تأجيل المؤجل

أحمد أنيس

 أحمد أنيس

دائمًا ما كان اختيار العنوان محيرًا بالنسبة لي ، لم يكن هذا هو السبب الوحيد ولا الأساس لاختياري الترقيم بديلًا عن العنونة لنصوص ديواني الأول والوحيد حتى الآن، إلا أنه يبقى أحد الأسباب بعكس ما حدث في عنوان الديوان (من شرفة الأجداد) لا لشئ إلا لمركزية تلك الشرفة بل والبيت بسكانه في حياتي هكذا كان الاختيار سهلًا ومحسومًا  هذه المرة، وهو ما يحدث الآن أيضًا كما لو كان كل ما يرتبط بجدتي سهلًا ومحسومًا .

كثيرًا ما حسدت ماركيز على عنوان سيرته الذاتيه (عشت لأروي) حيث يمثل هذا العنوان واحدًا من أكبر أحلامي المؤجلة، ربما هو حلم الكثيرين لا أن تعيش فقط ولكن أن تكون لديك حكاية تستحق أن تروى، قد لا يهمك أن تكون البطل من عدمه؛ الأهم أنا عالمًا سيتشكل بسطورك أنت؛ الأهم أن تمتلك عالمًا، ليس عالمًا وحسب بل عالم بوسعه حتى ولو كان رديئًا في نظر البعض أن يتغلب على المقولة الشهيرة عن الانهيار، ربما كان هذا واحدًا من أسرار سحر الحكاية، حين نمتلك حكاية حين نحكيها نشيد عالمًا غير قابل للإنهيار فالحكايات تبقى أو ربما هي ما يبقى بالأساس، نعيش بالحكايات وبها ننجو هكذا علمتنا شهرزاد وتركتنا ممسوسين ومهاويس بسحر الحكاية، هكذا بوعي أحيانا وبدون وعي غالبًا اخترت الانتماء لهذا العالم؛ عالم البيت الكبير وشرفته والأجداد وعائلة أمي، هنا حيث (الحكايات ملقاة بالشارع بانتظار من يلتقطها).

هكذا ومع النضج وتشكل الوعي كبر الحلم المؤجل، سأكتب من وعن هذا العالم روايتي، رواية المدينة من قلبها النابض، لن تكفيني رواية واحدة ربما أكتب ثلاثية أو رباعية المنصورة رواية أجيال بطلتها المدينة وجدتي، نعم ومن غيرها تصلح لتكون البطلة ، هي المولودة في عشرينيات القرن السابق صاحبة الحكايات، هي من حكت لي عن الملك والثورة والكوليرا وكسوة الكعبة والموكب والحروب والقصف والشهداء والمهجرين واليونان والطليان واليهود والخروج والبارات والحدائق والموالد وحفلات الست و……

لم تكن تلك حكايات عن التاريخ بل حكايات من لحم ودم، من واقعٍ لا يحتاج لخيال ليكون سحريًا يكفي فقط أن تكشف بعضًا من المسكوت عنه فدائمًا (هنالك بين السماء والأرض ما يفوق خيالك الصغير يا عزيزي هوراشيو).

هكذا بنيت حلمي المؤجل بذاكرتين أساسيتين هي وأنا، أخذ الحلم ينمو مع مرور السنين وكنت من الحماقة بما يكفي ألا أنتبه للعطب الذي ينمو بذاكرتينا بوتيرة أسرع من الأحلام، كان لافتًا كيف تبادلنا الأدوار في لعبة الذاكرة، بعد أن كانت تمسك بزمام الحكي لتخبرني بكل ما كان وحتى سنوات العمر الأولى قبل تكون الذاكرة، بدء الأمر في التغير تدريجيًا مع وفاة خالي الأصغر قبل ستة أعوام، صارت تسأل عن المكان ولا تصدق الإجابة، في بدايات ألزهايمر كانت تكفيها نظرة من الشرفة كي تطمئن (أهو يا تيتا ده الفرن أهو بتاع الحاج سلامة جارنا ودي خمارة كرياكو وده مطعم الجمل ودي المقلة أهي ، ده بيتك يا تيتا)

كانت تهز رأسها بإبتسامة طفولية: إييييه طيب

مع الوقت تنوعت الأسئلة وتسارعت وتيرتها عن الأبناء في معظمها ثم عن الأموات،

-جدو فين ؟

-مات يا تيتا من يجي ١٥ سنة

-ماااات إزاي، معرفش ، لا محدش قالي ، مات ودفنوه؟ ، لا لا بيقولوا رجع تاني

بالطبع لم يكن هنالك من يقول حتى أني كنت أفكر أحيانًا هل للألزهايمر جنود يقولون؟

بمرور الوقت وخاصةً في الأعوام الثلاثة الأخيرة بدأت أعراض ألزهايمر والشيخوخة تزداد، كانت تنام لفترات طويلة بالأيام نوقظها بالكاد لتأكل أو تأخذ دواء ما، تصحو لأيام أخرى بلا نوم غير ساعات قليلة وربما كان هذا هو العرض الأصعب، في أيام الصحو تلك كان معدل الأسئلة والخرف يبلغ أقصاه، اللافت في الأمر أنها غالبًا ما كانت تتكلم عن الأشياء الأقدم كما لو كانت ذاكرتها ترفض هذه السنين الأخيرة

-هأقوم أعملك غدا

-يا تيتا إحنا الفجر ده مش معاد غدا

-هأطلع أحط أكل للفراخ

-يا حبيبتي نامي إحنا دبحنا الفراخ من ١٥ سنة

-أمك فين؟

-في اسكندرية يا تيتا نامي يا تيتا

-إنت مش هتروح المدرسة

-إحنا بالليل يا تيتا وأنا اتخرجت من ١٦ سنة

-هأقوم أشوف الواد الصغير نزل الشارع لوحده وهيتوه

ربما كان هذا الطفل إبن أختي الصغرى هو الاستثناء في اقصاء ذاكرتها لكل ما هو جديد، اللافت في الأمر أن الشيخوخة والخرف انهزما كليًا أمام رغبتها في العطاء ورعاية الأبناء والأحفاد بل وأبناء الأحفاد في حالة (الواد الصغير) ، لم يكن العطاء الصفة الوحيدة إلا أنه كان الأبرز، في يوم الوفاة وبينما كان خالي الأكبر يساعدها في الذهاب لدورة المياه سألته عن قداحة كي تقوم بإخراج الحمام من الثلاجة لكي يأكله، لم يكن هنالك حمام إلا في ذاكرتها كما أنها توقفت عن إعداد الطعام منذ سنين.

 

في الطريق إلى المنصورة بعد معرفتي بخبر الوفاة هاجمتني الكثير من الأفكار بين الحزن والدموع، كيف كان لتلك المرأة المولودة في أوائل القرن الماضي والتي لم تكمل تعليمها هذا الوعي بأهمية عمل المرأة وتشجيعها لبنات العائلة؟

كيف كانت تلك النوعية من النساء كما لو أنهن يصنعن الحضارة في المنازل؟

زراعة ، رعي لحيوانات الأسطح، جمال وعمارة، خياطة وتطريز، تدوير للموارد، اقتصاد مبني على الإنتاج، يصنعن من اللبن قشدة ومن القشدة زبدة ومن الزبدة سمن ومن السمن مورتة ولا يخلو الأمر أحيانًا من بعض الجبن أو الزبادي وكوب الزبادي الأخير ليس أخيرًا بل هو خميرة ووعد للأكواب الجديدة، هنالك بيض ما سيؤكل لكن هنالك دجاجة أو بطة وأحيانًا أرنبة ستحفظ السلاسة، هكذا مع الجدات يصعب الحديث عن النهاية، كيف سأنهي إذًا هذه الكتابة!

في المقابر كنت حريصًا أن أكون آخر من يحملها وآخر من يغادر هكذا تنتهي الأمور، ما يهم الآن أنها ارتاحت بينما أقف أنا حائرًا بذاكرة وحيدة ربما يصيبها العطب مبكرًا للغاية إذا ما قارنتها بقوة جدتي، بعد موتها بدأت الشكوك تنتابني حول فكرة العالم الغير قابل للانهيار، لم يكن فقدان إحدى الذاكرتين الحاملتين لحلم تشييد العالم هو السبب، كنت أعرف جيدًا أنني فقدتها منذ بدأت علامات ألزهايمر في الظهور وبدأ نسيان بعض التفاصيل يصيبني أنا الآخر رغم عدم معاناتي من ألزهايمر بعد إلا أنه لديّ صنوف أخرى من المعاناة، ربما السبب الرئيسي الذي اكتشفته بموتها أن مجرد وجود هذه النائمة في سريرها هو ما كان يحفظ عالمًا كاملًا من الانهيار، بدأ الأمر بمجرد العودة من المقابر لكنه صار جليًا بعد أن انصرف الجميع بما فيهم نحن وأُغلق المنزل، كانت تلك لحظة الإنهيار الكامل.

قد تكون هذه النهاية مناسبة ولو لحين آخر، سأقوم بتأجيل المؤجل مرة أخرى أو أخيرة، هل سأنجح يومًا ما في كتابة الحكاية؟

وما الغرض من هذه الكتابة؟

ليس هذا طلبًا للمواساة ، ربما مجرد شحنة حزن زائدة، ربما هو نعي متأخر، أو اعتذار جديد أو ربما مجرد إجراء احتياطي قد يقرأه إبني أو بنتي أو أحدهم يومًا ما فيتسائل:

إزاي مات من غير ما يكمل الحكاية.

 

أحمد أنيس

33 مقال

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع