السرد كوسيلة للانعتاق من أسر الحداد

سمير اليوسف

بعض السرد وسيلة لالتماس الشفاعة والعزاء، وهو يكون وسيلة بهذا المعنى لا من حيث الخبر، الذي يوصله إنما بما هو نشاط تسهم مزاولته في بلوغ الغرض المنشود، شفاعة كان، أو عزاء، أو أي غرض آخر. وكما نعلم، فهناك في التراث الأدبي نماذج عديدة ومختلفة لهذا التوظيف، لعل «ألف ليلة وليلة» أولها، وأهمها من غير منازع. فبواسطة سرد سلسلة طويلة من القصص، تأمل شهرزاد إرجاء مصيرها ومصير بنات جنسها مما قضى به شهريار، سلطان القضاء بمصائر الرعية. وإذا كانت هذه القصص بما تزوّد سامعها من إمتاع ومشورة وحكمة، هي ما تثني شهريار في النهاية عن عزمه الزواج كل ليلة من عذراء وقتلها في صبيحة اليوم التالي، على ما تذهب الرواية الذائعة الصيت، فإن غرضاً كهذا ما كان ليتحقق لولا المهارة التي تُظهرها شهرزاد في الإمساك بناصية السرد، فهذه المهارة هي ما تُنقذها وتُنقذ عذارى المدينة.

توظيف السرد في رواية الكاتبة المصرية ميّ التلمساني «دنيازاد»، محاولة مماثلة، وإن كانت أقل تواضعاً وطموحاً، في استخدام السرد. فهي تبدو كأنها تكتب الرواية استجلاء لحالة حداد والتماساً للعزاء. وإذا ما أثرنا سيرة «ألف ليلة وليلة» في سياق الكلام على رواية «دنيازاد»، فليس ذلك فقط من باب التماثل في توظيف السرد القصصي، إنما ايضاً لأن الرواية تشير إشارات صريحة إلى النص التراثي المُلهم. ففضلاً عن العنوان الذي يشير الى احدى شخصيات «الف ليلة وليلة»، اي دنيازاد، شقيقة شهرزاد الصغرى، هناك علامات اخرى، بعضها صريح وبعضها موارب، تعزز استرشاد التلمساني بهذا النص التراثي. وليس من ضير في ذلك طالما انه نادراً ما قاوم الرواة سحر الاسترشاد بهذا النص، والاهم من ذلك، طالما ان التلمساني تفلح في النهاية في تبرير لجوئها الى مثل هذا الاستخدام.

وكما نعلم فإن دنيازاد هي المستمعة الاخرى لقصص شهرزاد، الى جانب شهريار. غير انها ليست بالمستمعة السلبية، وانما هي تلعب دوراً مهماً في الحث على مباشرة السرد واستئنافه كلما انقطع. وسواء كان ذلك طلباً للمتعة التي تظفر بها من خلال هذه القصص ام تواطؤاً مع غرض شقيقتها، فإنه لا مجال لانكار الدور الذي تلعبه. وكما يلاحظ روجر آلن، الناقد المختص بالادب العربي الحديث، ومترجم هذه الرواية الى الانجليزية ترجمة تستحق الثناء ـ وقد صدرت عن «دار الساقي» في لندن ـ فإن دنيازاد تلعب دوراً مماثلاً في رواية التلمساني.

وعلى ما يرد في القصة، فإن الأم ترتئي وزوجها تسمية مولودتهما المرتقبة دنيازاد، تماماً كما في «الف ليلة وليلة». ولكن بخلاف دنيازاد الأولى، فإن هذه لا تكون شقيقة للراوية وانما ابنتها. فالأم هي التي تتولى مهمة إخبار القصة. وهي ايضاً لا تحفز والدتها على السرد وانما تكون بذاتها الحافز. ذلك ان دنيازاد تولد جهيضاً. «لكنها قضت ليلة واحدة فقط في المستشفى». تندب الأم مصير ابنتها الميتة، «فهل كان حظي ان اقضي الألف القادمة في استدعاء اسم قيض لي ان اذكره مرة واحدة او ربما مرتين؟».

وليس استدعاء الاسم بالنسبة للأم محض مجاز فقط لفعل السرد وانما هو دلالة صريحة على عملية الكتابة. فالأم، الراوية، تصرح في اكثر من مناسبة بأنها في سياق كتابة رواية. وعلى هذا فإن السرد ليس واسطة غير مرئية لايصال القصة وانما هو حاضر، كنشاط بذاته، حضور القصة نفسها. وليس هذا لان قوام القصة حوادث لم تقع فعلاً، فما ترويه حدث بالفعل لمؤلفة مجموعة قصص «نحت متكرر»، اي ميّ التلمساني نفسها، وانما لان الكاتبة تشرع بالكتابة لحظة وقوع الحادثة وعلى وجه يصعب التمييز، الزماني أو المكاني، ما بين الحادثة والكتابة.

لقد ولدت دنيازاد ميتة في 15 مايو (آيار) 1995، وكانت المحرض للشروع في الكتابة بعد ثلاثة ايام على ذلك، ومن ثم لسرد ما حدث خلال الاشهر الستة التالية. فالتوازي الزمني ما بين الحدوث والكتابة يُملي توازياً ما بين الفعلين كان لا بد ان يفصح عن نفسه على وجه او اخر. الى ذلك فإن طبيعة ما ترويه او تكتبه، هو من الحوادث التي لا يمكن لوجودها المادي ان يتحقق من دون فعل التعبير، بل وليس من الغلو القول ان فعل التعبير هو ما يشجعها على الظهور والتكون.

فهي تروي ما يعتمل في نفسها من مشاعر وما يدور في خلدها من مظان وهواجس. وما تكتبه التلمساني بشكل اساسي هو الصراع النفسي، متعدد الاطوار، الذي تكابده خلال اشهر الكتابة، ومن خلال عملية الكتابة نفسها. اما الحوادث الاخرى، كاستقالتها من العمل مثلاً، او انتقالها وعائلتها الى بيت جديد، وغير ذلك من حوادث خارجية، فإنها تبدو محض هوامش على هذا الصراع النفسي او انها من دلائله وعواقبه. في البدء يتوقف امر هذا الصراع على منازعة الاحساس بالخسارة. تحس الأم بأن قطعة انتزعت من جسدها بما يولد فيها الماً جسماني الطابع. وهي تعبر عن ذلك بقولها انها بعد خسارة دنيازاد اكتشفت بأن الحزن هو بمثابة خيط ما بين الحنجرة والقلب. غير ان هناك احساسا بالخسارة من نوع اخر يفاقم حالة الاسى. فلم يقيض لدنيازاد احتلال الحيز الذي أفسح لها في عالم العائلة. فلقد جهزت للطفلة المرتقبة حياة مفترضة، غير ان القدر لم يمهلها يوماً واحداً للتمتع بها.

الحدث والكتابة حين تكتشف الأم أن طفلتها ولدت ميتة، وكان الامر قد أخفي عنها رأفة بها، ينقلب النزاع الى محاولة للتغلب على الاحساس بالذنب. فهي بعدما كانت قد اطمأنت الى ان رحمها لم يكن لحداً لدنيازاد، مما منحها بعض العزاء، تعود وتكتشف بأن جسدها لم يكن مهداً وانما سبيلاً يؤدي الى الموت. وكذا تتحول علاقة الأم الكاتبة بجسدها الى علاقة يشوبها الشك والنكران والخشية من انعدام القدرة على نمو الحياة في احشائها ثانية. فيستولي علىها هاجس ممض بأنها بفقدانها دنيازاد قد فقدت طاقة الخصوبة. غير ان دنيازاد التي تلعب دور المحرض على التصريح بما يعتري الأم من هواجس وآلام، لا تبخل بلعب دور المشجع على طلب العزاء والنسيان والامل. وهكذا تقبل الأم على طور جديد يلوح كمحاولة للتصالح مع جسدها ومع القدر الذي اختطف ابنتها وزعزع الصورة التي استقامت عليها حياتها.

خلف هذا الامل المشوب باحتراس كبير، في ضوء الخسارة المبكرة، تقف اذاً دنيازاد المحرضة على الاحساس وعلى الكتابة، وعلى وجه يعصى على التمييز. لكي يحتفظ المرء بالذكرى حية، تكتب الأم الساعية الى التحرر من اسر حالة الحداد: «عليك ان تعيش قصة موت وان تحس برغبة مخلصة في كتابتها، عليك ان تنظر الى وجه مختنق داخل رحم لكي توقن بأن كلمات الاصدقاء ودموع الاقارب ليست الا عبثاً. فلقد ماتت دنيازاد مرتين: كانت الأولى قبل ستة اشهر، حينما قررت ان تموت على ذلك الوجه المأساوي، وكانت الثانية حينما جاءت قبل ايام قليلة لكي تخبرني بأنني سأرزق بابنة لن تشبهها».

وبهذا المعنى تأتي رواية «دنيازاد» كحصيلة انغماس في حالة حداد ومن ثم السعي الى الانعتاق من براثنها. حالة تستغرق الكاتبة، انفعالاً وكتابة، مدة ستة اشهر، يتنازعها خلالها الاسى على امل بالحياة سرعان ما اختنق، والتطلع الحذر الى امل يولد وينمو من جديد.

«دنيازاد» رواية تنطوي على تميز لا ينكر. وهي كذلك بالفعل، أولاً لان الكاتبة افلحت في التعامل مع تجربة ذاتية من خلال الكتابة، ولكن من دون ان تسقط في شرك اتخاذ الواحدة ذريعة للأخرى. فهي وإن كتبت تجربتها الذاتية في فقدان وليدها، فإنها لم تحول السرد الى واسطة لتفريغ المؤلم من المشاعر والمطبق من الهواجس، من ثم فإنها نجت من انتاج انشاء عاطفي سقيم. وهي وإن استلهمت نصاً ادبياً تراثياً مثل «الف ليلة وليلة»، فضلاً عن مراعاتها اساليب السرد الحديثة ـ وهو ما تجلى من خلال توسلها لتقنية تعدد مستويات السرد ولكشفها عن وعيها الذاتي ككاتبة ـ فإنها لم تجرد التجربة من روح الحياة فيها. فلم تتعامل معها كحادثة منفصلة او منقضية، وهو من ثم ما جعل التجربة والكتابة عاملين يكمل احدهما الآخر.

ثانياً: ان تميز هذه الرواية يصدر عن عامل خارجي، ثقافي وسياسي الطابع. واليوم اذ تفشو الكتابة التي تحتفي بموت الاطفال باعتباره استشهاداً في سبيل قضايا كبرى، انه مما يدخل العزاء الى نفس المرء ان يقرأ نصاً ادبياً يتيح هذا القسط الاستثنائي للتأمل بمسألة الحياة والموت، والعلاقة ما بين الولادة والمنية، والاحساس بالخسارة والذنب ورغبة التشبث بالحياة. واذ تكتب مي التلمساني من موقع الأم التي فقدت وليدها، فإنها تفسح حيزاً لصوت الأم تعبر عن معان انسانية اساسية تكاد تختفي في غمرة رطانة اعلام دعائي وادب حماسي لا هم لهما سوى تمجيد الموت وتبرير كل ما يفضي اليه.

 

عودة إلى الملف