محمد صدّيق
بالنسبة إليّ، لا تشبه رواية “باتمان حلوان” لـ طارق إمام أي بناء روائي قرأته من قبل. الرواية الصادرة عن منشورات تكوين في الكويت وبطبعة مصرية عن ديوان للنشر في القاهرة، هي أشبه بعملية هندسة عكسية؛ مدينة محطمة غارقة في الفوضى، يضع الكاتب على عاتق القارئ مهمة المضي بين ركامها، محاولًا اكتشاف كنه كل بناء قبل هدمه. وهنا يأتي الحديث عن الجغرافيا، وحُسن اختيار الكاتب لمدينة حلوان.
حلوان مدينة نشأت قبل القاهرة نفسها، على يد أحد خلفاء بني العباس، وسُمّيت بهذا الاسم لأن مناخها يشبه مناخ مدينة في بغداد، مقر حكمه، تحمل الاسم ذاته. كانت حلوان تُعدّ مشتى لعلية القوم أيام الملكية، ولم يبقَ من قصور بشواتها سوى بعض الأطلال، قبل أن تتحول بعد ثورة 1952 إلى مدينة صناعية. بينما امتلأت شوارعها الآن، والتي لا تزال تحمل أسماء بشوات عهد بائد، بمبانٍ خرسانية عملاقة شاهقة.
تضم حلوان مصانع متعددة، منها مصانع للكيماويات وغيرها، كما توجد بها مصحة “بهمان” للأمراض النفسية. ولذلك، كانت حلوان أنسب موقع جغرافي لبناء العالم الروائي – أو هدمه، إن صح التعبير- المستلهم من عالم باتمان والجوكر في مدينة جوثام، ومصحة أركام.
وكما حدث، للمصادفة _ أو ربما لم تكن مصادفة _ فإن الدافع الأساسي أو الفكرة الملهمة للكاتب كانت واقعة حقيقية حدثت في حلوان ذاتها عام 2022. منها انطلق خيال السارد بين طرقات المدينة وشوارعها وضواحيها، ليرسي أركان رواية ديستوبية أشد قسوة من أي رواية شبيهة قرأتها من قبل. وربما ما جعلها أشد قسوة هو أنها تحمل بين فصولها رائحة الواقع بماضيه وحاضره، وربما استقراءً للمستقبل، الذي يشي بنهاية أشبه بالنهاية الحتمية لقطار بلا سائق، ينطلق بسرعة نحو مصير محتوم، لن ينقذه منه سوى ظهور بطل خارق يكبح فرامله ويوقفه قبل أن يصطدم، ويودي بحياة جميع ركابه. لكن في عالم الرواية، يظهر شخص يفعل العكس بالضبط: يعجّل بتلك النهاية!
من خلال شخصيات مفككة، يعيش داخل كل منها شخص آخر، بعالم مختلف ولغة مغايرة، تُلقي الروايةُ الضوءعلى ظاهرة أشباه النجوم وما فعلوه بواقعنا الحالي. فمع انتشار قنوات الإنترنت الخاصة، وانكفاء الناس عليها، باتوا يهملون أي مصدر آخر للمعلومة، أو حتى للترفيه.
يستعرض النص، من خلال عالمه هذا، كيف أن جيلًا تعرّض للقهر الأبوي والسلطوي سينتج أجيالًا مشوّهة، أشبه بالزومبي، لا تحمل هويةً أو شخصيةً أو حتى انتسابًا، تنتقي لنفسها شخصية من بين برامج الإنترنت التي تنكفئ عليها، لتتشبّه بها. أجيال لا تعرف انتماءً إلى مكان أو زمان؛ فكل انتمائها لمن يحبون التشبّه بهم. مع كثرة الأشباه، ضاع الأصل؛ أيّ أصل، الشبيه أو الشبيهة الأول، وسط النسخ المتلاحقة.
تُظهر الرواية أيضًا أهمية اللغة التي ضاعت، فتلك الأجيال ابتكرت لغةً جديدة خاصةً بها. لغة تتجدد كل يوم، حتى إن أحدهم، ممن اخترعوا لغة اليوم، لا يستطيع تذكّر معنى كلمة كتبها بلغة الأمس؛ فاليوم لديه لغة جديدة.
أما بطل الرواية، جو، فقد تعرّض وحده لأضعاف الضغوط التي تعرّض لها أبناء جيله والأجيال التي سبقته، وأصبح يحمل في داخله أكثر من شخصية، وأكثر من مدينة، يهرب من واقع إلى آخر، ويمارس فيه عبثه وجنونه. وحين لا يجد جدوى من ذلك، أو ربما حين يشعر بأنه أدى مهمته بجعل مدينة الواقع أكثر فوضى من مدينة الداخل، لا يعود أمامه ملاذ يهرب إليه؛ فيُطلق النار على نفسه!
لغة السرد جميلة، وتحمل بعض التراكيب الصعبة نسبيًا على غير المتمرسين في اللغة العربية الفصحى، غير أنها كانت ضرورية، في اعتقادي؛ لأن الرواية تحمل لمحة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، حيث تبدأ حكاية بين شخصين، ثم يحكي كل منهما حكاية عن آخرين، ويحكي الآخرون عن غيرهم، حتى نعود، بعد مئات الصفحات، إلى صاحبي الحكاية الأصليين، مارّين بعوالم وحيوات شتى.
حبكة الرواية ترتقي إلى مستوى إبداعي واحترافي فريد؛ إذ يترك الكاتب شخصياته ورموزه كالألغاز، تحتاج إلى حلّها أكثر من شخصية رجل الألغاز الذي ظهر في الرواية، ليكون على القارئ أن يفك شفراتها ويجيب عن أسئلتها. لذا، إذا كنت صاحب خيال عادي، فلن تسلك درب هذه الرواية بسهولة.
















