سعيف علي
يُذكر هيدوبورو إلى جانب بابلو نيرودا وغابرييلا ميسترال كلما جرى الحديث عن الشعر التشيلي، وقد نال كلاهما جائزة نوبل، وإلى جانب بابلو دي روخا. نال نيرودا الشهرة الأوسع، وأهمل النقد صاحبنا زمناً طويلاً، ثم عاد إليه في العقود الأخيرة ورآه من أجرأ الأربعة على كسر القالب.
وُلد فيسنتي هيدوبورو سنة 1893 في أسرة أرستقراطية ثرية، وكان بوسعه أن يقضي عمره بين الضيعات والصالونات. ترك ذلك كله وراءه، وجعل يتتبع أخبار التكعيبية والمستقبلية في المجلات التي كانت تصل إلى تشيلي، إلى أن ركب البحر نحو أوروبا، بحثاً عن قصيدته وآفاقها.
ضاق هيدوبورو منذ نشأته بالشعراء الذين يقفون أمام وردة من أجل وصفها. سألهم في قصيدته «فن الشعر» عام 1916 عن سبب غنائهم لها، ودعاهم إلى أن يُزهروها في القصيدة نفسها. تختصر هذه الجملة القصيرة نظريته كلها. فالشاعر عنده لا ينسخ شجرة ولا ينقل غروباً، وإنما يصنع شجرته بأوراق لا تنبت في أي غابة.
أطلق على مذهبه اسم «الخلقية» (Creacionismo)، وخاض بسببه سجالاً مع الشاعر الفرنسي بيير ريفيردي حول من سبق إلى الفكرة. بدأ الخلاف في باريس حين ساهم الاثنان في مجلة «نورد سود» عام 1917، ثم اتهم ريفيردي هيدوبورو بأنه قدّم تاريخ نشر ديوانه «مرآة الماء» ليسبقه. ودام الجدل عقوداً، وهدأ حين عثر الشاعر براوليو أرينس، وهو يعدّ الأعمال الكاملة (1964)، على طبعة صدرت في بوينس آيرس مؤرخة بعام 1916، أي قبل طبعة مدريد (1918). ويثير المذهب سؤالاً ظل مفتوحاً بعد وفاة صاحبه: إذا تحرر الشاعر من تقليد الطبيعة، فما الذي يمنح عالمه المخلوق تماسكه؟ هل تكفي حرية الخيال، أم تحتاج القصيدة إلى نظام داخلي تفرضه على نفسها؟ سنعود إلى هذا السؤال حين نقرأ «ألتازور».
باريس: لغتان وقصيدة واحدة
وصل هيدوبورو إلى باريس سنة 1916، وكانت المدينة مختبراً مفتوحاً للفن. جالس بيكاسو وخوان غريس، وصادق أبولينير الذي كان يحرّر مجلات تدعو إلى الحداثة، واقترب من تريستان تزارا وحلقة الدادائيين. تعلّم الفرنسية حتى كتب بها دواوين كاملة، وضمّ ديوانه «الأفق المربّع» سبع قصائد إسبانية سابقة ترجمها بنفسه إلى الفرنسية بمساعدة خوان غريس، ثم أصدر بالإسبانية «برج إيفل»، وحوّل في بعض صفحاته الأبيات إلى رسوم ترسم حروفها شكلاً ما.
انتقل بعد ذلك إلى مدريد في خريف 1918، وصار يزورها كل عام. فتلقّف شبّان إسبان أفكاره، منهم خيراردو دييغو وخوان لاريا اللذان سارا في دربه، وولد في العام نفسه تيار «الألترائية» (Ultraísmo)، وهو حركة أدبية وشعرية طليعية إسبانية نشأت في مقهى «كولونيال» بمدريد. نادى أتباعها، ومن أبرزهم الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي أقام في مدريد بعد ذلك بقليل، بتجديد الشعر والاعتماد على الصورة والمجاز المكثف، والتخلص من الزخارف البلاغية التقليدية والقوافي المقيدة. وتقترب هذه الدعوة من الخلقية، ويرى مؤرخون أن الألترائيين سلكوا في خطوهم الأولى طريقاً شقّه هيدوبورو. وستترك حياته بين لغتين أثرها في «ألتازور»، فقد كُتبت بالإسبانية والفرنسية معاً.
شاعر في قلب الأحداث
عاد فيسينتي إلى تشيلي عام 1925، وأسس صحيفة «أكسيون» ثم «لا ريفورما»، وأعلنته الشبيبة التقدمية مرشحاً رمزياً لرئاسة الجمهورية لكن لم يذهب الترشح بعيدا. وحين اندلعت الحرب الأهلية في إسبانيا كتب عنها مقالات وتحدث عنها في الإذاعة، وشارك في يوليو 1937 في المؤتمر الدولي الثاني للكتّاب من أجل الدفاع عن الثقافة، وهو مؤتمر الكتّاب المناهضين للفاشية الذي انعقد في فالنسيا ومدريد وبرشلونة وباريس، وألقى كلمة في جلسة مدريد.
ثم اشتعلت الحرب العالمية الثانية، فعمل مراسلا في باريس، وبثّ منها تقاريره عبر «صوت أمريكا»، ودخل برلين مع قوات الحلفاء. أصيب بجراح مرتين في أفريل وماي 1945، ومنحه الفرنسيون وساما. وأصيب عام 1947 في كارتاخينا بنزيف دماغي وتوفي في بيته هناك يوم 2 يناير 1948، قبل ثمانية أيام من بلوغه الخامسة والخمسين.و دُفن حسب رغبته، في تلة تطل على البحر.
ما الذي بقي منه؟
انتهت المدارس الطليعية التي عاصرها واحدة بعد أخرى، وظل شعره حاضراً في تجارب شعراء كثيرين من أمريكا اللاتينية وإسبانيا. قرأه خوليو كورتاثار وأوكتافيو باث، وتتبّع أثره شعراء عرب حاولوا في القرن الماضي أن يخرجوا بالقصيدة عن ثوبها الموروث. وتقف في قلب هذا الأثر قصيدة طويلة واحدة جمعت أفكاره كلها: الخلق، والتمرد، وتفكيك اللغة..
ألتازور: السقوط الطويل
بدأ الشاعر كتابة «ألتازور» عام 1919، ولم ينشرها إلا سنة 1931. تتألف القصيدة من سبعة أناشيد. بطلها رجل اسمه ألتازور (دمج الكاتب في اسمه كلمتي «العلو» و«الحيرة») يهبط بمظلة من الأعالي، وفي نفسه سؤال: لماذا فقد صفاءه الأول؟
كتبها هيدوبورو بالإسبانية والفرنسية معا. فتوزّعت أجزاء من نصها الأصلي بين اللغتين، وجاء ذلك في المخطوطة الأولى. ثم استقر النص النهائي بالإسبانية. يزيد هذا الأمر ترجمتها عسرا، وقد ظلت زمنا طويلاً عصيّة على النقل، إلى أن ظهرت ترجمتها الإنجليزية الشهيرة سنة 1988، ثم ترجمة فرنسية بعنوان «Altaigle» أنجزها فرنان فيرهسان (Fernand Verhesen) عن الإسبانية التشيلية، ونشرتها دار «أونس» (Éditions Unes) سنة 1996.
نقلت عن هذه الترجمة الفرنسية المقاطع التالية إلى العربية، وهي مختارات من ثلاثة أناشيد (الأول والرابع والخامس) ن» وقد جاورتُ كل مقطع بشرح قصير
النشيد الأول: أن تهوي بلا خوف
ألا ترى أنك تهوي بالفعل؟
طهّر رأسك من الأحكام المسبقة ومن الأخلاق
وإن لم تبلغ شيئا وأنت تريد الارتفاع
فدع نفسك تهوي دون أن تكبح هبوطك، بلا خوف، إلى قاع الظلّ
بلا خوف إلى قاع لغزك أنت
فلعلك تجد نوراً لا يحيط به ليل
ضائعاً في شقوق الهاويات.
اهوِ
اهوِ إلى الأبد
اهوِ إلى أعماق اللانهاية
اهوِ إلى أعماق الزمن
اهوِ إلى أعماق نفسك
اهوِ إلى أبعد مدى يمكن أن يبلغه السقوط
اهوِ بلا دوار
عبر كل الفضاءات وكل العصور
عبر كل الأرواح وكل الرغبات وكل حطام السفن
اهوِ واحترق وأنت تعبر النجوم والبحار
أحرق العيون التي تنظر إليك والقلوب التي تنتظرك
أحرق الّريح بصوتك
الّريح التي تمتزج بصوتك
والليل الذي يرتجف بردا في كهفه العظمي
اهوِ إلى الطفولة
اهوِ إلى الشيخوخة
اهوِ في الدموع
اهوِ في الضحكات
اهوِ موسيقى على الكون
اهوِ من رأسك إلى قدميك
اهوِ من قدميك إلى رأسك
اهوِ من البحر إلى المنبع
اهوِ في الهاوية الأخيرة من الصمت
كسفينة تغرق وهي تطفئ أضواءها
يبدأ المقطع بسؤال يوحي بأن السقوط وقع قبل أن يدرك صاحبه ذلك. ثم يقلب الشاعر الصورة المألوفة عن الإنسان الذي يصعد نحو المعنى، فيدعو قارئه إلى ترك الأحكام المسبقة والأخلاق، ويرى في الهبوط طريقاً إلى نور لا يبلغه من يصعد. وتتولى كلمة «اهوِ» قيادة المقطع بعد ذلك، فتتكرر كما تتكرر ضربات الطبل، وتنقل البطل من الخارج (اللانهاية والزمن) إلى الداخل (نفسه)، ثم إلى أعمار الإنسان وانفعالاته، ثم إلى جسده، ثم إلى البحر الراجع إلى منبعه.
تتجاور في هذا النص رؤيتان. تقول الأولى إن السقوط رحلة معرفة، يتخلص فيها المرء مما يحجبه عن نفسه فيقترب من لغزه الخاص، وتؤيدها الدعوة الصريحة إلى ألا يخاف. وتلمح الثانية إلى ثمن هذه الحرية: فالسفينة التي تغرق في السطر الأخير تطفئ أضواءها وهي تمضي، وكأن الكشف يتم والنور ينسحب. لا يحسم النص الخلاف بين القراءتين، وربما كانت هذه المنطقة بالذات التي أراد الشاعر أن يقف فيها.
النشيد الرابع: ما الذي يجري في العالم الآن؟
لا وقت لنضيّعه
وإن جاءت اللحظة العابرة
فلتتبع أجود الأشرعة.
الآن وأنا أجلس وأشرع في الكتابة
ماذا تفعل السنونوة التي رأيتها هذا الصباح
وهي توقّع رسائل في الفراغ؟
حين أحرّك قدمي اليسرى
ماذا يفعل بالقدم نفسها الماندرين الصيني؟
حين أشعل سيجاراً
ماذا تفعل السّجائر الأخرى التي تحملها السفينة؟
أين تنمو النبتة التي ستحترق لاحقاً؟
وإن رفعتُ عينيّ الآن
ماذا يفعل المستكشف الواقف على القطب بعينيه؟
أنا هنا
فأين الآخرون؟
صدى ينتقل من إيماءة إلى إيماءة
سلسلة مكهربة أو خامدة
انكسار للإيقاع المنفرد
من هم الذين يموتون ومن هم الذين يولدون
بينما يجري قلمي على الورق؟
يتوقف الشاعر عند لحظة واحدة، لحظة جلوسه إلى الكتابة، ويسأل عمّا يجري في الآن نفسه عند آخرين لا يعرفهم: سنونوة تخطّ حركاتها في الهواء، وموظف صيني كبير من الإمبراطورية القديمة (هذا معنى «الماندرين») يحرّك قدمه، وسيجارات في مخزن سفينة، ومستكشف على القطب. يقترب هذا من فكرة «التزامن» التي شغلت التكعيبيين وأبولينير، فكل حركة صغيرة تتردد في أنحاء الأرض، وكل فرد حلقة في سلسلة لا يراها.
يتبدّى في سؤاله «أين الآخرون؟» حدٌّ لوعي الكاتب نفسه: يكتب وحده في لحظة واحدة، والعالم يمضي حوله بلا علم منه. وتأتي الصدمة الأخيرة في السؤال عن الذين يموتون والذين يولدون بينما يجري قلمه، فيتحول القلم، وهو أداة الشاعر الخالق، إلى شاهد على زمن لا يملك أن يوقفه. تصبح الذات الخالقة هنا قادرة على صنع عالمها، وعاجزة عن إحاطة العالم الذي تعيش فيه.
النشيد الخامس: طاحونة تنسج الصباح
هكذا أنت طاحونة هواء
طاحونة في موضع الريح
تنسج الليالي والصباحات
وتغزل ضباب ما وراء القبر
طاحونة بأجنحة ريح وأقنعة ريح
ينتفخ المشهد بجنونك
ويذهب القمح ويجيء
من الأرض إلى السماء
ومن السماء إلى البحر
قمحٌ بأمواج من ذهب
تتمرغ فيها الريح
باحثة عن مداعبة السنابل
يتراجع هنا الأمر الصارم ويحل محله نداء حنون، إذ يخاطب الشاعر طاحونة تنسج الليل والنهار وتغزل ضباب العالم الآخر، فتتحول إلى آلة كونية تصنع الزمن. أما عبارة «أجنحة ريح وأقنعة ريح» فتنقل لعبة لغوية فرنسية ابتكرها المترجم (ailevents وventailles).
النشيد السابع: الصوت وحده
لا يتضمن الاختيار الفرنسي هذا النشيد، فأكتفي بوصف ختامه. يختم الشاعر قصيدته بأصوات لا تنتسب إلى لغة. تتتابع مقاطع وحروف علّة، وتتخلص الكلمات من معانيها المعجمية، فلا يبقى منها إلا الإيقاع. ولا أنقل هذا الجزء إلى العربية، فهو يطلب أن يُسمع بحروفه الأصلية كما كتبها صاحبه، وأنصح القارئ بأن يقرأه بصوت مرتفع.
حمل الشاعر الكلمات إلى حدها الأقصى لم تعد تقوى على الحمل. فحين تنفرط الدلالة المعجمية يبقى الإيقاع والنَّفَس والجسد الذي ينطق، ويتحول الكلام إلى تجربة صوتية خالصة. ويعيدنا هذا إلى السؤال الذي طرحناه في الحديث عن الخلقية: ما الذي يمنح العالم المخلوق تماسكه؟ ربما كان جواب «ألتازور» أن التماسك يأتي من الحركة نفسها، من هذا السقوط الذي لا يتوقف حتى حين يفقد الكلام معناه. تاتي المتعة من جرأة شاعر ينهي قصيدته بإسقاط الكلام نفسه.
ما زال سؤال هيدوبورو الأول يطرق الأبواب بقوة. هل يكتب الشاعر ليصف ما يراه، أم ليضيف إلى العالم شيئاً لم يكن فيه؟ ترك قصيدة كاملة تهبط بمظلتها إلى أن تفرغ الحروف من معانيها، وترك لنا أن نقرر هل بلغ الأرض.
…………………..
*كاتب من تونس



















