مي التلمساني: الغموض ليس المقصود به تعذيب القارئ

حاورها: صلاح هاشم

حضرت الروائية المصرية مي التلمساني من (مواليد القاهرة 1965) إلي باريس حديثا، بمناسبة صدور ترجمة لروايتها ” هليوبوليس” مصر الجديدة، عن دار نشرآكت سود في فرنسا، التي أصدرت أيضا رواية مي الأولي ” دنيا زاد”، وكانت نشرت في مصر عام 1997، وفازت بجائزة رواية السيرة الذاتية، وحققت لها شهرتها، كأديبة وروائية مصرية من جيل التسعينيات، كما ترجمت الي عدة لغات عالمية، وتحكي فيها عن تجربة أم تفقد طفلتها حال ولادتها، إذ تهبط الطفلة ميتة، وهي مأساة عاشتها هي شخصيا، وكان صدر لمي التلمساني من قبل مجموعتان من القصص القصيرة، هما ” نحت متكرر” عام1995 و” خيانات ذهنية” عام 1999 في مصر..

وتقيم مي التلمساني حاليا في مدينة مونتريال-كندا منذ عام 1988، حيث تعد لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن بأطروحة جامعية عن ” الحارة في السينما المصرية”، وتقوم بتدريس مادة تاريخ السينما العالمية لطلبة قسم السينما بجامعة مونتريال، وكانت ترجمت عدة كتب سينمائية عن الفرنسية اذ انها تنتمي أيضا إلي عالم السينما، كباحثة وناقدة ومحاضرة، بحكم نشأتها في أسرة سينمائية مصرية معروفة، فوالدها هو المخرج السينمائي المصري الكبير المرحوم عبد القادر التلمساني( من مواليد1924) أحد رواد الفيلم التسجيلي في مصر، وكان درس السينما في باريس وحرص علي أن يعلم الفرنسية لأبنائه، وكانت مي هي الوحيدة من بينهم، التي درست وتخرجت في مدارس فرنسية، وتتحدث مع والدها بهذه اللغة منذ صغرها، كما ان ابن عمها هو المخرج ومدير التصوير المصري الكبير المعروف طارق التلمساني” ..

إيلاف ” التقت مي في باريس وكان هذا الحوار:

كيف تحدد مي أبعاد مشروعها الإبداعي علي مستوي الكتابة ؟

– عندما بدأت أنشر قصصي القصيرة في بداية الثمانينيات في مجلتي ” أدب ونقد” و” نصف الدنيا” في مصر، كان لدي هاجس واحد، هو هاجس التمرد علي عادات القراءة والكتابة، وبخاصة عادة القراءة في القطارات، إذ ينهمك المسافر في قراءة رواية من 400 صفحة، ومليئة بالاحداث والشخصيات.. وكنت أحس عادة كقارئة بالضياع، عندما انتهي من قراءة رواية كهذه، ولم أكن أستطيع ان التقط أكثر من مشهد أو مشهدين من الرواية، ثم سرعان ما تتبخر تماما من مخيلتي، ولا أريد هنا ذكر أسماء، لكني ضد سكة هذا النوع من الكتابة..

* أية سكة أخري للكتابة إذن اخترت ؟

– قلت لنفسي، سوف أكتب أشياء أخري مغايرة، ومشاغبة، فيها شيء من الغموض، والخلط مابين الضمائر، وتجد هذ ا في قصصي القصيرة الأولي، فنحن لا نعرف من يتكلم في العمل، ولا من أين أتت شخصياته، وجعلت نهايات تلك القصص مفتوحة، ويمكن أن تبدأ القصة بثلاث نقاط..اخترت سكة هذا النوع من الكتابة، الذي يعتمد علي ” مقاطع منفصلة متصلة” لكي اخلق مع القاريء مشكلة، حيث لا تنفع في رأيي كتابة مؤسسة علي فكرة ان يكون الكاتب السيد عالما وعارفا بكل شييء، ومتحكما بالكامل في كل شييء . انا اقول للقاريء انا ضائعة مثلك، تعال اذن نتسلل سويا إلي داخل هذا العالم، في محاولة للاستكشاف و الفهم، ولنر ماسوف يحدث.هذا هو تصوري او فكرتي الرئيسية عن الكتابة، وهي لم تتغير ولحد الآن، ولهذا السبب، لم اكتب لفترة ثلاث سنوات بعد صدور ونجاح روايتي الاولي ” دنيازاد”، لأنني لم أرد أن أكرر نفس ” الوصفة”، ولم أسع إلي استثمار نجاح الرواية ماديا، بل توقفت عن الكتابة، لحين تعود لحظة العودة الي الكتابة علي مهل، ويمكن ان تقول ان ايقاعي في الكتابة، مثل ايقاع الروائي المصري ابراهيم أصلان، فهو مقل في كتاباته، وأنا استطيع أن أعيش لمدة 6 شهور من دون أن اخط حرفا، .. ثم أني لا أستيقظ في الصباح لكي أكتب..وقد ظلت فكرة عمل اشتباك مع القاريء هذه تلازمني، منذ مجموعتي القصصية الأولي ” نحت متكرر” الصادرة عن دار نشر ” شرقيات”، وشجعني عليها الناشر حسني سليمان، لكنها لم تكن قد تبلورت بعد في ذهني، لتخلق رواية، ثم وقع لي حادث شخصي، قوي ومؤثر للغاية، فقد ذهبت إلي المستشفي للوضع، وإذا بي حين صحوت من المخدر، أكتشف أن الطفلة المولودة ابنتي ماتت، وكانت مأساة عشتها و خلقت في التو ” حالة” كتابة، فظللت اكتب لمدة 6 شهور، ولم أكن قادرة علي تجاوز ” الحدوتة” ذاتها، الي أن جاءت لحظة، بدأت اكتب فيها عن أشياء أخري غير ” دنيازاد” والمأساة التي عشتها، فأدركت أن الرواية هكذا انتهت حين اكتشفت اني بدأت اتجه في كتاباتي إلي سكة أخري..

وعن أسلوب الكتابة ذاته تقول مي إنها تكتب بفكرة المقاطع المنفصلة المتصلة، وهي تطلق عليها ” فكرة المتاهة”، بمعني ان الكتابة عندها تعني دخول متاهة تراجيدية ما، تعيشها عند لحظة الكتابة، لكنها تبقي متاهة محددة، لأنها ستنتهي دوما كما تضيف، تنتهي بالخروج من العتمة الي الضوء، ومن الظلمة الي النور الساطع..

وتقول مي: ..” داخل متاهة الكتابة، استشعر دوما سعادة لا توصف، ولابد أن القاريء الداخل إليها معي، سوف يستشعر ذلك أيضا، فليس المهم هوالبحث عن سكة خروج من المتاهة، بل الرحلة داخل المتاهة ذاتها، اوكما يقول قسطنطين كفافي الشاعر اليوناني الكبير في قصيدته ” المدينة ” عن ايثاكا، فليس المهم الوصول الي ايثاكا، بل المهم هو الرحلة التي يقطعها المرء اليها، واتذكر هنا ندوة حضرتها في بولاق وهوحي شعبي من أحياء القاهرة العريقة، وحضرها أناس عاديون بجلاليب، وكم كنت جد سعيدة عندما تقدم أحدهم، أمسك بالميكروفون وذكر أنه قرأ الفصل الأول من روايتي ” دنيا زاد” أكثر من 3 مرات، حتى يفهم ماذا أريد أن أقول، فقد كان هذا هو بالضبط ما أطلبه، وأسعى اليه، عبر كتاباتي : أن يقرأ الناس، ويستمتعون بكتابة أخري مغايرة ومشاغبة، ذلك لأني لا اكتب في الاصل ” الحواديت” المعتادة التي يقرأونها في الجرائد..

* ما هو تعليقك علي الانتقادات التي توجه إلي جيل التسعينيات في مصر، الجيل الذي تنتمين إليه، ومن ضمنها انفصاله في أعماله عن الأحداث السياسية والاجتماعية التي تعيشها مصر، وكتاباته غير الملتزمة، بالمعني السياسي، التي تعاني من” الغموض”، وتبقي أحيانا مستغلقة علي الفهم.؟..

– أعتقد أن هناك صلت تربط جيلي بشكل ما باتجاهات الرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا في الخمسينيات وكتابها من أمثال الآن روب جرييه، وناتالي ساروت وصاموئيل بيكيت، فقد اتسمت أعمالها أيضا بالتعقيد، والغموض، غير أن الغموض في كتابات جيلي من أمثال مصطفي ذكري ومنتصر القفاس، ليس المقصود به تعذيب القاريء، بل المقصود به إعادة إنتاج إبداع ما، المقصود به ان من حق القارئ أو بألا حري من واجبه، أن يعيد أيضا إنتاج النص بشكل ما، واذكر هنا علي سبيل المثال رواية ” الزمن الضائع ” للروائي الفرنسي مارسيل بروست، الذي اعددت رسالتي لنيل درجة الماجستير عن روايته، إذ يحكي في 20 صفحة كيف يستيقظ من نومه، ويجعلك تدخل في متاهة، علي الرغم من انه يكتب كتابة كلاسيكية.مارسيل بروست سيظل يقرا لفترة الخمسمائة سنة القادمة، ولايمكن ان يقرأ مرة واحدة بل عشرات المرات، ولن تشبع منه ابدا ومن كتاباته..

طموحي إذن، بالاضافة الي رغبتي في الاشتباك مع القاريء، ان اعيش خمسمائة سنة كتابة، ولذلك تجدني حين يلح علي أهلي ان هيا انتهي من رسالة الدكتوراه، لكي تصبحي ” استاذة ” في الجامعة، اقول لهم كلا لااريد ان اصبح استاذة، لان ذلك معناه اني ساضيع شيئا ثمينا عثرت عليه.. سأضيع ” جوهرة” هذه الكتابة التي اريد ان احتفظ بها، وأنا أدرك تماما، انه ليس مثل هذه ” جوهرة” يمكن أن تجلب لي ألابدية. هذه ” الجوهرة” التي عثرت عليها هي كل شيء في حياتي، انها روح الابداع التي تتشكل بنا ومعنا، في داخلنا في كل لحظة، وتمنح حياتي معناها ودلالاتها، هذه ” الجوهرة ” المتاهة، أنا الآن داخلها، وأنا لااعرف حتي من أنا، بل ابحث عن “المرأة ذات الالف وجه” كما احب ان اطلق علي نفسي. واعتقد ان كل كتابة في ظني هي اساسا كتابة شخصية ذاتية، حتي في اكثر الكتابات كلاسيكية، وسوف تظل الكتابة دائما بالنسبة الي، محاولة اشتباك مع قاريء مجهول، أعلم أنه موجود، مثل ذلك القاريء ابو جلابية، الذي ظهر لي في ندوة بولاق، وأري انه قد حان الوقت، لكي نخرج من قوقعة ” الحدوتة” التي نعيش فيها، لنتخلص من حالة الغيبوبة التي تعيشها مجتمعاتنا..

* هناك من يقول ان ثمة أمل ضئيل، في أن تستفيد بلادنا من العقول المهاجرة و الكوادر الفنية المستنيرة التي خرجت وعاشت في الخارج، فكيف تنظرين الي هذا الرأي ؟ وماهو تصورك حول مشروعك الحياتي، وامكانيات تحققه مستقبلاعند عودتك، وبما يحقق اكبر استثمار لخبراتك، وشهاداتك، وتجاربك في الحياة ؟..

-هذا سؤال مهم جدا.وأشكرك عليه. هناك رأي يقول بأن أي تغيير في المجتمع الاسلامي سوف يأتي من من دارسين وعاملين ومهاجرين في اوروبا وامريكا، ولا استطيع ان احكم علي هذا الرأي، لكني اعتقد بانه اذا كانت ستتحقق استفادة للوطن من هذا الشتات من العقول المهاجرة في المنفي، فانها ستتحقق بقدر أكبر في الوطن الآخر، أي في البلد المضيف، ويستفيد منها الوجود العربي في الخارج..

 نحن نكسب ارضا في كل المجتمعات التي تغلغل فيها الوجود العربي، سواء من المشرق او المغرب، بنسب متفاوتة، .. ولهذا السبب، قد تكون باريس، او هي عن حق، عاصمة العالم العربي في العالم. هناك في مونتريال حيث أعيش، تعدد عرقي وثقافي حقيقي، يسمح بتعايش الجالية العربية مع و داخل المجتمع الكندي.ثمة مكاسب تتحقق بفضل هذا الحضور العربي، من ضمنها تغيير “صورة العربي” علي الرغم من كافة الكوارث التي تعيشها بلادنا، وهو تغيير الي الاحسن.وأنا أعيش بين المجتمعين، وتعودت ان اقضي شهرين علي الاقل في مصر كل سنة، ولا استطيع ان اكتب اواخط أي عمل ابداعي خارج بلدي، لذلك اكتب فقط حين اكون في مصر، لكن.. حين اري التدهورالذي تعيشه الآن مصر علي كافة المستويات، لااستطيع ان اعقد صلة او اقيم رابطة، بين وجودي في كندا، والاستفادة التي يمكن ان تتحقق منها داخل المجتمع الكندي، ونفس الاستفادة التي يمكن ان تتحقق داخل المجتمع المصري. أكيد لدي رغبة في ان تستفيد مصر، فمن منا لايتمني الخيرلوطنه، لكني اواجه دائما بصدود، وبخاصة علي المستوي الثقافي اوبالاحري في المحيط الثقافي، من داخل المجتمع المصري ذاته، وهي صدود تجعلك تشعر، وكأنك بسبب خروجك وسفرك، قد ارتكبت خيانة ما، او تخيلت عن قضية ما.غير اني ومنذ اكثر من 15 عاما، لست صاحبة قضية، واريد ان اسافر الي بلدي في أي وقت اشاء ومن دون أن يسألني احدهم لماذا أتيت كما لو كنت شخصا مشتبها في أمره. أجل انت دائما تحس بأنك مشبوها، ومتهم في وطنيتك، الي ان يثبت العكس، وتردد علي الجميع انك حضرت فقط لانك تحب بلدك مصر.هناك دائما احساس بالتخوين، وكل هذه أشياء تقتل داخل الانسان اية رغبة في التغيير او تحسين الاوضاع في بلده..

لكن علي المستوي الميتافيزيقي البحت، أنا واثقة بأن كل رواية أكتبها، وكل مقال أحبره، وكل بحث أنشره، اذا تواصلت وأثرت في ثلاثة او اربعة اشخاص في مصر فان هذا يكفيني، ولدي هذا التفاؤل الحميمي البسيط، بانه يكفي ان يؤثر المرء بكتاباته في شخص واحد فقط، وحتي عندما كنت اقوم بالتدريس لمدة ثلاث سنوات في معهد السينما في مصر، كنت اقول يكفيك مي ان يؤثر كلامك في 5طلاب فقط من بين 30طالبا في الفصل ويأتي بنتيجة ما، ولو أن كل أنسان فكر بهذا المنطق، لتحقق ذلك التغيير الذي ننشده في بلادنا، لأن مشكلتنا تكمن في اننا كمثقفين مازلنا نفكر بمنطق القضايا الكبري، ونريد تغيير مليون شخص في وقت واحد، وهذا تفكير ومنطق قاصر في رأيي و لا ينفع، ولابد من التفكير علي مستوي أصغر، فلربما يؤدي، ومن حيث لا ندري، يؤدي الي نتائج كبيرة..

ولذلك اعتبر اللحظات التي ادعي فيها اثناء زيارتي الي مصر الي ندوات وحلقات نقاش في الشارع، في حي مثل حي بولاق مثلا، او في استوديوهات التلفزيون من اجمل اللحظات في حياتي، لانها تتيح لي فرصة التواصل مباشرة مع جمهور الناس، ولو ان انسانا، اوشخصا واحدا فقط من بين الجمهور، فكر اني لم ارتكب خيانة ضد مصر بسفري الي الخارج، اكون اسعد انسانة في الدنيا، وعلي رأيك، كانت ام كلثوم تسعد الملايين بغنائها، لكنها كما كانت تقول وتردد في احاديثها، لم تكن تغني في حفلاتها الا الي مستمع واحد فقط في الصالة، مستمع تغني له ” رق الحبيب”، وتتواصل معه، فتسعد معها ومعه الملايين من المستمعين في العالم، وكانت سعادة هذا المستمع الذي يعرف ان ” كوكب الشرق ” تغني له فقط وتخاطبه ياسلام ” ولما قرب ميعاد حبيبي ورحت اقابله “، كانت سعادته وحده فقط تكفيها.

 

عودة إلى الملف