تاميران محمود
“بدأ كل شيء عند درج المكتب، عندما وجدت قطعة السونتيان داخله، وتحيرت لفترة من الوقت وجلست على طرف السرير متعجبا من وجودها وأنا أعيش وحيدا في المنزل“
هكذا تبدأ أحداث الرواية الغامضة أزرق لا مرئي للكاتب أحمد الأنصاري الصادرة عن دار الكاف بالقاهرة، وفيها يستكمل الكاتب مشروعه الروائي الذي يقدّم فيه الواقعية السحرية بأشكال مختلفة. ففي روايته الأولى دفتر التكوين قدّم برؤية واقعية علاقة الإنسان بهذا العالم، وفي عمله الثاني حكاية الكائن السرية عرض غرائبية سوداء في قالب من الرعب النفسي والجريمة.
أما في روايته الجديدة أزرق لامرئي، فيستدعي الكاتب عوالم الواقعية السحرية شديدة التميز ليخلق ثلاثة عوالم في فانتازيا سحرية تتناول إشكالية الزمن والسفر عبرالعوالم. يتم ذلك من خلال البطل الذي يفاجأ بامتلاكه مكتبًا يبدو عليه أثر التاريخ والفخامة، يحمل أسرارًا مجهولة. فكلما فتح البطل درج المكتب وجد متعلقات نسائية وخطابات، فيبدأ بتبادل الرسائل مع صاحبة المتعلقات، ويغدو المكتب معبرًا زمنيًا بين عالمه الحالي وعالم صاحبة الرسائل التي عاشت في ماضٍ موازٍ.
البطل كاتب يمر بأزمات الكاتب المعاصر، ويلقي برأسه وسط صراعات طويلة مع أشباح الكتابة، فيستدعي أحمد الأنصاري شيئًا من أشباحه الشخصية بين طيات الكتب، فلا نستطيع أن نفرق بين البطل والكاتب نفسه.
فيقول على لسان البطل “في فترة من حياتي كان عليّ الاختيار ما بين الكتابة واللا شيء وأقصد باللا شيء الحياة الطبيعية المعتادة، حياة البشر العادية، وهي حياة جميلة ومعروفة للجميع والكل يعيشها.”
نجد الكاتب مقحمًا داخل مغامرة لا يعرف نهايتها، يستكشف حياة بطلة لم يقابلها، يتعرف على أسرارها، ويخبرها بأسراره، يبوح بحب مستحيل، وينغمس في فكّ شفرة الاتصال بينه وبينها عبر درج المكتب.
فيكتب لها “كانت رسائلنا اختراقا لمخترع الواقع فجوة لامرئية منسية في بناء العالم. لا أحد يعلم عنها. مثلها مثل الشرور الهاربة من تلك الفجوات المنسية. لا يعلم أحد بوجودها. ربما قام البناء الكوني في فكرته على فجوة منسية مثل الفجوات المرصودة بالثقوب السوداء. هناك من الفجوات السرية الرابضة في أحلام اليقظة، تخرج من الخيال، من فجوة سرية في جمجمة كاتب، حلم بأشياء تأتي إلى درج مكتبه“.
وفي نفس الوقت على بعد زمني آخر يقف المكعب الفضائي يتلاعب بالعوالم كلها ويحتفظ لنفسه بالأسرار في مباراة يشترك فيها القاريء بحماس ليعرف النهاية.
يبدأ البطل رحلة البحث عن المكتب ليكتشف تاريخا سريا ورائه استطاع الكاتب أن ينسجه بحرفية ورومانسية شديدة.
تعتمد الرواية على الجمل القصيرة في السرد والوصف، مما يسهل الاشتباك مع النص وتأويلاته.
فيقدّم الأنصاري في روايته ثلاث مستويات مختلفة من السرد، ويتنقل برشاقة بين الراوي العليم والمتكلم، مما يجبر القارئ على الانخراط في الرحلة التي تعبر نحو فانتازيا شديدة الخصوصية، وتعتمد على واحدة من أحدث نظريات العلم: الثقب الدودي والزمن. بلغة متوازنة بين القلق والتوتر والرومانسية المرهفة.
يستمر الكاتب في اللعب مع القارئ بالألوان داخل أحداث الرواية، ويحفّز ذهنه للتواصل مع بطلٍ أزرق لامرئي يتلاعب بالأبطال والأحداث والزمن، فيلقي بالأشباح ويمسكهم، ويزرع الأسئلة داخل النص بين حيرة البطل ورحلته الملحمية الباحثة عن أسباب النفس المضطربة.
فيقول الشبح ” كل ما أريده مكعبي وعودتي به إلى زمن قريني الكاتب. الأمر ليس بهذه السهولة.. عودة مكعبك وهروبك في الزمن العكسي لمزامن التوقعات التلقائية.. أمرًا لم يحدث من قبل. لنترك كل الاحتمالات الممكنة في عالم الحدوث ونغامر بالعودة إلى الكاتب”
تحتفظ رواية أزرق لامرئي برابط مع القارئ المحب للغموض، لكنه غموض رومانسي يذكّرك بعوالم أمريكا اللاتينية في الفانتازيا واللامعقول. لا زمن في الرواية، بل صيرورة شديدة الرهافة، مملوءة بالغرائبية، تؤكد تمكن الكاتب من هذا الفن في عمله الروائي الثالث، وتجعل الانتقال بين حاضر البطل وماضي البطلة وحضور الإعلامية الباحثة عن الأحداث سلسًا. كما يظهر المكعب الأزرق اللامرئي كخيوط وهمية تضم الأحداث وتشبك مصائر الشخصيات.