نهلة إيهاب
حين يتجاوز مفهوم السجن معناه المادي، ليغدو حالة نفسية ووجودية مفتوحة، بلا قضبان أو حدود مرئية، تتحرك الشخصيات داخل فضاء من الصراع الداخلي بين الروح والنفس؛ فالروح تنزع نحو الصفاء والقيم والمعنى، بينما تميل النفس إلى المادة والرغبة والطمع، في ظل جدلية مستمرة بين ما يسمو بالإنسان وما يقيّده. ومن خلال هذا التوتر، يطالعنا العرض المسرحي «سجن اختياري»، من تأليف محمود جمال حديني وإخراج باسم كرم، على قاعة صلاح عبد الصبور في مسرح الطليعة؛ ليقدم معالجة بصرية ودرامية واعية لهذا الصراع، إذ يتجسد السجن حالةً داخلية نابعة من انقسام الإنسان بين روحه ونفسه، وبين سعيه إلى المعنى وانجذابه إلى المادة.
ويتقاطع هذا الطرح مع قراءة تأويلية لأفكار ميشيل فوكو حول تشكّل «السجون الرمزية» داخل الإنسان؛ إذ يمكن فهم «السجون» بوصفها بُنى رمزية تتسلل إلى وعي الإنسان وتعيد تشكيله.
في هذا السياق، تدور أحداث العرض حول لقاء يجمع مجموعة من الأصدقاء بعد غياب دام سنوات عديدة، داخل فيلا يملكها أحدهم، حيث يطرح عليهم اختيارًا ملتبسًا يتداخل فيه اللعب بالمصير. يعرض عليهم أن يخوضوا تجربة «السجن الاختياري»، فيوافقون جميعًا على البقاء داخل حدود المكان لأطول فترة ممكنة، طمعًا في إغراء مادي ضخم يبلغ مئات الملايين من الجنيهات. ومع الخضوع لقواعد اللعبة، تبدأ ملامح الانكشاف تدريجيًا؛ إذ تواجه الشخصيات ذواتها، فتتكشف دواخلها الخفية، ويتحول التنافس إلى صراع بين الرغبة في الاستمرار داخل السجن المختار وإغراء الانسحاب نحو الحرية، قبل أن يبدأوا بالرحيل واحدًا تلو الآخر، رغم ما يحمله ذلك من خسارة مادية.
وهنا يطرح العرض إشكالية الحرية بوصفها مسؤولية حتمية لا يمكن الانفكاك منها، وهو ما يتقاطع مع رؤية جان بول سارتر، الذي يؤكد أن الإنسان «محكوم عليه بالحرية»، أي إنه يظل في حالة اختيار دائم، حتى في أكثر الظروف تقييدًا.

التشكيل الصوتي والبصري إلى جانب الكلمة
تتجلى قدرة المخرج باسم كرم على إنشاء بناء مسرحي محكم يترجم رؤيته إلى حدث درامي يتطور من خلال جدليات المنظر المسرحي والتكوينات الجماعية، التي يوظفها توظيفًا بنائيًا دالًا جنبًا إلى جنب مع الكلمة المنطوقة. فالحدث الدرامي هنا حدث تكشفي يجسد مسارًا نحو جوهر الإدراك. وما إن تنبثق شرارة الوعي حتى تشتعل ثورة «المعرفة»، وتتجسد رحلة الوعي هذه في متتالية من اللوحات التي تنتقل من الطموح الإنساني والسعي وراء المال إلى الاستغلال والطمع. كما ركز المخرج على الخطوط العريضة للنص المسرحي، ونجح، من خلال اهتمامه بأدق تفاصيل العمل وتمكنه التقني، في خلق حالة شعورية عبر تضافر جميع عناصر العرض المسرحي، بدايةً من اختياره النص المسرحي، مرورًا بإعداد الممثل، والديكور، والإضاءة، والملابس، والمكياج.

السينوغرافيا وتجسيد الدلالة المسرحية
وظّف المخرج باسم كرم جميع عناصر العرض المسرحي، أي السينوغرافيا، توظيفًا احترافيًا واعيًا بطبيعة هذه النوعية من العروض التي تنتمي إلى ما يُسمى «الواقعية النفسية». وقد جاء الديكور المسرحي لمحمد طلعت شديد الفاعلية الدرامية في أغلب عناصره؛ إذ استطاع أن يقسم فضاء القاعة إلى مستويات وحجرات متعددة، فاستغل المقدمة والمنتصف والعمق بشكل متوازن يخدم الحركة الدرامية. واستخدم المقدمة لتقديم المشاهد ذات التفاعلات القريبة والمباشرة، والمنتصف مساحةً ديناميكية لانتقالات الشخصيات، في حين شكّل العمق على هيئة حجرات، لكل منها دلالتها الدرامية. فكانت هناك حجرة الزوجين، وحجرة الأصدقاء في لحظات الترفيه واللهو الجماعي، مما أبرز فكرة تعدد العوالم داخل فضاء واحد، وأضفى تنوعًا بصريًا وثراءً دلاليًا على العرض.
وجاء ذلك بالتضافر مع الإضاءة لعز حلمي، التي لعبت دورًا فعالًا في الانتقال بين درجات الإضاءة الباردة والدافئة لدعم الحالات الشعورية المختلفة. وقد تجلى دور الإضاءة بوصفها أداة دلالية في توظيف «بؤر ضوئية» مركزة على باب خروج الفيلا؛ فمع كل مرة يُفتح فيها الباب، ينسكب منه شعاع ضوئي قوي وكثيف ليغمر فضاء القاعة، وكأنه نافذة على العالم الخارجي الذي تنازلوا عنه باختيارهم. فجاء الضوء هنا رمزًا للإغراء بالحرية والتذكير الدائم بالحياة خارج «السجن الاختياري»، مما أضفى ديناميكية على المشاهد وحفّز انتباه المتلقي، من خلال توازن لوني مدروس يجسد الصراع النفسي ويعمق الأثر العاطفي لديه.
كما لعب المكياج، الذي وضعته وفاء مدبولي، دورًا فعالًا في تحديد ملامح الشخصيات وانفعالاتها بشكل واضح ومميز، بما يتناسب مع طبيعة كل شخصية درامية، وبما يحقق التوافق والتوازن مع درجات الإضاءة. وكذلك فعل التأليف الموسيقي لزياد هجرس؛ إذ كانت الموسيقى بمثابة المحرك الظاهري والداخلي للشخصيات. وإلى جانب ذلك، جاءت الحركة المسرحية في بعض اللقطات على هيئة لوحات مسرحية سريعة ومركبة، اعتمدت على خصيصة «الفوتومونتاج» (photomontage)، التي وُظفت لتجسيد الرتابة والملل اليومي المتكرر من خلال تزامن حركات الشخصيات.

الممثل بين الحضور المسرحي والتقمص الإيهامي
وقد نجح المخرج باسم كرم في تسكين الأدوار المسرحية باحتراف، وفي إعداد الممثل بشكل يجعل المتفرج، في كثير من اللحظات الدرامية، متوحدًا مع الشخصية بدرجة أو بأخرى.
وقد نجح كل من يوسف المنصوري في دور «رفيق»، وإيهاب محفوظ في دور «زياد»، وبولا ماهر في دور «حسن»، ونجاة الإمام في دور «شروق»، وأمل عبد المنعم في دور «سلمى»، وعماد صابر في دور «عمرو»، وسيف مرعي في دور «شمس»، ومحمود بيطار في دور «هشام»، وحسين عشماوي في دور «يوسف»، وأحمد رضا في دور «كريم»، في تجسيد شخصياتهم الدرامية بدرجة عالية من الصدق الداخلي، مع الحفاظ على خط الحياة السيكولوجية، أي خلق الحياة النفسية للشخصية الدرامية، بما يتفق مع محركاتها: العقل والإرادة والشعور. مما جعل التفاعل بينهم يبدو طبيعيًا ومتناغمًا، وأكد تمكنهم من أدواتهم التمثيلية وفهمهم العميق لعلاقات الشخصيات داخل النص.
وهكذا قدم العرض رؤية مسرحية تتجاوز الشكل لتطرح سؤالًا وجوديًا عميقًا حول مفارقة الحرية، التي تمنحنا الاختيار، لكنها في الوقت ذاته تربكنا وتضعنا أمام مسؤولية الاختيار وتداعياته: فهل الإنسان أسير قيد خارجي، أم أنه يعيش صراعه الأبدي بين الروح والنفس داخل سجن اختاره بنفسه؟
ويجيب العرض عن هذا السؤال من خلال تشكيل فني وبناء دلالي للصورة المسرحية السمعية والبصرية، مكتملَي العناصر الدرامية، عبر نص وعرض يمارسان حرية التصور والمزاوجة بين النظرات المختلفة إلى الواقع، مستهدفين إنارة الوعي وتحرير الفكر ورحابة المشاعر. ويؤكد العرض، ذو الرؤية الفنية الواضحة، أنه لا يخلو من مناقشة قضايا الواقع المعيش، وذلك عبر تقديم طاقات تمثيلية واعدة تدعو إلى الأمل في التغيير.
………………..
*ناقدة مسرحية















