كيف تؤثر الموسيقى السينمائية على مشاعر المشاهد؟

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سمر الفيومي

الموسيقى السينمائية أو التصويرية ليست مجرد خلفية صوتية ترافق الصورة، بل هي عنصر أساسي من عناصر التعبير الفني في السينما، إنها لغة الشعور التي تتجاوز حدود الكلمات، وتخاطب المشاعر مباشرة، فتكمل الصورة وتمنحها بعدًا نفسيًا وعاطفيًا أكثر عمقا

إنها واحدة من أقوى الأدوات التي يمتلكها صُناع الأفلام للتأثير في المشاهدين، وكأنها عنصر خفي محسوس لا يظهر بوضوح كما تفعل الصورة، لكنها تتسلل مباشرة إلى اعماقنا، فتشكل الشعور وتحدد المزاج، وقد تُحول مشهدًا عاديًا إلى لحظة خالدة لا تُنسى.

الموسيقى كدليل إرشادي للمُشاهد:

تبدأ الموسيقى في توجيه إدراك المشاهد، فتصنع له الحالة الشعورية وتهيؤه نفسياً للمشهد قبل أن يتضح ما يحدث على الشاشة، قد يكون مشهدًا عاديًا، كشخص يسير في شارع خالٍ، ولكن بدخول موسيقى متوترة، تعرف أنك على أعتاب مشهد رعب فتجلس في ترقب، أو إلى لحظة تأمل عميق إن كانت النغمة هادئة وحزينة، فالموسيقى هنا لا تصف الحدث، بل تُملي علينا كيف نشعر حياله، وتوجه إدراكك لما هو مطلوب منك كرد فعل.

تُعتبر الموسيقى وسيلة هامة لنقل الثقافة أيضًا، إذ تُوظف أحيانًا لتعكس هوية المكان أو للتعبير عن خلفيات الشخصيات، فالأفلام التي تدور في الشرق الأوسط، أو آسيا، أو أمريكا اللاتينية، غالبًا ما تعتمد على موسيقى محلية لخلق الحالة الشعورية والتعايش.

لحظات خالدة بفضل الموسيقى:

من منا لم يتأثر بمشهد غرق السفينة في فيلم Titanic على أنغام “My Heart Will Go On”؟ أو لم يشعر بالإلهام والحماس عند رؤية “روكي” يصعد السلالم في فيلم Rocky وسط موسيقى حماسية قوية؟ هذه المشاهد كانت ستفقد جزءًا كبيرًا من قوتها العاطفية لولا الموسيقى.

أيضا موسيقى ياسر عبد الرحمن في فيلم ملاكي إسكندرية والمشهد الختامي المؤثر العالق بذاكرتنا جميعاً.

 أحيانًا تُستخدم كراو غير مرئي، هناك موسيقى تمهد للأحداث قبل وقوعها، وأخرى تُعبر عن دواخل الشخصية دون أن تنطق، ففي فيلم مثل The Godfather، لعب لحن نينو روتا دورًا في التعبير عن الحزن، الحنين، والعنف العائلي، دون الحاجة إلى كلمات.

أمثلة على موسيقى صنعت الفارق:

هانز زيمر في أفلام مثل Inception وInterstellar، استطاع أن يخلق طبقات صوتية معقدة تعكس التوتر والغموض والرهبة.

جون ويليامز في Jaws وStar Wars، منح كل شخصية وكل لحظة موسيقى خاصة بها، حتى أصبحت الموسيقى جزءًا من هوية الفيلم.

أما في السينما العربية، فموسيقى عمار الشريعي وهاني شنودة وراجح داوود، كانت قادرة على حمل المشهد إلى مستوى شعوري أعلى، لتصبح تلك الألحان محفورة في ذاكرتنا.

في كثير من الأحيان، تمنح الشخصيات ألحانًا خاصة تُعرف بـ”الموتيف”، وهي تقنية استخدمها ريتشارد فاغنر في الأوبرا، وانتقل تأثيرها إلى السينما. على سبيل المثال لدى “دارث فيدر” في Star Wars موسيقى خاصة تُعلن حضوره حتى قبل أن يظهر، وكذلك “الجوكر” في The Dark Knight.

التأثير النفسي والعلمي:

أثبتت الدراسات النفسية أن الموسيقى قادرة على تحفيز إفراز هرمونات مرتبطة بالمشاعر مثل “الدوبامين”، وهو ما يفسّر سبب شعورنا بالتأثر أو الحماسة أثناء مشاهدتنا للأفلام المصحوبة بموسيقى قوية ومعبرة.

المشاهد المؤثرة لا تُنسى ليس بفضل الأداء البصري فقط، بل بسبب الموسيقى التي تحيط بها، مثل مشاهد الوداع الانتصار، أو الموت، التي تصبح أكثر عمقًا عندما تُحاط بلحن مناسب يُجسد الشعور.

كيف نطوع الموسيقى حسب النوع السينمائي؟

في أفلام الرعب تُستخدم الموسيقى لبناء التوتر، وغالبًا ما تعتمد على الأصوات الحادة، والقفزات غير المتوقعة.

في الدراما تكون الموسيقى أكثر انسجامًا مع الإحساس الداخلي والصورة، تُركز على الإيقاع البطيء والنغمات الدافئة.

في الأكشن والإثارة تُستخدم الموسيقى التصويرية لدفع الإيقاع لأعلى، وغالبًا ما تكون موسيقى إيقاعية صاخبة.

الموسيقى كعنصر مستقل ومؤثر في نجاح الفيلم:

في كثير من الأحيان، تصبح الموسيقى أكثر شهرة من الفيلم نفسه، تُباع كألبومات، وتُؤدى في حفلات موسيقية، وقد تتحوّل إلى هوية سمعية مستقلة مثل موسيقى Harry Potter أو Pirates of the Caribbean، التي أصبحت رمزًا عالميًا.

بعض الأفلام حققت شهرة عالمية بسبب الموسيقى التصويرية وحدها. مثل فيلم The Bodyguard (1992) الذي ارتبط بأغنية “I Will Always Love You”، فبيعت الملايين من النسخ، وأصبحت الأغنية من أسباب شهرة الفيلم نفسه.

وأفلام كثيرة تُسوق موسيقيًا قبل عرضها، وفي السينما العربية كانت أغاني عبد الحليم حافظ وأم كلثوم جزءًا أساسيًا من الدعاية، ما يجعل الموسيقى عاملاً تسويقيا هاما.

وتشكل في كثير من الأحيان هوية الفيلم فالموسيقى القوية تُصنع كعلامة تجارية للفيلم. لحن مثل Mission: Impossible صار جزءًا من هوية هذه الأفلام بمجرد سماعه يتعرف الجمهور على العمل فورًا، وهذا يعزز من ترسيخ الفيلم في الذاكرة الشعبية.

الموسيقى ليست مجرد عنصر تكميلي، بل في كثير من الحالات تكون ركيزة نجاح الفيلم.

حتى في الأفلام الصامتة كان يُستعان بالفعل بعازفين لتقديم موسيقى حية أثناء عرض الفيلم في دور السينما، أحيانًا يكون عازف بيانو منفرد، وأحيانًا فرقة صغيرة أو حتى أوركسترا في العروض الكبيرة وكانت هذه الموسيقى تُؤلف خصيصا أو تُختار من مؤلفات كلاسيكية معروفة، وكان دورها الأساسي هو مرافقة الصورة وتفسير المشهد للجمهور، حيث لم تكن هناك حوارات مسموعة.

هذا يعني أن الموسيقى فعليًا سبقت الكلمة في التعبير السينمائي، وكانت هي الوسيلة الأساسية لنقل الإحساس والمعنى وهو ما يرسخ فكرة أن الموسيقى كانت دائمًا شريكًا رئيسيًا في إيصال الشعور قبل أن تنطق الشخصيات بأي كلمة.

سر التأثير العميق للسينما لا يكمن في الصورة وحدها، بل في التناغم الذي يتحقق بين الصورة والموسيقى.

فالموسيقى لا تُروى، بل تُحَس، وهي التي تجعلنا لا نُشاهد الفيلم فقط، بل نعيشه بكل جوارحنا وننغمس فيه.

مقالات من نفس القسم