وحيد الطويلة في «باب الليل» يكشف العالم السرّي للمقاهي التونسية

الروائي المصري وحيد الطويلة عايش جماليات هذا المكان في روايته «باب الليل» الصادرة عن « منشورات ضفاف ـ دارالأمان/الرباط ـ منشورات الاختلاف «، حيت تتكون هذه الرواية من خمسة عشر فصلاً، أي من خمسة عشر باباً، كل باب له حكاياته، وبطله ورموزه، وهي تتحرك في داخل حيز صغير، ممتلئ على الدوام بالزبائن والروّاد الدائمين وبعض عابري السبيل. سينوغرافيا المكان هي عالم المقهى بفضائه الواضح، من أشياء وحيوات وعمال وزبائن، المساحة مرسومة بدقة كبيرة ، ومحسوبة كل زاوية فيها. ثمة زبائن دائمون لهم أمكنتهم الخاصة والدائمة، وثمة زبائن يتحركون حسب الفضاء المتاح في المقهى، حيث المساحات والزوايا والأمكنة الصغيرة، كمكان تحضير الشاي والقهوة والعصائر، ومكان من يُدير المقهى وزاويته الخاصة والرفيعة التي تتيح له رؤية الداخل والخارج، أيضاً هناك «التواليت» الذي يُعد المكان الرئيسي بالنسبة للمقهى، إذ فيه تتم كل الصفقات بين الجنسين، من المواعيد إلى التعرّف في أخذ أرقام الهواتف ورمي كلام الدلع والخفة، وجلب من تستطيع جلبه وإقناعه، بفخاخ من يرغب بحب بريء، أو علاقات صداقة، لكن هذا المكان، ظل نادراً ما يوفر مثل تلك العلاقات الحبيّة البريئة.

عالم المقاهي التونسية كما رسمه وبرع في هندسته وحيد الطويلة، هو عالم مبهم وسريّ ومجهول للعابر والزائر الطارئ ، ولكن للكاتب الخبير مثل الطويلة، هو عالم روائي بحت، عالم عشق ونساء وليال حمراء، عالم له نساؤه ورجاله، وخبراء يديرون هذه الليالي الساخنة والمترعة بالسهر والغناء والشراب حتى طلوع الشمس. إنه عالم من المومسات والرجال الليليين الباحثين عن المتعة واللهو والبهجة السريعة، داخل محيط معرّض للكلام والحكايات والوشايات، ناهيك عن المخبرين الذي يديمون الإقامة فيه لنقل الصغيرة والكبيرة إلى جهاز الدولة البوليسي .

يبرع وحيد الطويلة في روايته هذه في صيد العناصر المحبّبة للقارئ، عناصر الفتنة والتلهف والتشويق والتسويق الرائع للخيال، في مزجه المتخيل بالواقعي، الحالم باليومي، والتفاصيل وصبّها في قالب شعري، قادر على التأويل والمداورة وتقديم الدوال في سياق من التقانة المتمكنة، تلك القادرة على مزج الآني والمبتذل والسوقي والهامشي والمنسي مع اللامع والمتعالي والمتكامل في الأنسقة الحياتية، فثمة الوَرِع ،المتدين، وثمة الذكي ،الألمعي والبارع والمخذول والمناضل والصحافي والتاجر والمُتاجر ببائعات الهوى، والمتاجر بالسياسة، والأحزاب والمواقف، كلهم يتعايشون ويتحركون ويظهرون، في أفق واحد، في مكان واحد هو المقهى، أما الزمان فهو ممطوط وسائغ وعجيني، ولكنه ممسوك ومُدار بيد ماهرة، جعلته يبرز أكثر، ويتلع برقبته ليستشرف المكان ، ليعاين حركته وشخوصه ومحتوياته ومعانيه ومرامه، إنه الزمن الذي لم يذهب بعيداً، زمن الرئيس السابق الذي كنسته الثورة .

تعتمد لغة « باب الليل «على لغة المفارقة، والتورية المُحبَّبة والمُنعشة، غير المبهمة، لغة تجعلك تحلق في مستوى شعري، وتجعلك اقرب إلى روح الخفّة والبهجة، وهي تصف العلاقات الجنسية بمشاهد بديلة، تعتمد الإزاحة والتأويل الدائم لها، وإذا ما كشفت اللغة عن سيقانها، سوف لن تتدنى لتكون سوقية، وهي بيد روائي خبر شأن اللغة وكيف بمستطاعها أن تحمل الدلالة والمغزى ثم تسير دون أن تصطدم بحاجز وسور، أو عائق ما، يجعلها صيداً سهلاً للرقيب الذي لا يبعد خياله عن المسافة التي بين عينه وأنفه، فاللغة المكينة باستطاعتها عبور الرؤيا وكذلك الأسلاك الشائكة .

إن الأمثلة في هذا الشأن لكثيرة وليس في الوسع إحصاؤها، كونها شكلت العمود الفقري للرواية، وبَنَتْ عليه كل حوادثها الدرامية، والمأساوية، وكذلك الكوميدية، ذات السياق الغنائي المغمور بالاستعارة الفنية، من عوالم الشعر والسياسة والدين والحب والجنس والأدب .

شخوص الرواية تنوّعوا بين التونسي واللبناني والفلسطيني، والسوري والطلياني، بينما النساء فهن تونسيات، فهناك مجيد اللبناني وأبو شندي الفلسطيني وخميس برجينيف، وأبو جعفر السوري وشادي ومحمد شهريار وغسان وسي المنجي المخبر ومهدي المسيحي، المرتد عن دينه، وسفيان، وألفة وحلومة ورحمة، وحبيبة ونعيمة، والملكة درّة التي تدير المقهى من موقعها كملكة وتعرف كيف تدير الرجال بإصبعها والنساء أيضاً، وغير هؤلاء الكثير ممن يحضرون في الرواية، يعبرون، يؤدون أدوارهم في عالم النهار، وهو المقهى، حيث لعب الورق، ومكان ضرب المواعيد، والتنفيس في سرد الحكايات، واستدراج النميمة والقيل والقال، وشرب السواخن، والبيرة المثلجة والآيس كريم، حتى تحين المواعيد الحقيقية لليل، حيث الأسرة التي تئن، واللحم المكشوف تحت ضوء الشموع والشراب الرومانسي، نضال في السرير، ونضال في الخارج، فتح في المخادع وفتح للمدن في الحروب، لعاب يسيل على المال في النهار، ولعاب يسيل في الليل على المناهد والألبسة الداخلية، شحنات من الحزن اليومي، والبكاء في المقهى، لعاثرات الحظ وتوَهان وتمرّغ تحت الفحولة في الهزيع الأخير من الليل، مثلية جنسية في السجون يوم تسجن حلومة، في سجن النساء. إنه واقع متناقض، متنافر، متشظىً، ولكنه متجانس ومتكامل ومتآنس في الليل، حيث تدور الكؤوس ودخان السجائر والقنب، وتدور المؤامرات والإحباطات والانكسارات أيضاً بيد لاعبين كبار .

ومن « باب النساء « نختار: « ألفة التي لا تعرف ماذا تريد، وربما هي الوحيدة التي تعرف، لأنها راضية عن نفسها في حالتها القلقة، في السقف الذي لا تراه، إلا إذا نامت على ظهرها، لا تستطيع أن تعيش مرتاحة ولو ارتاحت ووجدت زوجاً وبيتاً آمناً لربما ماتت في الحال . التسكع على مقاسها، والاحتيال بين عينيها وساقيها يزينها، يصعد ليصنع شامة بين حواجبها، سيدة القلق تكره الاستقرار، تسافر إلى ليبيا وتعود محملة بالجواهر « .

رواية « باب الليل « كتبت بلغة رشيقة، واستعارة شاعرية، لا زوائد ولا استطالات، الجمل فيها قصيرة، باتة، ومكتفية بذاتها، أي بسياقها ومحتواها، ووظيفتها جليّة ولا تحتاج إلى لف ودوران، بتضميدها بالوصف، لقد تم الوصف منذ بدء الفصل الأول للمقهى، وتم تعيين الشخصنة وترسيم ملامحها في كل فصل من « باب الليل» .

غير أن وحيد الطويلة الذي بدا باحثاً في شأن القاع التونسي، وتقصيه لعالم الهوامش، والبنى السفلية من المجتمع، لم ينس أن يختم روايته هذه وهي عمل أتوبوغرافي، يختمه بسطوع ضوء التغيير وتكريس النهج الجديد للثورة التونسية، تلك الثورة التي كنست مخلفات السياسة الماضية ونهج الانفراد بالسلطة .

كتب وحيد الطويلة روايته البديعة هذه، في مقاهي الأوبرا ، باب السويقة، العتيق، الشواشية، للا عربية، بابلون، باب الحومة في تونس، وفي مصر في مقهى الحاج مغربي.

إن كتابة فصول هذه الرواية في المقهى، قد عزّزت دون شك، من قوة المكان وتداعياته في كل المنعطفات والتوترات والجادّات التي ذهبت اليها الرواية .

………

كاتب عراقي

 

عودة إلى الملف