عبد السلام فاروق
ليس أقسى على الكاتب من أن يموت مرتين؛ مرة حين يتوقف قلبه، ومرة حين تتوقف ذاكرة القراء عن استدعاء اسمه.. وبين الموتين تمر سنوات طويلة، تطوى خلالها الكتب وتنزع الأرفف وتتغير الأجيال وتتصدر المشهد أسماء جديدة، فيما تظل أسماء أخرى عالقة في عتمة النسيان، رغم أنها تركت في مائدة الأدب ما يستحق أن يقرأ ويستعاد..
لعل مأساة الأدب لا تكمن فقط في غياب الموهبة، وإنما في غياب العدالة التي تمنح كل موهبة فرصتها في الوصول إلى القارئ.. من هنا تبدو قضية “مظاليم الأدب” كما طرحها الناقد والصديق “شعبان يوسف” سؤالاً يتجاوز الأسماء المجردة إلى قضية الثقافة ومناطقها المعتمة من نتذكر؟ ومن ننسى؟ ولماذا؟
لقد قرأت على صفحة الكاتب شعبان يوسف قائمة بتسعة أسماء من “مظاليم الأدب”، كما وصفهم، وهم: ( محمد ناجي، إدريس علي، ميخائيل رومان، عباس أحمد، محمد صدقي، وفيق الفرماوي، محمد روميش، ليلى الشربيني، محمود حنفي).. قرأتها مرتين، ولو كان في العمر متسع لقرأتها ثالثة ورابعة.. للوهلة الأولي شعرت بالخجل ثم بالخوف. خجلت لأنني، مثل كثيرين ممن يعيشون بين الكتب، قد أنشغل بالجديد عن المنسي، وبالأسماء اللامعة عن تلك التي انطفأت أضواؤها في منتصف الطريق.. وجفلت لأن القائمة بدت لي أشبه بمرآة لا نحب أن ننظر فيها طويلاً؛ مرآة تكشف أن مرآة الثقافة ليست دائماً مصقولة، وأن الموهبة وحدها قد لا تكفي لكي يبقى الكاتب حياً في ذاكرة القراء.
بقايا سفن غارقة
لقد عشت بين الكتب سنوات طويلة، ودخلت مكتبات في القاهرة والإسكندرية وباريس وسان فرانسيسكو وطوكيو وموسكو وبكين، ورأيت آلاف الكتب تتراكم فوقها طبقات الغبار، وكتباً لم يمض على صدورها سوى أسابيع فإذا بها تدفن حية، ورأيت أدباء موهوبين يصكون جملة واحدة تعادل عمراً من الكلام ثم تراهم يختفون ببطء من الذاكرة، كقنديل بعيد يخفت ضوؤه حتى لا يبقى منه سوى نقطة ضئيلة في آخر نفق مظلم!
لم تدهشني قائمة شعبان يوسف، لكنها حركت سؤالاً قديماً ممتد بعرض جدار الذاكرة بقي كجرح غائر صرنا نتحاشاه لماذا يتحول بعض الأدباء إلى ظلال، بينما يبقى آخرون في دائرة الضوء؟ ما معيار البقاء والديمومة إن لم تكن الكفاءة؟!
خذوا الأديب محمد صدقي مثالاً.. ولد في دمنهور عام 1923 لأسرة فقيرة، وطردته المدرسة وهو في السادسة لأن والده لم يستطع دفع المصروفات.. وفي السادسة عشرة قاد إضراباً عمالياً، فاعتقل وفر، وعمل في ورش الخراطة والسباكة واللحام.. لم يتعلم محمد صدقي الكتابة في مدرسة ولا على مقاعد الجامعات؛ تعلمها من الجوع والعرق والقهر، ومن الاحتكاك المباشر بحياة العمال والفقراء والمهمشين.. بدأ النشر عام 1944، وانتقل للقاهرة عام 1951، وصدرت مجموعته الأولى “الأنفار” عام 1955، ليصبح واحداً من الأصوات البارزة في تيار الواقعية المصرية خلال الخمسينيات والستينيات.. ثم توقف عن الكتابة قرابة عشرين عاماً.. لماذا توقف؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين، ولماذا عاد عام 1991؟ لا أحد يعرف أيضاً!
المفارقة الموجعة أنه حين عاد، لم يجد العالم الذي كتب عنه.. فى السابق كتب عن العمال والفلاحين والمطحونين، ثم عاد ليكتشف أن العالم الذي عرفه تبدل، وأن كثيراً من الأصوات التي منحها أدبه روحاً لم تعد حاضرة في المشهد الثقافي.. تحدث أحمد الخميسي عن سنواته الأخيرة واصفاً إياه بأنه عاش “مثل شراع مرتفع من سفينة غارقة”.. في صورة تلخص مأساة كاتب ظل واقفاً كشجرة ضامرة تقاوم رياح التغيير بلا جدوي..
مات محمد صدقي في فبراير 2004، قبل أن يبلغ الثانية والثمانين بشهر واحد.. وهنا يحق لنا أن نسأل، لا بدافع الفضول وإنما بدافع الضمير: أين كنا كمثقفين حين مات محمد صدقي؟ ليست القضية أن نقيم له حفل تأبين، أو نكتب مقالاً عابراً بعد رحيله.. القضية أعمق من ذلك بكثير.. إنها قضية الضمير الثقافي الذي غفا، وذاكرة المثقفين الانتقائية..
حين تيأس الأقلام
يحدث كثيراً أن يصيب قلم الكاتب عبوس ويبوس ويأس..
أبرز مثال ما حدث لقلم ليلي الشربيني.. هي عالمة رياضيات كتبت خمس مجموعات قصصية وأصابها اضطراب نفسي، ثم انتهت حياتها في عزلة وصمت.. وقد تناول شعبان يوسف في كتابه: “لماذا تموت الكاتبات كمداً؟” مصائر عدد من الكاتبات المصريات، مستحضراً في سياق أوسع مأساة فرجينيا وولف، وعنايات الزيات، ودرية شفيق، وأروى صالح، وما بين هذه التجارب من اختلافات في الزمان والمكان والظروف، مع اشتراكهن فى المصير..
أتذكر في هذا السياق ما قاله لي صديقي الشاعر علاء أبو العزايم، من أن المجتمع عادة ما يريد للمرأة أن تؤدي أدواراً محددة لا يسمح لها بالخروج عن إطارها المنهك، أن تطبخ وتغسل وتربي الأبناء، بينما تصبح الكتابة في بعض البيئات جريمة؛ فإذا كتبت المرأة قيل إنها تتمرد، وإذا اختلفت قيل إنها شذت، وإذا عجز المجتمع عن فهمها ربما انتهى به الأمر إلى رميها بالجنون! قد تكون هذه الأحكام قاسية في تعميمها، لكنها تستحق أن تناقش حين نقرأ تاريخ المبدعات اللواتي انتهين إلى العزلة أو الانطفاء.. بينما لا تطلب المرأة المبدعة أكثر من الاعتراف بها..
قاهرة العقول
ثم يأتي محمود حنفي.. سكندري المولد عام 1939، كان والده مؤذناً لمسجد معروف، عمل في مصلحة الموانئ والمنائر ثم استقال ليتفرغ للإبداع، وحصل على تفرغ من وزارة الثقافة، وعمل مديراً للمركز الثقافي السوفيتي بالقاهرة، ثم سافر للسعودية، وكتب روايته “حقيبة خاوية” عام 1980.. لكن محمود حنفي كان سكندرياً فلم يظهر، وهنا تبرز معضلة المركزية الثقافية.
القاهرة ليست مجرد عاصمة جغرافية؛ بل تحولت عبر عقود طويلة إلى مركز ثقافي تتجمع فيه دور النشر والجوائز والصحف والمجلات وحركة النقد والندوات والدوائر التي تمنح الكاتب فرصة الظهور.. أما الإسكندرية وبورسعيد والدلتا والنوبة وغيرها من المناطق، فقد تبدو أحياناً كأنها أطراف بترت من جسدها!
لقد أشار شعبان يوسف، في حديثه عن مصطفى نصر، إلى هذا المعنى، وإلى ما يمكن أن تفعله مركزية القاهرة في مصائر الأدباء.. ومصطفى نصر نفسه، وهو السكندري الذي ترشح لجوائز عدة، يمثل نموذجاً لهذه المفارقة القاسية.. كنت أقول دوماً إن الأدب لا وطن له، وإن الكلمة عابرة للحدود وما زلت أؤمن بذلك، إلا أن الواقع الثقافي فى مصر هادم للقواعد والنظريات.
مأساة (إدريس علي) دارت فى نفس الفلك القاسي.. هو نوبي المولد، بدأ الكتابة في الخمسينيات، ثم زار بلاد النوبة الجديدة بعد بناء السد العالي في يناير 1969، فرأى البؤس فى عيون أهله، وشعر بأنه يحمل تجاههم مسئولية مؤرقة.. عندما كانت أمه تحتضر أوصته :”يا ولدي، عندما أموت ادفنوني هناك” وكانت تعني النوبة القديمة، تلك التي غمرتها مياه بحيرة ناصر.. من هذا الجرح خرجت رواية (دنقلة)؛ لم تكن الرواية مجرد عمل أدبي، وإنما كانت صرخة احتجاج وذاكرة لمكان غائب، ومحاولة لإعادة الحياة إلى أرض طمرها الماء.. غير أن إدريس ظل يتعامل مع واقع نشر لا يمنحه ما يمنح لغيره؛ فكان يحصل على مبالغ أقل بكثير من بعض زملائه، وكأن الكاتب قد صنف مسبقاً في مرتبة أدنى بلا معيار إلا مقياس التحيز لأشخاص بعينهم.. وهنا يغدو التجاهل المتعمد أكثر إيلاماً وقسوة.. لقد رأيت في المكتبات كتباً توضع في الواجهة، بينما يلقى كتاب مهم في رف خلفي لا تكاد العين تصل إليه لاعتبارات واهية مثل اسم الكاتب، دار النشر، العلاقات، حضور النقاد، الإعلام، الجوائز، والقدرة على اختراق السوق، ناهيك عن الرشاوي المعنوية والمادية!
ذاكرة ثقافية مثقوبة
ثم نصل إلى ميخائيل رومان، المولود عام 1924 والمتوفى عام 1973..
تخرج في كلية العلوم عام 1947، وكتب ثماني عشرة مسرحية، معظمها في الستينيات، واهتم بوصف صور القهر، وكان من عشاق وليم فوكنر، وترجم روايته “سارتورس” للعربية.. كانت كتاباته المسرحية شديدة الحدة والصدام، وتناولت ظواهر القهر والانحراف عن الأهداف المعلنة للثورة وتحول السلطة إلى ممارسة ضاغطة على الإنسان؛ ولهذا تعرضت مسرحياته، بحسب الدراسات التي تناولت تجربته، للمنع أو الهجوم الصحفي..
أتساءل أحياناً كم من الكتاب كتبوا أدباً بارعاً ثم اختفوا؟ لدينا ذاكرة ثقافية كالمنخل؛ ذاكرة تسقط منها أسماء وأعمال وأجيال بأكملها ولا تبالي.. نحن لا نفتقر إلى أدباء، وإنما نفتقر للعدالة الثقافية. والأمر لا يتعلق بالنقاد وحدهم؛ فالنقد جزء من منظومة أوسع تضم دور النشر والجامعات والصحف والمجلات والجوائز والمناهج التعليمية والإعلام وأخيراً القارئ نفسه.
مقالات صحفية شتي تناولت ظاهرة تهميش الأصوات المستقلة بلا طائل، وكل الأدباء المذكورين لم ينالوا جوائز الدولة وإن استحقوها. وأمل دنقل، أحد أبرز شعراء العربية في القرن العشرين رشح لجائزة الدولة التشجيعية عام 1972 وحجبت عنه! حين يحدث ذلك مع شاعر عظيم يصبح من الطبيعي أن نتساءل عن مصائر عشرات الأدباء ممن لم تكن لهم حتى فرصة الوصول لدائرة الضوء!
أعرف أن الكلام عن ذاكرة ثقافية أكثر عدلاً قد يبدو مثالياً.. لكنني، بعد سنوات طويلة بين الكتب، لا أرى بديلاً عن محاولة مقاومة النسيان.. فمصر التي ضمت هذا العدد الهائل من الكتب والأدباء تستحق ذاكرة قرائية تتسع لكل أصواتها، لا لذاكرة تنتقي أسماء بعينها وتترك الباقين في العتمة..



















