عمر الفتوح
ريحانة فتاة صغيرة في مقتبل العمر. تعيش مع أسرتها في قرية وادعة بعيدة عن صخب حياة المدينة وضجيجها. تدرس في الصف السادس الابتدائي مجتهدة ذكية، فرغم صغر سنها إلا أنها ذات عقل كبير، كما أنها تحب البحث العلمي بل شغوفة به.
في أحد الأيام وبينما هي تتناول وجبة العشاء، قال الأب: “ريحانة، أنتِ غدًا لن تذهبي إلى المدرسة”. أجابته: “لماذا؟”. قال الأب: “لقد تحدثت اليوم مع أحد الأصدقاء وقال لي إن له ابنًا يريد تزويجه، كما يرى أنكِ الفتاة المناسبة لابنه ذاك”.
صُعقت الفتاة مما سمعته، نظرت بعطف إلى أمها لعلها تقول شيئًا، لكن الأم كانت مطأطئة الرأس ولم تنبس ببنت شفة. “ما هذا الكلام يا أبتي؟ أنت تعلم أني ما زلت صغيرة على الزواج، ثم إني لا أجيد أعمال البيت أصلًا. كما أني أريد مواصلة دراستي، فأنا أريد أن أصبح معلمة”. هكذا قالت ريحانة بصوت مبحوح ينم عن دموع على وشك النزول. أجاب الأب: “أعلم أنكِ ما زلتِ صغيرة ولا تجيدين فعل أي شيء، لهذا عليك التوقف عن الذهاب إلى المدرسة والبقاء مع أمك كي تعلمك كيفية القيام بذلك. أما عن حلمك، فيمكنك تدريس أولادك، أليس كذلك؟”، قال الأب ساخرا. ثم تابع كلامه: “أما عن الشاب فقد اتفقت مع والده على ثلاث سنوات من الآن. لذا أريدك أن تتعلمي الطهي والغسيل وكل ما يتعلق بالأعمال المنزلية. هل تفهمين كلامي؟”.
انكبت ريحانة على قدم والدها تقبلها وتقول متوسلة والدموع تنهمر على خديها الحمراوين: “أرجوك يا أبتي لا تفعل، أرجوك أنا لا أريد الزواج. أما عن أعمال البيت فأنا أعدك أني عندما أعود من المدرسة سأقوم بها. لا، بل قبل أن أذهب حتى. فقط دعني أكمل دراستي”. “قلت لك لا.. يعني لا، هيا ابتعدي عني”، قال الأب مقاطعًا كلامها.
تعلقت ريحانة بأمها تقبل رأسها ويديها لعلها تكسر صمتها ذاك وتطلب من زوجها العدول عن هذه الفكرة. “الفتاة ما تزال صغيرة على الزواج، كما أنها نجيبة قسمها. لذا حرام أن تظل حبيسة المنزل وأعماله”، قالت الأم. أجاب الزوج بنبرة غضب وسخط : “ما الذي تتفوهين به يا امرأة؟ لقد وعدت صديقي، والرجال عند كلمتهم. هذا آخر كلامي. هيا، أنا سأخلد إلى النوم. وأنتِ أيتها الصعلوكة، إن حاولت الذهاب إلى المدرسة غدًا سأكسر قدميك”. ثم قام عن المائدة عابس الوجه متوجهًا نحو حجرة النوم. أما ريحانة فتوسدت حجر أمها وهي تبكي بكاءً هستيريًا. بينما اكتفت الأم بالمسح على رأسها والتربيت على ظهرها، فلا حول لها ولا قوة أمام كلام زوجها.
عندما حل الصباح استيقظت ريحانة على منظر لم تألفه من قبل، حيث كان الجميع متجها صوب المدرسة كما هو حال أخويها الصغيرين، إلا هي التي عادت مسرعة إلى حجرتها لترمي بنفسها على السرير، وتجهش بالبكاء حتى انتفخت عيناها، ولم تخرج من حجرتها طوال اليوم، بل حتى أنها لم تتناول أية وجبة.
بعد مرور الأيام بدأت تعتاد الحياة المنزلية وإن كانت لا تكف عن البكاء كل ليلة، ولكن على الأقل تمسك نفسها في النهار، وهكذا حتى مرت السنوات الثلاث. وجاء اليوم الموعود. فقامت الأم بتزيين الفتاة لخطيبها، أو بالأحرى لزوجها، لأن يوم الخطبة هو يوم الزفاف عينه.
انتهى الفرح بسرعة كما بدأ، وليبتدأ فصل جديد في حياة ريحانة. بعد ذلك اليوم انقلبت حياتها رأسًا على عقب. فقد كان الزوج سكيرًا يقضي يومه نائمًا في البيت. بينما يشطر ليله نصفين. فالنصف الأول في الحانات للسكر، والنصف الثاني ليضرب زوجته بعد عودته. وكانت كلما شكته لأهلها إلا وأجاب أبوها قائلًا: “هذا زوجك أنتِ، ولو اهتممت به لما فعل بك ما يفعل”. أما الأم فتكتفي بالبكاء لحال ابنتها.
وإذا ما شكته ريحانة إلى والديه أجاب أبوه: “كل هذا بسببك، فابني لم يكن هكذا قبل أن يتزوجك. أنت السبب، فبفضلك الآن بات سكيرًا”. وهكذا يلقي الجميع باللوم والعتب عليها لذنب لم يكن لها فيه يد.
وفي أحد الأيام طلب منها زوجها الخروج للعمل فأبت، فانهال عليها ضربًا حتى أغمي عليها، لتقوم في اليوم التالي بالبحث عن عمل رغم أنفها، فصارت تنظف المنازل في النهار وتعود ليلًا لتكمل أعمالها في بيتها كما جرت العادة. ومع ذلك لم يقلع زوجها السكير عن السكر، بل صار يجبرها على إعطائه المال، فهو عاطل عن العمل، وإذا ما رفضت فقَبضته هي الحل. والمصيبة أنه لم يكتفِ بالإدمان على الخمر وإنما أدمن على ضربها أيضًا. فعندما لا يجد سببًا لضربها يتهمها بالخيانة فينهال عليها ضربًا من جديد.
حتى أتى ذلك اليوم الذي مرضت فيه ريحانة، إذ استيقظت صباحا على وجع في جسدها فلم تذهب للعمل. ولما علم زوجها أنها لم تذهب ثار عليها سبًا وشتمًا، بل اتهمها بالتقصير والتماطل وهددها بالضرب إن لم تفعل. فكانت المسكينة تعمل والألم يفتك بجسدها لأيام وأيام، حتى أغمي عليها ذات يوم في أحد المنازل التي كانت تنظفها، ليتم نقلها إلى منزلها. وعندما فتحت عينيها حاولت الحراك ولكنها لم تستطع، ومع ذلك استجمعت قواها وقامت، فنظرت في المرآة لترى صورة حتى هي لم تتعرف عليها لفتاة هزيلة الجسم، شاحبة اللون، باردة الأحاسيس، خائرة القوى. نعم هكذا بات حالها، كوردة ذبلت وتساقطت كل أوراقها، بعد أن كانت زهرة متفتحة يانعة. عادت إلى السرير لتستلقي وتغمض عينيها لآخر مرة وللأبد. نعم، لقد ماتت نتيجة مرضها العضال وبسبب كثرة الضغوط والإرهاق المتواصلين.
لما وصل نعيها إلى أسرتها أجهشت الأم باكية على فقيدتها، لكن قاطع بكاءها صوت ابنها سائلًا: “ما يبكيك يا أماه؟، علام البكاء؟”. فنعت له أخته ليجيب ببرود غير متوقع وصادم للأم، “ولكن لماذا البكاء الآن؟ فلقد ماتت منذ زمن”. نظرت الأم إليه بدهشة: “ما الذي تقوله بنيً؟ ماذا تقصد؟” رد الفتى مجيبا: “نعم أماه، كما قلت لك، لقد ماتت أختي في اليوم الذي لم تذهب فيه إلى المدرسة”.
طنجة -المغرب
















