جان دوست: لست مؤرخاً. أنا كاتب أوثق الفاجعة

حاوره: زياد محمد مبارك ـ السودان
جان دوست أديب متعدد الفنون، روائي وقاص وشاعر وباحث ومترجم ومذيع ومحرر للأخبار؛ كتب باللغة العربية والكردية. كردي سوري وُلد في (كوباني) في الحدود السورية – التركية ١٩٦٥، هاجر إلى ألمانيا ويحمل جنسيتها في مقاطعة شمال الراين.نال جائزته الأدبية الأولى عن قصة (حلم محترق) الكردية في سوريا عام ١٩٩٣ التي عُرضت كمسرحية في تركيا. وعُرضت قصته الكردية (حفنة تراب) عن الاغتراب الجغرافي كفيلم سينمائي. وبجانب حصاده لكثير من الجوائز الأدبية ونيل منجزاته الأدبية والبحثية للتقدير؛ فقد اهتم بشكل خاص بثقافته الكردية سواء في الكتابة الأدبية بلغته الأم، أو بالترجمة من اللغة الكردية إلى اللغة العربية مُعبِّرَاً عن أبناء جلدته، وحاملاً لقضاياهم على عاتقه، وفي سنِّ قلمه. والمقدمة إذ تضيق أمام الترجمة لسيرة أديب قدير بحجم جان دوست؛ فإزجاء الأسئلة قد يكون كفيلاً بطرح بعض جوانبها المشرقة. فإلى حوارنا..

• نلتقط أولاً روايتك (نواقيس روما) ، لنقتبس منها قول عشيق الإنطاكي ليونس بن إيبش الخطّاط وهو يحثُّه على الكتابة: «اكتب يا يونس، سنطرِّز صباحنا بحرير الحكاية وننمِّقه بوشي الخيال دون اللجوء للمفاتيح الصدئة!». إلى أي مفتاح يلجأ جان دوست حين يكتب ليطرِّز روائعه الروائية؟
جات دوست: ألجأ للخيال ومفاتيحه الكثيرة. لكي أكتب رواية تاريخية مثلاً، يلزمني كثير من الخيال وقليل من التاريخ. ربما تكون جملة صغيرة في حدث تاريخي مفتاحاً لمقطع طويل في الرواية.
الخيال هو المفتاح الذي يمكننا بواسطته فتح كل الأبواب الموصدة. بالإضافة إلى الخيال ألجأ إلى نعمة الفراغ. فالوقت الذي أسرقه من الزمن يفسح لي المجال للكتابة. بدون ذلك ترسف قدماي في القيود ولا يمكنني التقدم خطوة واحدة. ثمة مفتاح آخر أستعمله حين تفشل مفاتيحي الأخرى في فتح البوابة: البحث في مجاهل التاريخ والواقع الحالي عن قصص تصلح لتحويلها إلى روايات. البحث الدؤوب والصبر على ذلك يقودني إلى كشوفات عجيبة تصبح مفاتيح سحرية للبوابات المغلقة.
ما هي المحمولات التي أردت بعثها إلى القارئ برواية (نواقيس روما) وأختها (عشيق المترجم)؟
جان دوست: التسامح أولاً وأخيراً. هالني ما يجري في المنطقة من ذبح على الهوية. في الحرب السورية اختلطت الأوراق. تم تشويه ثورة شعب انتفض لأجل كرامته، عكر أصحاب الأهواء والمشاريع البعيدة عن تطلعات الشعب السوري صفو ثورته السلمية فجاؤوا بالتطرف المقيت والشعارات الخلبية وزرعوا الأرض جماجم وقبوراً وويلات. ظهرت داعش وصارت تقتل الناس وتذبحهم على ما اعتبرته كفراً وارتداداً. كان هذا غريباً عن ثقافة المنطقة. على الأقل كان ما تُقدم عليه داعش قد أصبح من الماضي. لكننا عايشناه. شعرت بالحاجة إلى كتابات تمجد التسامح، تحتفي بالانفتاح على الآخر، فلم أجد بداً من العودة إلى ماض قريب هو جزء من تاريخنا.
كان غريباً أن أكتب عن التسامح ومدينتي كوباني تتعرض للدمار بسبب التطرف. لم أشأ أن أصبح بوق كراهية وثأر بسبب ما تعرض له أهلي من نزوح وتشرد وما تعرضت له مدينتي الحبيبة من تدمير واحتلال. أصررت على أن التسامح هو الحل، قلت ورددت كما قال مارتن لوثر كينغ إن الكراهية لا تزيل الكراهية وإن الظلام لا يمحو الظلام، بل نحن بحاجة إلى النور لنبدد أمواج الظلمة.
• أنت تعبِّر عن الحالات الإنسانية فيما تكتب بشتى الأساليب، فهل يمكن أن ننظر إليك عبر روايتك (دم على المئذنة) على أنك مؤرخ؟
جان دوست: أنا  ، أدون التراجيديا كما هي. صحيح أن الوقائع التي جرت في منطقتنا سال فيها دم كثير، لكنني أكتبها بحبر غزير. هذا هو الفرق. أنا أدون المأساة بحبر يبكي، وأقلام تتنهد. وفي دم على المئذنة لم أشأ أن أصبح شاهداً أخرس. حاولت أن أصرخ. روايتي هذه صرخة مدوية في وجه الظلم. في وجه ظلم ذوي القربى بالذات. دوّنت في هذه الرواية مقتل ستة مواطنين كرد سفكت دماءهم قوة كردية. لم أحجب عيني بحجاب القومية لأسكت عن هذا الظلم الكبير. رفعت صوتي مندداً بالمجزرة البشعة ووثقت الحادثة لتقرأها الأجيال القادمة وتلعن المستبد القاتل، بغض النظر عن هويته. أردت أن أقول في دم على المئذنة، إننا نواجه الظالمين ولا تهمنا انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو المذهبية، فالظلم ملة واحدة والعدل خيمتنا.
• في حوار لك مع الأستاذ رياض حمادي نُشر في (القدس العربي) ذكرت أن الشعر تمرين أساسي لكتابة رواية جيدة. حدِّثنا عن اللغة بين الشعر والرواية، وإلى أي مدى يمكن مزج السرد بالشعر. وعمَّا يمكن أن نطلق عليه الجنوح الأدبي عن الشعر إلى عوالم السرد كتابةً وتلقياً.
جان دوست: أنا أنحاز للشعر حتى ولو كان أثناء المضاجعة. الشعر هو الذي يجعل الحياة جميلة بهية. بدونه ستكون حياتنا رتيبة مملة قاسية. في الرواية يصبح الشعر ضرورة. شخصياً لا يمكنني كتابة رواية بدون لغة شعرية. أشعر أنني باهت، ولغتي كسيحة وكلماتي مشلولة ما لم أنثر عليها من سحر الشعر كثيراً من الرشحات.
• ما هو سر اهتمامك بالكتابة باللغة الكردية بالنظر إلى أن التلقِّي عبرها محدود قياساً باللغة العربية، هل هو مبدأ تحمله وترى في تحقيقه ثماراً ما.
جان دوست: أردد دائماً أنني أود الانتصار لهذه اللغة المظلومة. رأيت كيف يقمعها الآخرون ذوو النزعات القومية المتطرفة من حكام المنطقة تركاً وعرباً وفرساً. حوربت اللغة الكردية كإحدى قلاع الهوية الكردية بشتى الوسائل. منعت، حظرت في كل مكان حتى صار الكردي يخاف التكلم بها ويلجأ إلى الصمت. في تركيا أصبح الكردي يخجل من لغته بسبب الإهانات المستمرة التي كان يلقاها من القومية الحاكمة بحق لغته. صور له الإعلام والتربية الشينة أن لغته لغة متوحشة، لا يمكن كتابة شيء بها، وأنها عبارة عن لغة مركبة من عدة لغات وأن مفرداتها لا تتعدى مئتي مفردة. إلى آخر هذه الأسطوانة الفاشية التي كان الغرض من بثها تنفير الكردي من لغته وقد نجحت الدعاية التركية نجاحاً كبيراً على مدى سبعين عاماً من الحرب الشرسة ضد اللغة الكردية. بالرغم من كل شيء فقد أحببت هذه اللغة وتنشقت عبيرها منذ لحظة ولادتي ولم يكن أمامي سوى الكتابة بها رداً لجميل أبي وأمي اللذين أورثاني هذا الكنز. لا أكتب بها تعصباً. فلو كنت شركسياً لكتبت بالشركسية مثلاً. بل هي هبة ربانية، ميراث يعبق بشذى أبي وأمي ومحاوراتهما. إنها شعلة جميلة حملتها وما زلت أحملها في كفي ولا آبه إن أحرقتني أم لا، يهمني ضوؤها قبل كل شيء. ورثتها من أبويَّ وسأورثها بناتي من بعدي.
• نشرت رواية (كوباني.. الفاجعة والربع) باللغة الكردية في تركيا ٢٠١٧، ثم ترجمتها إلى اللغة العربية ونشرتها في ٢٠١٨. الرواية عن مدينتك الشمالية، مسقط رأسك، على وقع داعش نوستاليجيا المؤلف، حدِّثنا عن هذا المخاض الملحمي.
جان دوست: كل مرة أتحدث فيها عن روايتي أشعر بغصة في الحلق. أكاد أبكي. أتذكر الأيام القاسية التي قضيتها في كتابة الرواية وقبل ذلك في جمع المادة الروائية من شهادات الناس عن النزوح والحرب ثم المجزرة الرهيبة. كانت كوباني حلماً جميلاً، عزاءً لي في هذه الغربة التي امتدت عمراً. لكن الحلم تبخر على وقع الحرب. لم يبق شيء من تلك الأماكن الحميمة التي كنت أحن إليها وأعزي نفسي بالعودة إليها حتى ولو في أرذل العمر. رأيت بعيني كيف أن حلمي ينهار، وعالمي الجميل يتبدد على وقع القذائف الهائلة التي كانت تدمر بيوتاً وحارات بأكملها في لحظة واحدة. حين كنت أشاهد في الشاشات القذائف تسقط، كنت أعرف بدقة أين تسقط.. رأيت التفجير الذي طال حارتي المسالمة الجميلة، عش ذكرياتي ومسقط قلبي، عرفت أن بيتي وبيوت أهلي تدمرت. كنت أقف عاجزاً أنظر إلى كل ذلك مثل من ينظر إلى طفله يُذبح أمام عينيه وهو يرسف في القيود. لذلك كتبت الرواية، حاولت أن أنفخ الروح في المدينة التي دمروها، حاولت أن أعيد ترميم كل جدار انهار وكل بيت تصدعت حيطانه. عالجت نفسي المدمرة بالكتابة. شعرت مع كل جملة وكل سطر أكتبه أنني أضع حملاً أحمله على ظهري حتى تخففت. كتابة رواية كوباني أنقذتني من الجنون أو الانتحار.
• ترجمت كتاب ملا محمود بايزيدي (رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم) من اللغة الكردية إلى اللغة العربية. وذكرت في المقدمة أن القرن التاسع عشر هو قرن (الكردولوجيا) نسبة إلى غزارة الأبحاث والدراسات التي تناولت الآداب واللغة والتاريخ الكردي، بفعل المستشرقين الروس والمبشرين الطليان. نطلب بقعة ضوء منك على ثقافة الأكراد بين الإقصاء والظهور، وبين التهميش والحضور.
جان دوست: اهتم العرب بمن حولهم من الشعوب فدرسوا عاداتهم وتقاليدهم واطلعوا على أنماط حياتهم الاجتماعية واهتموا بتاريخهم وثقافته. بطبيعة الحال أنا أتكلم عن بداية عهد الدولة الإسلامية حين توسعت حدودها وضمت شعوباً كثيرة كان لا بد من الاحتكاك بها والتعرف عليها. لكن الاهتمام بعلم دراسة الشعوب أو علم النياسة والأناسة خفت لدى العرب إلى أن غاب كلياً. هذا لم يمنع من بروز حالات فردية أخذت على عاتقها التعرف على آداب وثقافات الجيران كما فعل الدبلوماسي الفلسطيني ضياء الدين باشا الخالدي الذي ألف أول قاموس كردي عربي بعد احتكاكه المباشر بالكرد ومعرفة لغتهم وثقافتهم. للأسف انقطع الخيط فلم يعد العرب يهتمون بثقافة الكرد إلا لأسباب أمنية. فمن المفارقات أن دوائر الاستخبارات حاولت تعريف الشعب الكردي بعد بروز النزعات القومية. وجاءت تقارير الاستخبارات القومية العربية مليئة بالتزوير والبهتان كما في كتاب ضابط الأمن السياسي السوري الملازم أول محمد طلب هلال رئيس الشعبة السياسية بالحسكة «دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية، الاجتماعية، السياسية». للأسف الشديد بنت الدولة القومية السورية في عهد البعث تصوراتها عن الكرد بناء على ما ورد في هذه الدراسة المحشوة بالمغالطات والتي تنكر وجود شعب اسمه الشعب الكردي. بالمقابل اهتم المستشرقون بالتعرف على الكرد عن كثب وكثرت البعثات الاستكشافية الميدانية التي قام بها مستشرقون كبار بالإضافة إلى دراسات أكاديمية قيمة. ولا يخفى أن هناك دوافع استعمارية وراء الاهتمام الغربي بشعوب الشرق، لكن مع ذلك نتجت عن حركة الاستشراق مواد مهمة جداً لصالح شعوب المنطقة.
• برزت قضية الكرد عند العالم والشاعر الأديب الكردي الكبير أحمد خاني صاحب ملحمة (مم وزين)، والذي عاصر فترة صراع الإمبراطوريتين الفارسية الصفوية، والعثمانية، في مناطق الكرد.. قمت بترجمة (مم وزين) وهذا يقودنا إلى الحديث عن إيثار أحمد خاني للكتابة بالكردية رغم تمكُّنِه من اللغات العربية والفارسية والتركية. وهنا نسأل هل هي فلسفة كتابية مهتمة بالنقش الحضاري ومتأثرة بالقضية الكردية في آنٍ واحدٍ منذ قرون؟
جان دوست: أحمد خاني كان واضحاً جداً في طرح فكرته. قالها دون مواربة في مقدمة ملحمته الشعرية مم وزين. قال إنه سيكتب بالكردية ويعاف الفارسية وغيرها من اللغات. أكد أنه سيجلو الصدأ عن نحاسه ويهجر الذهب والفضة. لكنه استدرك أن هذا النحاس لن يتحول إلى عملة رائجة ما لم يكن عليها ختم ملك أو سلطان. فهم أحمد خاني أهمية اللغة في إرساء قواعد شخصية مستقلة للكرد فكتب كل مؤلفاته بالكردية. كانت خطوته جبارة حتى أنه سعى إلى ما أسميه (تكريد الإسلام) أي شرح الدين الإسلامي والعقيدة والتفسير باللغة الكردية. نعلم أهمية الدين في حياة الكرد، ولو قيض لهذا المشروع الرائد أن ينجح لقفزت اللغة الكردية قفزة كبيرة إلى الأمام. برزت الدعوة إلى الاهتمام باللغة الكردية بالموازاة مع الدعوة إلى تحرر الكرد من ربقة الصفويين والعثمانيين. أي أن دعوة الخاني كانت شاملة لجانبها الثقافي والسياسي فلم يهمل هذا ولا ذاك.
حدِّثنا عن اشتغالك في ترجمة (مم وزين)، وعن نيتك في مواصلة المسير في خط إحياء وبعث روائع الأدب الكردي.
جان دوست: مم وزين هو الكتاب المقدس للفكر القومي الكردي. ولقي هذا الكتاب اهتماماً جيداً من المثقفين الكرد لكن السياسيين الكرد لم يلتفتوا إليه. ويبدو أن أحمد خاني تقدم به إلى الحاكم الكردي ميرزا فلم يهتم بكتابه. وكتب الخاني أبيات مليئة بالمرارة يشكو فيها إهمال كتابه الفائق. شخصياً بدأ اهتمامي بمم وزين في سن مبكرة. في الشعرين من عمري قرأت بعض قصائد الخاني ونتفاً من مم وزين. أعجبت بفكره وحكمته إلى أن حصلت على نسخة مصورة من مم وزين. كانت نصاً شبه مغلق بسبب كثرة المصطلحات الفلسفية والصوفية ومفردات اللغة الفارسية. ومن أجل فهم هذا النص انكببت على تعلم الفارسية بما يتيح لي فهم معاني الأبيات التي ترد فيها ألفاظ فارسية غريبة. قدّمت أول طبعة من شرحي وترجمتي عام 1995 في ذكرى مرور ثلاثمئة عام على تأليف مم وزين. وتتالت الطبعات حتى فاقت السبع طبعات إلى أن صدرت آخر طبعة عن دار خطوط في عمان قبل أيام. لقد قال أحمد خاني أن أحد الأسباب التي دفعته لكتابة مم وزين هو إطلاع الآخرين على ثقافة الشعب الكردي. أي ان مم وزين يحمل خطاباً معرفياً موجهاً للآخر، لذلك حملت على عاتقي مهمة إيصال هذه الرسالة المعرفية إلى العرب والكرد على حد سواء.
• هنالك مقولة رائجة تقول إن التاريخ الكردي تمَّ تزويره، إن صحَّتْ فما دور الأديب الكردي في إزالة لطخ المساحيق عن وجه الحقيقة.
جان دوست: بدأ الموضوع مع البحث عن أصول الشعب الكردي وبدايات الاهتمام بشعوب الدولة الإسلامية من قبل البلدانيين والرحالة العرب. بعض هؤلاء لم يكن مسلحاً بالمعرفة الكافية فنسج الأساطير حول الكرد واعتبرها حقائق تاريخية. من ذلك اعتبار الكرد على أنهم من نسل الجن، أو نتيجة تزاوج رجال جبليين مع جنيات النبي سليمان إلى آخر هذه الترهات. وإن كان هذا التزوير بريئاً نوعاً ما من شبهة التعصب القومي إلا أن العصر الحالي شهد تزويراً ممنهجاً من قبل السلطات الحاكمة في تركيا وسوريا والعراق وإيران، أي الدول الرئيسية التي تتقاسم الشعب الكردي وأرضه. أنا أعول على الأدب كثيراً. الأدب قوة ناعمة تفعل فعلها تماماً كقطرات الماء التي تنزل بتواتر على صخرة فتثقبها. أتمنى أن يزداد الاهتمام بالأدب الكردي ففيه صورة واضحة عن الشعب الكردي الذي يتطلع إلى الحرية والعيش بسلام مع جيرانه.
• قلت عن نفسك: «أنا خريج مدرسة التراث. أنا خريج حجرة أبي التي كان يُدرِّسُ فيها الفقهَ الشافعي واللغة العربية والمنطق وعلوم البلاغة. قرأت ألفية ابن مالك ومتن الأجرومية وجوهرة التوحيد وقطر الندى وكتب الصرف والنحو الأخرى بالإضافة إلى كتب الفقه الإسلامي وأنا يافع لم أبلغ الحلم بعد. التراث مدرسة عظيمة لها تأثير كبير على لغتي وحتى أسلوبي». هل تعتبر أن كل أديب، أو لنقل كل روائي، عليه الإلمام بكل هذه المعارف التراثية؟
جان دوست: ليس من الضروري أن يرتكز الجميع على التراث. هذا نوع من الحظ. لكن الروائي بشكل عام يجب أن ينوع مناهله ومنابعه. عليه الإلمام بأمور كثيرة من بينها التراث من حيث كونه جذوراً لا ينبغي الانقطاع عنها. هذه الجذور هي التي تمدنا بنسغ الحياة ومواضيع الكتابة واللغة الغنية التي يحتاجها كل كاتب.
• كتب أحد قراء روايتك (عشيق المترجم) ضمن مراجعات منصة غودريدز: «إذا كنت ممن يحبون أن يضعوا خطاً تحت كل عبارة جميلة، فلا تقتني هذه الرواية لأنك ستضع خطاً متصلاً من أول حرف فيها إلى النهاية».. التقاط التعليق لنضع خطاً على منشور لك أعلنت عبره في فيس بوك أنك على وشك اعتزال الكتابة: «لولا المتعة التي تمنحها لي الكتابة، لأحرقت آخر ورقة كتبت فيها آخر سطر من روايتي الحالية». المقولة لك، ما هو الممتع في الكتابة؟
جان دوست: إنها متعة الخلق. متعة الابتكار وتوليد تراكيب وعبارات ومزج الأخيلة والخروج من بين كل ذلك بنص جميل. عملية أشبهها بممارسة الحب الذي ينتهي بزرع نطفة في الرحم ثم ولادة مخلوق جديد. الكتابة لذة لا تنتهي. تبدأ من التفكير بالنص ثم الشروع بكتابته ثم الانتهاء منه. لذائذ لا تنقضي. هذا ما أردت الإشارة إليه. أحياناً أثناء الكتابة تندُّ مني صرخة تلفت إلي أنظار أهل البيت. يسألون: ماذا جرى لك؟ أقول: ولدت جملة بعد مخاض عسير. تعالوا أقرأها لكم.
• كتبت عن روايتك (مهاباد.. وطن من ضباب): «الضباب قدر الكرد… أردت للعنوان أن يكون تعبيراً لا عن حالة بادين وحده، بل عن تاريخ الكرد وثوراتهم التي لا يفهم إلا الله كيف تشتعل ولماذا تنطفئ!». ما الذي يراه جان دوست في آخر الطريق التي سلكها حاملاً هُويته الصارخة؟
جان دوست: أنا متشائم. للأسف لا أحسن مهنة بيع الوهم. لذلك أقول نضال الشعوب كثيراً ما ينتهي بكوارث بسبب تسلط الأشرار. كنت ربما في بداية شبابي ثورياً مشبعاً بالتفاؤل. لكنني الآن، وبعد أن خبرت الحياة وعرفت كيف تسير بعض الأمور شعرت بأن العبث هو الأقرب إلى حركة التاريخ. مع ذلك لا يمكنني أن أفقد الأمل. هذا الأمل بحياة حرة كريمة لشعبي الكردي وكل شعوب العالم هو الذي يمدني بطاقة هائلة تمكنني من الكتابة والعيش. أهناك فرق بين الكتابة والعيش؟ بالنسبة لي لا.