إلى مريم

سارة عبد النبي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

سارة عبد النبي

صباح الخير يا مريم، وأنا أعرف أن كل صباح سيمر عليكِ سيكون صباحا جميلا، لا بد أن نفكر دائما في هذا الجانب الشاعري من الموت، وإلا سيكون الأمر في غاية التعاسة والبؤس، وخصوصا عندما نفكر في موت كموتك، وموت الذين يشبهونك، الموت المزلزل، المباغت القاسي، الذي يترصد الوجوه النضرة في الطرقات، ويجتز الأحلام البكر من جذورها، غدرا بلا مقدمات،

صباح الخير مرة أخرى، صباحا لا يشبه أبدا أحد أصباحنا المليئة بالهزائم، بالثرثرة التي لا تؤدي لشيء، بالغثاء المتناثر حولنا في كل مكان، في صورة كلمات وأصوات، بالحلقات المفرغة التي ندور فيها،  لن يعكر صفوك أحد من الآن يا عزيزتي،  سيظل مزاجك رائقا مرحا أيتها الصغيرة، ذات الجدائل التي خبأتها الأرض بعيدا، لتحتفظ وحدها بسمرتها الأبدية، عذرا إذا كنت أحاول  أن أنسى كل ما حدث لكِ مؤقتا، وأن تحتفظ ذاكرتي فقط بصورة لعيونك الذكية، بجمالك المكتمل البسيط، بالطبع  تدركين أين نعيش، علينا أن نأخذ هدنة، أن نترفق بقلوبنا قليلا، وإذا كنتِ تردين سماع بعض الحكايات الرخيصة سأسرد لكِ بعضا منها على سبيل الفضفضة،

 البعض يقول أنكِ ضحية لجريمة تحرش، العنف وقع عليك لأنك أنثى تمشي في الشارع وحيدة، عنفا وجد المبررات والطرق الممهدة، وجد غطاء دينيا من بعض الأبواق، التي تخرج علينا ليل نهار، ناقعة بأفكار نغصت علينا حياتنا، وغطاء ذكوريا يتخذ مسارات متعددة، بعضها حاد قاطع، والآخر ناعم أملس مستفز، نماذج منتشرة في كافة الطبقات الاجتماعية، غير مقتصرة على طبقة بعينها أو مستوى تعليم متدني، فاشتد العنف واستفحل، حتى وصل ليس فقط لإستباحة الأعراض في الطرقات بل والدماء أيضا، حتى تيقن الكثيرات منا أن الحل الوحيد لكل ذلك السخف، ما هو إلا الهروب من تلك الأرض, التي يعيش عليها، من يحقر دائما من أصداء قتلنا في الطرقات،

 والبعض الآخر انزعج بشدة من ذلك التوصيف الغير دقيق، وراح يبرهن بكل الأدلة أن الغرض الحقيقي هو السرقة، وليس السرقة كالتحرش، وأنه لابد أن نسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة، واستفاضوا في وصف كيف للنساء في كل مرة تثار قضية ضحيتها أنثى، تجذبها لذلك الجانب، لمزيدا من البكائيات، لمزيد من الاهتمام لقضاياهن المزعومة، للحديث عن تجاربهن السيئة، المختلقة في كثير من تفاصيلها، للحديث عن عنف ممنهج يمارس ضد السيدات في الشارع، وهذا غير صحيح، لأن العنف في الشارع يمارس ضد الرجل والمرأة بالتساوي، وليس حسب النوع الاجتماعي، دلل بعضهم على ذلك بجريمة بشعة حدثت بالتزامن مع حادثتك المشئومة، وقعت لسيدة تعرضت للاغتصاب أمام زوجها، وأكد  البعض على الجملة الأخيرة، كأنها المصيبة الوحيدة في الأمر كله،  قام ثلاثة جناة بشل حركة الزوج وتهديده بالسلاح، وقام الرابع باغتصاب الزوجة، قالوا أن الطرفين تضرروا من عنف الشارع بالتساوي، الرجل كالمرأة تصوري!، هذا هو الاغتصاب في عرف الذكر، ببساطة شديدة جدا هذا الجسد الذي اغتصب وانتهك فقط يخص زوج، أب، ابن، ليس إلا،
أنا في الحقيقة لا أجد سبب لقول كل ذلك الهراء الآن، ولا أعرف سبب كل هذا الانزعاج الرخيص المبالغ فيه، قد غابت ابتسامتك الخضراء على كل حال.

سنظل نرتشف الحذر يا مريم في كل صباح، في كل خطوة نخطوها يولد معها التوتر والقلق، لا شيء يطمئن على الإطلاق، طالما وجد من يحتفي بالتنكيل بنا، طالما في كل مرة شرعنا فقط بالشكوى، كأننا واجهنا العنف بالعنف وليس فقط بالصراخ، لتنطلق أيادي نحو أفواهنا لنصمت، لتطالنا الاتهامات أننا نكبر الأمور ونضخمها، وكلاما من عينة كلنا في الهواء سوا، وهذا ليس صحيحا على الإطلاق يا مريم،

سنظل نخسر، جميعا، طالما نمضي في هذا الطريق بكل اصرار، ستضيع منا التفاصيل والحكايات الجميلة فيه،وكل دعوة وكل مجاملة أو حتى كل لمسة بغير قصد ستخلق طاقة غضب رهيبة ستنفجر يوما ما.

على كل حال لا أعرف كم سيظل وجهك وسيرتك تطاردني، ربما أسبوعا، ربما أكثر، لذلك لن أحكي لكي مزيدا من الحكايات المزرية التي تخصني أنا، بالرغم من أني أريد ذلك بشدة، حتى أتخلص من تلك الكوابيس التي تحاوطني، حتي أتخلص من شعور الجبن والمهانة الذي يسكنني، ولكن سأحكي لكِ حكاية أخرى خالية من الدنس، لأخبرك كيف تضيع منا الأشياء الجميلة في  وسط ما يحدث كما قلت لكِ سابقا..

عامان مضيا، ولم أنسى ملامح ذلك الشاب الأسمر الصغير، لهجته القروية البسيطة على الهاتف، الحازمة في حديثه القصير معي، كنت في زيارة للقاهرة, استغرقت يومين، في عودتي اخترت وقتا مناسبا، حتى لا أتعرض للأذى أو للمضايقات في الطريق، خصوصا وأن مشواري طويل، وسأتنقل بين أكثر من وسيلة مواصلات، سيارة لأصل لمحطة مترو كوبري القبة، ثم منها أعد ثلاث محطات أخرى وأنزل في الرابعة، محطة الشهداء، فيها أبدل للخط الثاني وأنزل بعد سبع محطات في شبرا الخيمة، واتجه لموقف المؤسسة لأركب سيارة متجهه لقريتي في المنوفية، التابعة لمركز أشمون، كل ذلك الطريق ومعي حقيبة ثقيلة جدا أحملها، عند وصولي للموقف وجدت سيارة على وشك الاكتمال، بها مكان واحد شاغر في الكرسي المنفصل بجانب الباب، نظرت للشاب الذي سأجلس بجانبه نظرة فاحصة، حتى أستشف ما قد يحدث لي في الطريق، برغم أن المظاهر لا تخبرنا بشيء حقيقي، لكن تعودنا أن ننظر للوجوه جيدا، ربما نجد أمل للنجاة من تجربة مريرة أخرى، نظرت للكرسي الوحيد، الحقيبة التي لا أقدر على حملها، الارهاق الذي أشعر به، ثم أتخذت قرارا، لا مزيد من الانتظار، جلست والحقيبة أحملها على رجلي، التصقت بالباب، كان الفتى يجلس منضبطا ولا يتعدى مكانه المخصص له في الجلوس، مضى ثلث الطريق وأنا أحاول السيطرة على الحقيبة التي تنزلق، أبذل مجهودا كبيرا في تثبيتها، لأول مرة وجه الفتى حديثه لي قائلا (لو سمحتي ممكن الشنطة هشيلها شوية بدالكِ)، قلت له شكرا ونظرت للجانب الآخر من الطريق، كنت متأكدة أنه يريد فقط زريعة لحديث معي، لا أرغب فيه، وربما تجاوز أكثر، بعد أقل من دقيقتين نظر لي بضيق وأنا أعاني في جلوسي تحت الحقيبة الثقيلة، وجدت يده امتدت للحقيبة بسرعة، وأخذها عنوة، قال بلهجة ريفية حازمة (تلاتة بالله العظيم لأشيلها أنا بجيت الطريج)، دهشت من حسمه للأمر بهذه الطريقة، لم أستطع أن أنطق كلمة اعتراض هذه المرة، ظللت مشدودة ومترصدة لأي حركة أو كلمة فيها تجاوز، ولكن ذلك لم يحدث على الإطلاق، ظل صامتا، ناظرا أمامه يحمل حقيبتي، لم يتجاوز حتى بنظرة خاطفة، عندما وصلت أخذت منه الحقيبة بلا كلمة واحدة، فقط نظرت إليه نظرة طويلة، وعقد لساني، ثم مضت السيارة مسرعة، مضت به وكنت أريد أن أصافحه يا مريم، أشد على يده، أقول له بصوت ممتن، شكرا، شكرا جزيلا…

مقالات من نفس القسم