واحد ستذهب بنا إلى القتل، بالمناسبة، الكبار وحدهم يتردَّدون فى تجربة هذا النوع من الألعاب، أما الصغار فيجرون إليها، وتكون اختيارهم الأول.

أجمل الأماكن فى العالم تحمل الرعب بداخلها، البحر، الغابة، الصحراء، الجبال، مَنْ منا لا يرغب فى زيارة هذه الأماكن، وكلها لا يخلو من رعب، لا تخلو من جمال الرعب، ورعب الجمال، هل فكَّرْنا أنه ربما أحد أسباب حُبِّنا لها كونها تحمل بداخلها رعبًا ما، وربما أحد أسباب كونها جميلة أنها تحمل بداخلها رعبًا ما، حتى لو أننا لم نَرَه بأعيننا، لكنه موجود فى أرواحها، ويَمَسُّ أرواحنا بشكل ما، لا بد جاءت لحظة على كلٍ منا وصَفَ فيها البحر أو الغابة أو الصحراء أو الجبل بأنه مرعب/ مرعبة.

 فى الرعب حياة، نجاة، نشوة، يُشْعِرُنا بأننا أحياء، نَمُرُّ بموقف مرعب يكاد يودى بحياتنا لكننا ننجو فنشعر بالحياة، نلمس معنى أن ننجو، نكاد نلمس أرواحنا بأيدينا، نُسَلّم عليها وتُسَلِّم علينا، نقول لها: “هل أنت بخير؟”، ونسمع أرواحنا تسألنا: “هل أنت بخير؟”.    

ننظر إلى لحظة الرعب بعد أن نتجاوزها ونشعر بدم جديد يضرب داخل عروقنا، حياة تولد مكتملة، هى لحظة استثنائية، الغريب، أو أنه من الطبيعى، أننا نضحك، الرعب من أكثر الأشياء التى تُثير ضحكنا بعد أن ننجو منها مباشرة، نضحك لاكتشافنا أن لدينا هذا الشعور القوى، شعور بهذه القوة، رغم أنه، للمفارقة يُذكِّرنا بضعفنا، معه نعرف ضعفنا، هشاشتنا، قوة مشاعرنا، نضحك لحياتنا التى كنا على وشك أن نفقدها وتفقدنا، وكأنما “انكتب لنا عمر جديد”، كم مرة “انكتب” للواحد منا عمرًا جديدًا؟ هذه التجربة، وهذا العمر الجديد لن “ينكتب لنا” إلا إذا مرَرْنا برعب حقيقى، نضحك بسبب دهشتنا كيف كانت اللحظة شفافة وخاطفة لهذه الدرجة، كيف أنها كشَفَتْنا أمام أنفسنا لهذا الحَدّ.

هناك أشخاص أُصيبوا بحالات من اللَّوْثَة، أو حركات لا إرادية مستمرة بسبب تَعَرُّضهم لموقف مرعب، وهناك أشخاص شَفاهم الرعب وأضاءهم.

الرعب يُخْرِج أجمل وأسوأ ما فينا، ضَعْ مجموعة فى موقف مرعب، وانظر كيف يتصرَّفون، فى وباء أو مجاعة أو تهديد غامض بالقتل، البعض ربما يُضحِّى بنفسه كى ينقذ غيره، البعض سيُضحِّى بالآخرين كى ينجو.

بطريقة ما، “الرعب” الذى يمتد لأيام أو سنوات لا أعتبره رعبًا بالأساس، إنما شىء مظلم، حالة مظلمة، حتى وإنْ بدأ كشعور بالرعب، فهو يتحوَّل مع الوقت إلى شىء آخر، ونبدأ نتعامل معه بعقولنا، نُفَكِّكه، نجد له حلولاً بأىّ شكل، نُفَرِّغه من نَفْسه ونَخْرج منه، حتى بالسخرية منه.

طيِّب.. أطول وقت للرعب هو ليلة واحدة، وفى ظروف خاصة. 

أما لحظة الرعب المُكَثَّفَة، فهى لحظة نتعامل فيها مع الرعب بغريزتنا الخالصة لا عقلنا، لأن الرعب وقتها يتعامل معنا بغريزته الخالصة، رعب نقى، غريزته وغريزتنا، لحظة الرعب العميقة تجعلنا نكتشف مشاعرنا، يَحْفُر داخلنا فى لحظة خاطفة، تشعر أنه وصَلَ إلى أصابع قدميك، أطراف روحك، إلى قاع بئرك وارتطم هناك، كأنه إضاءة تلمع داخل الروح، لحظة الرعب تُفكِّك الجسد، تجعلنا نقفز فى العمر عِدَّة سنوات دفعة واحدة، أو تَرُدُّنا سنوات للخلف، ننهار فى لحظة، ونضحك فى اللحظة التالية، واللحظتان حقيقيتان، الرعب يجعلنا نشهق مرتين، واحدة يَسْلب فيها أرواحنا، وفى الأخرى نستعيدها.

بعد كل رعب حقيقى نعيشه سنحتاج إلى مستوى أعلى كى نرتعب، ودائمًا هناك مستويات أعلى متوفرة داخل الرعب.

أعتقد أن التالى صحيح، على الأقل بنسبة كبيرة: الأشخاص الأكثر طِيبة هم الأكثر إثارة للرعب وبَثًّا للرعب فى نفوس الآخرين عندما يستلزم الأمر، والوحوش ذات الملامح الكبيرة الطيِّبة قادرة أن تكون مُرعبة أكثر بكثير من الوحوش ذات الملامح المُرْعِبَة، الأشخاص الطيِّبون والوحوش الطيِّبون لا يمكنك أن تتَوَقَّعهم، ولا يمكنك قياس أو تحديد مدى قوتهم الداخلية، أو متى يتحوَّلون مُرْعبِين، هم أنفسهم لا يعرفون اللحظة التى يمكن عندها أن يتحولَّوا، وإذا فتحوا بابًا لن يغلقوه حتى ينهون الأمر تمامًا، لا يهزرون، يقطعون الشوط لآخره، ما داموا قد بدأوه فإنهم حتمًا سينهونه، ثِق فى هذا، واحذَرْهم.. إنهم الرعب الحقيقى.

لا يمكننا أن نتوَقَّع إلى أين يمكن للرعب أن يصل، ولا من أين يمكنه أن يأتى.

الأماكن والأشياء التى تعطينا الأمان هى نفسها يمكن أن تُرْعبنا، يصل الحال إلى البيت، الشارع العادى، هل هناك أطيَب من الماء، تَخَيَّله طوفانًا، هل هناك ألطَف من الهواء؟ تخيَّله إعصارًا، هل هناك أجمل من الحب؟ تَخيَّله رغبة فى الامتلاك.

الرعب يُذكِّرنا بإنسانيتنا، كيف أن شيئًا من الممكن أن يثير فينا شعورًا كهذا، الرعب يجعلنا نعرف كم يمكن أن نكون أذكياء، ولدينا من الحِيَل ما لا ينتهى، نَتَعرَّض إلى موقف مُرْعِب فنتحوَّل إلى أذكياء فوق العادة كى ننجو، يجعلنا نعرف ما نحن قادرون عليه، لكن بعد أن ننجو سنعرف أنها لم تكن حيلتنا، ولم يكن ذكاؤنا ما أنْقَذَنا من هذا الرعب، سنعرف أننا فى النهاية بهذه الهشاشة، وقِلَّة الحيلة، سيكون هذا واضح جدًا لنا، وهذه المرة لن نكابر، سنعترف بهذه الحقيقة ونَقْبلها.

لماذا نَصِفُ شيئًا بأنه جميل حَدَّ الرعب، نقول: “جميل بشكل مرعب”، “قصة حب مرعبة”.

الرعب فى إحدى صوره القُصوى ليس أن تَظهر لنا أشياء مرعبة، أو أن نَمُرَّ بظروف ومواقف صعبة لم نصادفها من قبل، وإنما أن تختفى أشياء عادية، وأشياء اعتدنا رؤيتها كل يوم، ومواقف عادية وحتى مُكَرَّرَة، أن تختفى حياتنا العادية (أُضيف: أو تتحوَّل إلى حياة افتراضية)، ربما يكون هذا أكثر شىء مرعب.

………………………

من كتاب: “أنا أحب هذا العالم”، قيد الإصدار

مقالات من نفس القسم