تحت أعمدة الإنارة

alaa abu zaid

علاء أبو زيد 

يقود دراجته في اتجاه واحد حتى يصل مدرسته الثانوية، لكن في هذا اليوم من كل أسبوع ينحرف بدراجته يمينًا ثم يسارًا ليتوقف أمام الأفيش الجديد لسينما اوبرا.

يهبط من فوق دراجته، يركنها على جانب الرصيف أمام السينما، يقف في مواجهة فيلم الأسبوع الجديد، يتأمل الأفيش كأنه يذاكر درسًا جديدًا في المنهج الدراسي.

كان من السهل حفظ أبطال الفيلم، يزداد الأمر صعوبة بحفظ اسم المخرج ثم المؤلف وكاتب السيناريو والحوار، ولا يغادر واجهة السينما إلا بعد أن يتأكد أنه حفظ كل تفاصيل الأفيش.

في الدقائق الفاصلة بين حصة وأخرى يدعو زملاءه إلى الوقوف في نافذة الفصل المطلة من بعيد للغاية على أفيش الأسبوع الجديد، ويدخل معهم في تحدى على قراءة اسم الفيلم وفريق العمل المتناثر على الأفيش.

مع كل أسبوع يخسر زملاؤه التحدي، عندها يتقدم،يتوسط النافذة ينظر باتجاه الأفيش متصنعًا صعوبة القراءة، ثم يبدأ ببطء في قراءة أسماء الأبطال واسم المخرج وكاتب القصة وصانع السيناريو والحوار، يتأمله زملاؤه بدهشة وتقدير، ويطلبون منه أن يقص عليهم حكاية الفيلم، ويستفسرون أن كان الفيلم حافلا بالمشاهد التي يبحثون عنها.

يجيبهم بنعم، ثم يحكي لهم أحداث الفيلم كما توقعها من إشارات يكشفها الأفيش، وفى كل مرة يغرقهم بوقائع الأحداث الساخنة بين البطل والبطلة.

في الطريق من بيته إلى المدرسة يخوض بدراجته مشهدًا مكررًا، البنات في مجموعات متقاطره على مدى البصر، يمشين على اليمين بمحاذاة ترعة تخترق قريته من أولها إلى آخرها والأولاد على اليسار بمحاذاة النهر القادم من وراء المدينة عابرًا قريته إلى القرى البعيدة.

يعتاد مشاهدة البنات من ظهورهن، ولا يشغله التفكير في أن يراهن من وجوههن إلا هذه البنت الغريبة التي سكنت مؤخرًا بيتًا في قريتهم على مشارف المدينة.

لم تكن مثل فتيات قريته من ظهرها، كانت ترتدى نفس ملابسهن المدرسية الزرقاء لكن كانت ملابس غير الملابس.

تبدو ملابسها أضيق كثيرا من أعلى وأسفل، ولا تضع ايشاربًا تغطى به شعرها فيأخذ شعرها انسياباً مثيرًا فوق ظهرها وعلى جانب وجهها.

لم تكن تلتزم بأن تسير يمينًا مثل بقية البنات بل كانت تسير يسارًا في الاتجاه نفسه الذي اختاره الاولاد.

عندما يراها من بعيد يسرع في دوران دراجته، وعندما يقترب يبطأ لكي يفوز بأكبر وقت في تأمل جسدها المدهش المثير، ولما يحاذيها تماما بدراجته يتمنى أن يلتفت لكي يرى ملامح وجهها لكن حياءه يمنعه مستكملًا رحلته اليومية إلى المدرسة.

سأل بإلحاح أولاد قريته محاولًا العثور على تفاصيل تتعلق بظهورها المفاجئ من داخل بيت وحيد وسط حقول شاسعة بين النهر والطريق.

لم يجبه أحد.

منذ ظهورها فجأة لم يعد منشغلًا بشيء غير ملامح وجهها الذي لم يره، توقف عن الانحراف بدارجته ناحية واجهة السينما، لم يعد يجمع زملاء الفصل ليقفوا في النافذة المطلة على أفيش الفيلم الجديد، ولم يعد يحكي لهم عن وقائع القصص المتخيلة بين البطل والبطلة، أصبح يفضل أن يبقى وحيدًا في فسحة نصف اليوم الدراسي محتميًا في مكان بعيد عند سور مرتفع يحيط مدرسته من كل الاتجاهات، وفيما كان مستغرقا في رسم ملامح وجه البنت الذي لم يره انتبه إلى ولد في مثل طوله يقترب ويقف أمامه تمامًا ويمد يده بمجلة ملونة، طالبًا أن يدسها في حقيبته، ومحذرًا له بألا يتصفحها إلا عندما يكون وحيدًا.

لم يقدر على انتظار نهاية يومه الدراسي، أخذ دراجته، وتسلل من باب المدرسة الخلفي، سابق الريح للوصول إلى بيته قبل أن يزدحم مع عودة أبيه وأشقائه، خلع ملابسه وألقى بها، ارتدى جلبابه وكبس المجلة في جيبه الطويل ثم صعد إلى سطح البيت الذي بدا عاريا مكشوفا، شعر بالقلق من أن يراه أحد، نظر حوله فتأكد أن كل البيوت القريبة لا تتعدى ارتفاع نصف بيته، اطمئن عندما جلس مستندًا على سور السطح وتحت ظلال جريد نخلة ملاصقة للبيت ارتفعت فتدلى جريدها من فوق السور.

فتح المجلة فغاب قليلًا عن الوعي، كانت المرة الأولى التي يرى فيها مثل هذه الصور.

وضع وجه البنت الذي لم يره مكان وجوه النساء فى الصور وبدأ يقلب من جديد في صفحات المجلة.

مثل لغم في حقيبته يرغب في التخلص منه قبل انفجاره، قرر إعادة المجلة إلى الولد الذي يماثله في الطول، تطلب منه ذلك أن يقف بدراجته أمام باب دخول الطلاب قبل أن يدخل أول طالب للمدرسة تأكد من فشل مهمته مع دخول آخر طالب وإغلاق الحارس لبوابة الدخول.

لم يستسلم، حاول من جديد بأن وقف عند فوهة الممر الذي ينسكب منه الطلاب إلى حوش المدرسة وقت فسحة منتصف اليوم الدراسي.

فشل في مهمته الجديدة ولم يعثر له على أثر.

عاد خائبًا وسعيدًا، بدت خيبته في أنه لم ينجح في التخلص من اللغم وبدت سعادته في أنه حصل على فرصة جديدة لتصفح المجلة.

حدث ما لم يتوقعه.

فيما كان عائدًا بدراجته من الدرس الخصوصي ليلًا، محاولًا التغلب على البرد الموغل في قسوته بأن يزيد من دوران دراجته بسرعة تجعله يلهث لعله يشعر بالدفء، وفيما هو يغادر آخر بقعة ضوء على حدود المدينة الملاصقة لقريته، رأها هناك تقف منكمشة في الظلام تحت سقف اشجار مخيفة تشابكت بكثافة.

كانت تشير له بأن يتوقف وهي تبكي من الظلام والصقيع، عرفها من شعرها الأسود الطويل إلى أسفل ومن ملابسها المدرسية الضيقة من أعلى لأسفل، توقف وتأملها لأول مرة وجها لوجه، لكنه يفشل من تبين ملامح وجهها، كان الظلام قناعا يخفى ملامحها.

أشار لها بأن تركب وراءه على مقعد دراجته الخلفي، ركبت، غرست أصابعها في ملابسه، ولما اطمأنت حررت أصابعها، ثم طوقته بيديها من الخلف.

لم يأخذها على دراجته إلى بيتها القابع وحيدًا في الحقول الواسعة قرب النهر.

عبر بها الكوبري الخشبي الصغير فوق الترعة، مخترقًا بها ظلام غابات الحشائش المماثلة له في الطول، عازمًا على ألا يتوقف إلا عندما يتبين ملامح وجهها مع بشائر نور الصباح وحينها يتصفحان سويًا المجلة الملونة من الغلاف إلى الغلاف.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع