اليوم انْفصلْتُ عن حبيبتي

محمد الفخراني

محمد الفخراني

  كلما يقترب موعد تسليم بروڤة نهائية من روايتي للنشر، أخترع مئات التفاصيل لأُعَطِّل نشرها، فأُعيد التصحيح والتعديل في مفردات ومقاطع، فاصلة هنا، نقطة هناك، نقطتان، تنصيص، قوس، ولا أريد لهذا أن ينتهي، ويمكنني أن أخترع فيه إلى ما لا نهاية، وأعرف أني فقط أتشبَّث بالرواية، فأنا بالفعل قد انتهيت من كل المراجعات والتعديلات، لكني سأستمر في هذا لسنوات، لو أردت، كي لا أترك روايتي.

  أتشبَّث بها حتى أُرهقها وأُرهقني، وأقول لنفسي: لا بد أن تأتي لحظة وتتركها، لكني أُواصِل التَشَبُّث بها واختراع التفاصيل، أنا فقط أُذَكِّرني وأهيئ نفسي أني في النهاية سأتركها.

  أقول لي: حَرِّر نفسك منها يا محمد، وحَرِّرها منك.

  يوم صدور الرواية هو يوم انفصالي عن حبيبتي.

   قبل تسليمي الرواية، في الليلة التي أعرف وتعرف هي أننا لن نكون بعدها لبعضنا بعضًا، يدور بيننا حوار به كثير من الغضب والتهور والاندفاع، بسبب الحب، أنا مَنْ يتكلم في هذا الحوار، وتبقى روايتي صامتة تنتظر، وتسمعني، هذه الحالة التي تعرفها عني كل رواياتي.

  أنا وروايتي، ننفصل؟ كأننا لم نبذل لبعضنا بعضًا من روحينا، بعد كل هذا السهر واللعب والتعب والعَرْكات والمشي في الشوارع والنوم في حضن بعضنا بعضًا، بعد نومنا وأكلنا معًا، بعد عدم نومنا وأكلنا معًا؟ بعد أن عرفَت عني ما لا يعرفه أحد، وعرفْت عنها ما لا يعرفه أحد؟ بعد كل هذا ننفصل؟

  وكل رواياتي، تكون غاية في الكرم والتفهَّم والرقيّ معي أنا الهمجي المتهور المندفع، لا تردُّ على هذا الهمجي، فقط تتفهَّم غضبه وقلة أدبه.

  وفي الليلة نفسها، أنا أصالحها، وهي الكريمة، الذكيَّة، ترضى سريعًا، أعتذر لها، يكفي أن أنظر وأبتسم لها، شكرًا لها، تتفهَّم هذا المُحِبّ الغاضب، شكرًا لها، ترضى، لأنها تعرفني، تفهمني أنا المتهور معها، غاضبٌ لأني أحبها كل هذا الحب، لأنها حبيبتي. 

  يوم صدور روايتي هو يوم انفصالي عن حبيبتي.

  ليس يوم سعادة لي، وليس يومًا حزينًا بالطبع، ولكنه تلك الشفافية، جزء مني ينفصل عنّي ليعيش حياته، يومٌ شفاف، أريده هادئًا يَمُرُّ في سلام، أن يكون يومًا بيني وبينها فقط، يوم خاصٌّ بنا، هي وأنا.

  وفي اليوم التالي نستأنف حياتنا، أنا وهي.

  أنا وحبيبتي ننفصل، انفصالٌ شفاف، دون ألم أو غضب، دون ضغينة، انفصال بالحب، تبقى حبيبتي، بعد صدورها تبقى الرواية حبيبتي، تصير مزيجًا من حبيبة وابنة لي، لكنها فقط ليست معي، أراقبها وهي تتحرك في العالم وأتمنى لها النجاح والسعادة على طريقتها، لا أتدخَّل في تمهيد الحياة لها، أو مساعدتها، فقط سأتدخل في أوقات معينة لو كان هناك تهديد لوجودها، أو في لحظات اشتياق خاصة، لكن كل ما تُحقِّقه في حياتها سأحب أن تفعله بنفسها لنفسها، وأنا أثق بها، وأعرف أنها ستفعل، يُمكنها أن تتقدَّم بنفسها، على طريقتها، وبأسلوبها، لديها ما يجعلها تفعل وتُحَقِّق.

  وأنا سأراقبها بخِفَّة، دون أن أزعجها أو أُزعجني بمراقبتها، فقط كأني أمشي على مسافة منها بالجانب الآخر من الشارع، تلتقي أعيننا من وقتٍ لآخر بابتسامة، أنت ابنتي وحبيبتي، لا سُلْطَة لي عليك، لا سُلْطة لأحد عليك، أنت حرَّة، حقِّقِي ما تريدين.

  سأشعر بها من وقتٍ لآخر، وأنا أتمشَّى في الشوارع، تنظر لي بطرف عينها، سأشعر بزياراتها لي في البيت من وقتٍ لآخر، لن نتكلم وقتها، فقط تتجوَّل في البيت، وتجعلني أشعر بوجودها، فقط تلك الخِفَّة والحضور اللطيف.

ويبقى إلى الأبد شعاع نور يصل بيننا.

يوم صدور روايتي هو يوم انفصالي عن حبيبتى، وهو في الوقت نفسه يومُ ارتباطنا الأبدي.

جزء من روحي معها، جزء من روحها معي.

حبيبتي وابنتي.

 

روائي وقاص  مصري صدر له: بنت ليل  ـ مجموعة  قصصية ـ هيئة قصور الثقافة فاصل للدهشة ـ رواية ـ دار…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع