فانتازيا “عطارد” السياسية ورمزيتها

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

رواية "عطارد" لـ محمد ربيع ليس عملا هينا. لا تمر الصفحات الأولى حتى تتأكد من هذا الامر. ثم تجده يستمر معك حتى الصفحات الأخيرة، ليجعلك في حالة نفسية من الصعب أن يخلقها عملٌ بسهولة. أحمد عطارد، الشخصية الرئيسية في العمل، ضابط شرطة يشهد كل ما جرى بمصر بداية من ثورة يناير 2011، وصولا لعام 2025، مرورا  بانضمامه لحركة مقاومة مكونة من مجموعة من ضباط الشرطة في مواجهة احتلال غامض يدخل مصر عام 2023 ويستسلم له الناس دون أي مقاومة. 

يدور العمل في خطين زمنيين أساسيين، الأول في عام 2025، حيث تظهر تفاصيل الحياة قاتمة للغاية، استسلام تام، القاهرة الشرقية محتلة، أما القاهرة الغربية فلم يتمكن المحتل من السيطرة عليها. تحاول حركة المقاومة قتل أكبر عدد ممكن من ضباط جيش الاحتلال، يقتلون الكثير من الضباط والمواطنين المصريين الذين يتعاونون مع الاحتلال، ليصل الامر إلى قتل مصريين لا علاقة لهم بأي شيء من أجل دفع الناس للثورة، كل هذا تحت شعار تحرير البلاد من المحتل. ولكن الناس لا تثور، المحتل هو الذي يتخلى عن بلد بهذا الجنون ويسحب قواته. لتعود الأمور لما كانت عليه في السابق، ركود ولا شيء غير ذلك.

الخيط الثاني، عام 2011، حيث يتناول الكاتب ما حدث أيام الثورة من منظور مغاير عن طريق سرده لحكاية فتاة تدعى زهرة يختفي أبوها في الأحداث ويتبناها مدرس بمدرسته يدعى إنسال في الوقت الذي يبحث فيه عن والدها بين المستشفيات وثلاجات الموتى. ولأنه لا يعلم أباها، يضطر إلى أن يصطحب الطفلة معه لتشاهد جحيمها في أوجه الموتى وهي تبحث عن أبيها بينهم. وبينما يحدث ذلك، تصاب زهرة بمرض خطير لا يفهمه أحد.

وبين الخطين، وفي منتصف الرواية، يظهر فصل قصير يتناول حادثة لشخصية تدعى صخر الخزرجي عام 455هـ. والذي قيل أنه بُعِث من الموت ليحكي عن الجحيم. الجحيم، هذه الكلمة التي ستتكرر في النصف الثاني من العمل طوال الوقت. يربط ربيع بين فكرة الجحيم التي يؤكدها الخزرجي وبين الخط الزمني الذي يدور في 2025. هنا الربط ليس عن طريق حادثة، أو شخصية، أو شئ ملموس، ولكنه ربط بفكرة، هذه الطريقة المختلفة تحتاج لتأمل بما تحمله من رمزية حول فكرة الجحيم ذاته من ناحية، وما تبدو في ظاهرها من نحولة في الربط بين الزمنين.

مرة أخرى، نجد فكرة الرابط النحيل تظهر ولكن هذه المرة في شخصية زهرة التي سيقابلها عطارد عندما يذهب مع حبيبته “فريدة”، التي تعمل كطبيبة، لتفهم حالتها المرضية التي أصابتها عام 2011 وأصبحت منتشرة بين الأطفال عام 2025. ففي الوقت الذي كانت فيه زهرة برفقة إنسال –عام 2011- تبحث عن والدها، يأتي مشهد يقابل فيه إنسال شخصية تدعى رجل الكلاب، هذا الرجل يتصادف مروره على كوخ يقوم فيه شخصية تدعى “رجل الزبالة” باغتصاب فتاة لم يكتمل نموها كامرأة، في مشهد من الصعب قراءته، الأمر الذي يجعلني افكر كيف استطاع ربيع أن يكتبه بمسودات عمله هو ومشاهد اخرى أقل ما توصف به أنها كابوسية. هذه البنت التي اغتُصِبت هي فريدة حبيبة عطارد، التي ستترك الطب للمرة الثانية بعد انتشار هذا المرض وتعود للعمل في الدعارة.

لم يكن  ليُكتب عمل بهذا الزخم إن لم تكن لغة الكاتب قوية وجزلة، تمكنه من جعل الأفكار متماسكة على الرغم من هشاشة الروابط بين الخطوط الزمنية. بالإضافة لكون العمل ممتلئاً بالرمزية والدلالات التي تحتاج للتأمل والتي كان من الصعب أن تصل للقارئ وتجعله يتسائل دون اللغة –كوسيط- ذو جودة.

في إحدى المرات التي يخرج فيها إنسال من ثلاجة الموتى أثناء أحداث الثورة، يجد مظاهرة تمر أمام المكان الذي يقف فيه، فيلتحم بها، وبعد ذلك بقليل تبدأ رصاصات القناصة في استهداف المتظاهرين. فلا تتمكن قدماه من حمله من هول ما يرى، فالموت حوله في كل مكان، فيسقط على الأرض، هنا يخبرنا الكاتب بصوت السارد العليم، أو الإله زيوس كما يحب أن يسميه يوسا: “ثم تحلَّق حول إنسال الكثيرون يريدون رفعه ونقله إلى عربة الإسعاف، لكنه أخبرهم أنه بخير، طمأنهم وطمأن نفسه، قال أنه فقط يود التحُّرك والعودة إلى المنزل، وبعد دقائق، استغل كثرة عددهم وذاب فيهم، متحركا نحو المترو، هربا من السماء”.

لنبدأ في التساؤل حول مقصده بجملة “هربا من السماء” التي تحمل رمزية الهروب من القدر الغامض الذي أصاب الكثيرين بالموت فقط لأنهم أرادوا الخروج في مظاهرات، هنا الدلالات تحيلنا إلى التفكير في أمور أكثر عمقا وتسبُبا للأرق من القصد الظاهري الذي يشير إلى القناصة. فهذا العمل من نوعية الكتابات التي تترك أثرا عميقا في نفس القارئ. يتركك مؤرقا مشغولا تحاول التأمل والفهم والربط، تحاول الإجابة على تساؤلات لا نهائية، ساعيا لفهم الإشارات التي يحملها بواطن النص.

أول ما فكرت فيه فور الانتهاء من العمل، أنه يجب أن يترجم لكل لغة ممكن الترجمة إليها. فهو يزاحم 1984 لـ جورج أورويل في الفانتازيا السياسية وحالة السوداوية والاستشراف، كما أن به قبساً من غموض بول أوستر في أعماله المركبة، والاضطراب النفسي الذي نجده في الشخصيات الروائية عند تشاك بولانيك.

لم يكن محمد ربيع أياً من ثلاثتهم. هو قدّم ما يمكن وصفه بأنه نصٌ أكثر تفردا من هذا المزيج. فعملٌ كهذا لا يكتبه سوى أصحاب شخصيات استثنائية في الكتابة.

*نشر في “إبداع”

مقالات من نفس القسم