بيير أودي في ” أُم جلجامش”: صوت الملحمة بين ضفّتين

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

بولص آدم

   يرحل المبدع لكن إبداعه يظل شاهدا حيا عليه، وهذا ما حصل مع المخرج الفرنسي – اللبناني بيير أودي الذي رحل عنا هذا العام تاركا إرثا فنيا في عالم المسرح والأوبرا. من أبرز أعماله عرض “أُم جلجامش”، الذي أعاد فيه إلى قلب أوروبا أقدم نص أدبي للبشرية. لقد حوّل أودي الملحمة السومرية إلى نداء حيّ يهمس بأسئلة الخلود والذاكرة والقلق الوجودي للإنسان المعاصر، مؤكدا أن الأسطورة تنتظر من يوقظها.

  كان عام 2025 عاماً مُثقلاً بالفقد، رحل فيه عدد من الأسماء المبدعة التي شكّلت ركائز في الفنون والآداب حول العالم، وكأن المشهد الثقافي كله فقد طبقة من نوره، وتراجع لوهلة أمام صمت ثقيل. وفي ذروة هذا العام الموجوع بالوداعات، جاء رحيل بيير أودي ليعمّق الإحساس بانطفاء نبرة فنية نادرة.

في بكين، مساء الثالث من مايو 2025، أسدل الستار فجأة على حياة بيار عودة الذي عرف في عالم المسرح بأسم بيير أودي، المخرج والمنتج المسرحي الفرنسي اللبناني، عن 67 عاماً، تاركاً عالم الأوبرا والمسرح في ذهول يشبه الصمت الذي يلي آخر نغمة في عرض خالد. لم يكن بيير مجرد صانع عروض، بل كان مبدعاً رؤيوياً، يعبر العصور واللغات، ينصت للطين ويتحدث بلغة الآلهة، ويعيد صياغة الأسطورة على خشبات المسارح الكبرى. من بيروت إلى أمستردام، ومن إيكس أون بروفانس إلى بكين، رسم ملامح جديدة للمسرح الموسيقي، وحوّل الأوبرا إلى مرآة للزمن المعاصر دون أن يفقدها روحها الأزلية.

رحل من دون وداع، بينما كان يستعد لتكييف عمل جديد، كما لو أن الإبداع لم يمنحه فرصة الاستراحة. وقد نعاه عالم الأوبرا بوصفه أحد آخر الحكماء الذين قاوموا الدوغمائية بالإصغاء، والخوف بالخيال، والتكرار بالابتكار. كانت بصيرته نافذة كضوء كاشف، وعقله يقظًا حتى النهاية، يلاحق التحولات الفنية لا لينقاد لها، بل ليعيد تشكيلها على طريقته الخاصة.

ستبقى أعماله حاضرة، حيّة، تُعرض وتُلهم، وستظل شراكاتُه ومغامراتُه الفنية شاهدة على أثر رجل لم يكن مخرجًا فحسب، بل رفيقًا للغيب، ومؤرخًا بصريًا لأحلام الإنسان.

ومن بين محطاته التي لا تُنسى، يسطع “أُم جلجامش” كعرض مسرحي استثنائي، حين أعاد إلى قلب أوروبا أقدم نص أدبي عرفته البشرية، ليس كأثر ماضٍ، بل كنداء حيّ يهمس بأسئلة الخلود والذاكرة والندم.

العودة إلى أصل الحكاية

منذ أن نُقشت ألواح جلجامش على الطين قبل آلاف السنين، لم تُكتب الملحمة بوصفها حكاية بدائية تُروى عند المساء، بل كصوت إنساني باكر يبحث عن معنى وجوده بين الخوف والرغبة والبحث عن الذات. في الألواح الأكادية الاثني عشر التي وصلت إلينا، تتجاور ضفتان: ضفة البرية حيث يولد أنكيدو من جسد الطبيعة نفسها، وضفة المدينة التي يجلس فيها جلجامش ملكاً يحاول أن يسيطر على العالم فيما يسيطر عليه قلقه الداخلي.

تقطع الملحمة مساراً يلامس جوهر التجربة الإنسانية: من قسوة السلطة إلى ضرورة الصداقة، ومن عنف القوة إلى لحظة الفقد التي تنزع عن جلجامش كبرياءه وتضعه أمام هشاشته. موت أنكيدو ليس حدثاً سردياً، بل صدمة كونية، الشرارة التي تدفعه إلى الرحلة الكبرى بحثاً عن الخلود، قبل أن يدرك أن الخلود ليس في الجسد، بل في أثر الإنسان وما يتركه خلفه.

وعند وصول الملحمة إلى لوح الطوفان، تتحول النجاة عبر سفينة أوتنابشتم إلى استعارة دائمة لإعادة اختراع العالم بعد الخراب—ماء يغمر، ثم حياة تعود، وزمن يُعاد ترتيبه من جديد. هكذا تظهر الملحمة كوثيقة وجودية لا عن حضارة مضت، بل عن إنسان يبحث كل يوم عن معنى يوازي هشاشته.

لذلك، عندما تُستعاد هذه الأسطورة في عرض مثل Mother Gilgamesh على ضفاف الدانوب في لينتز، لا تعود إلينا كأثر متحفي ساكن، بل كمرآة لعصرنا: عصر الموت السريع، والبحث المحموم عن خلود رقمي، والقلق الوجودي الذي يعصف بالإنسان المعاصر. تظهر “أم جلجامش” هنا كصوت يذكّرنا بأن الأسطورة لا تُستعاد بوصفها ماضياً، بل بوصفها سؤالاً مفتوحاً عن معنى الإنسان نفسه، اليوم وغداً.

رحلة في عوالم الآلهة والأسئلة الكبرى

في مساء العاشر من سبتمبر 2022، وعلى ضفاف نهر الدانوب في مدينة لينتز النمساوية، تحوّل “دوناو بارك” إلى مسرح سماويّ أرضيّ، عبر عرض ” أُم جلجامش” (Mother Gilgamesh) الذي شكّل محور فعالية Linzer Klangwolke 22 سحابة نغم لينتز22، إحدى أضخم الفعاليات الثقافية المفتوحة في أوروبا.

كان العرض رحلة أسطورية تمتدّ بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الأرض والسماء والعالم السفلي، بين الإيمان والعشق واليأس. رحلة شعرية مفعمة بالطبيعة، الطغيان، الحب، الخوف، والأمل. كأن الآلهة خرجت من الطين لتخاطب مدينة كاملة تحتشد على ضفاف الملحمة.

لم يكن العمل مجرد استدعاء لماضٍ سومري، بل مغامرة بصرية وصوتية وروحية كاملة. جسّد عرض أم جلجامش تصادم القوى الطبيعية بالأسطورة، والجنون بالحكمة، والسلطة بالشعر. كل شيء كان هناك: صراع الأبطال، دموع الأمهات، والولادة المستمرة للسؤال الأزلي: “ما جدوى كل شيء إن كنا لا نُخلّد؟”

حشد هائل – ما يقارب 80 ألف متفرج – احتشدوا على ضفاف الدانوب، أمام بروكنر هاوس، في عرض مجاني مفتوح جعل الفن جزءًا من النهر، من الهواء، من المدينة. لا حائط رابع هنا. الأرض هي الخشبة، والنهر هو الممر، والجمهور هو الحلم الحي.

بيير أودي: حارس الأساطير المعاصرة

لاحظت بيير أودي بشكل يومي أثناء التحضير لهذا العمل. كان لا يهدأ. يعيد ترتيب النصوص، يناقش الموسيقيين، يطلب تعديل زاوية الضوء. قال في مؤتمر صحفي خاص بالمشروع ساعة الإعلان عنه:

“الأسطورة تبحث فقط عن إنصات حقيقي.”

لم يكن بيير مخرجًا تقليديًا، بل ذاكرة تمشي، تنشط، تُركِّب وتجمع وتُظهر دراما وليدة من مخاض المعاصرة. جسدًا يسكنه الحلم والأسطورة معًا. في أُم جلجامش، علّمنا كيف يمكن لنصّ سومري أن يتكلّم لغتنا، يخاطب خوفنا من الموت، وجوعنا للحب، وحيرتنا في معنى الوجود.

الممثلة سوني ميليس من خلال تمثيلها، رسمت وجه الأم الأسطورية، جسّدت النجمة الألمانية السويسرية دور “أُم جلجامش”، الدور الذي كُتب خصيصًا لها. لم تكن تمثّل بقدر ما كانت تفتح فينا أبواب الطين والدمع والحنين. كانت تحكي كما تحكي الأمهات لأطفالهن قبل النوم، لكنّها كانت تخاطب بشرية بأكملها، تبحث عن حضنٍ ميتافيزيقي وسط ضجيج الوجود.

وثلاث سفن ضخمة كمعابر للزمن والضوء. انزلقت على مياه الدانوب، كل واحدة تمثّل بعدًا رمزيًا:

قارب المعبد: ذاكرة الروح.

قارب الغابة/الجحيم: مواجهة الذات والموت.

قارب البرج: طموح الإنسان ونهايته.

الأجساد اللامعة التي اعتلت هذه السفن، بأزيائها المعدنية المصنوعة على يد فويتشخ دزيدزيتش، بدت كأنها كيانات سماوية تعبر من عصر إلى عصر. أما الفيديوهات العملاقة والإضاءة المصمّمة بعناية، فقد خلقت لغة بصرية تنقلك من طين أوروك إلى مجرّات غير مرئية.

الصوت: حين تصمت الصورة

صمّم ستيفان غريغوري موسيقى العمل، ودمجها بترانيم مستوحاة من أنطون بروكنر. بدت جوقة سانت فلوريان للصبيان وكأنها تُردد صدى الكون قبل تكوينه. لم تكن الموسيقى تشرح ما يحدث، بل كانت تُكوّنه، تُعيد خلق الزمن من جديد، تجعل الماضي ينبض كقلب طفلٍ وُلد للتو.

عرض أُم جلجامش لم يكن حدثًا فنيًا فحسب، بل تجربة وجودية. دعوة للتأمل في هشاشتنا، في طغياننا، في حبنا، في موتنا. كل ما يشكّل الكائن البشري كان هناك: لا كفكرة، بل كجسدٍ حيّ يمشي على الماء، يغنّي في الطين، ويرفع عينيه إلى السماء دون أن ينتظر إجابة.

بعد انتهاء العرض، وقف بيير أودي، ينظر إلى الجمهور الهائل، وقال بصوت خافتٍ يشبه الهمس:

“الأسطورة لا تموت… فقط تنتظر من يوقظها.”

رحل بيير أودي في بكين، لكن صوت الدانوب لم يخفت، ولا صدى خطاه. لا نراه، لكنه ما زال في الماء، في الضوء، في الرجفة بين تنهيدة جلجامش ودمعة أمه الأولى. كان قلبه مسرحًا مفتوحًا للدهشة، ينبض بإيقاع الزمن القديم، ويخفق بأسئلة اليوم. من أوروك إلى لينتز، من صمت الأسطورة إلى همس الإنسان، امتدّت رحلته كجملة موسيقية لا تنتهي.

 

مقالات من نفس القسم