عباءة البرديسي

art

حازم كمال

العم إدريس إنسان.. حق له أن يهيص!

شتاء عام

كانت ليلة شديدة البرودة، لم ينقطع فيها المطر. زخات رفيعة بين ساعة وأخرى، تنزل بالصقيع اللافح. قبيل الفجر بساعة، سمع صوتًا آتيًا من الشارع من ناحية صهريج المياه. قطع على إثره خلوته في هذه الليلة، للمرة الأخيرة.

المرة الأولى كان قد قطعها ليلبي نداء الطبيعة، ثم عاد إلى مكتبه ليكمل عمله، أو يقضي الليلة في تأمله. وحين انتبه إلى صوت عصافير بطنه تزقزق، ترك الغرفة الدافئة واتجه إلى المطبخ. وقف أمام الثلاجة متأملًا، يحك رأسه، الحليقة حديثًا، والتي تشبه حبة الكمثرى. كما كانت تخبره الحاجة كلما عاد من عند الحلاق برأس لامع ومحلوقًا بالموسى. نفت أم هشام فيما بعد تلك الفكرة، قائلة إنها تشبه أكثر حبة البطاطس. بحث عن أي شيء يغير به مذاق فمه: قطعة حلوى متبقية، أو شوكولاتة نسيها الأولاد، أو علبة كوكاكولا مخبأة في أحد أدراج الثلاجة!

كان يبحث عن كل الممنوعات دفعة واحدة، وباءت محاولته بالفشل. ما باليد حيلة. رفع الشال وأخذ الرغيف من صحن البلاستيك، ثم غطاه، ووضع به ما اتفق أن وجده، وليعطى للقمة طعمًا دهنها بالجبن القديم، وتلفت حوله كأنه يتوقع أن يخرج له من يتربص به خلال تلك العتمة الممتدة في ممر غرفة النوم. ولما تأكد أن لا أحد يرقبه والجميع نيام، لف الرغيف، ثم أخذ خيارة، يتقي بها لاحقًا نار الحموضة.

يحاول التعود جاهدًا على النظام الجديد الذي فرضته الحاجة بمساعدة ابنتهم الدكتورة رؤيا. لما رأت نتائج التحاليل، وقبل أن يذهبا إلى لويس شرف، طبيب الباطنة، قالت إن عليه أن يخضع لحمية غذائية قاسية.

«الكلام دا ما ينفعشي يا سي بابا.»

وضع الكنكة على النار، وما أن انتهى من قرض الخيارة كفأر صغير، حتى كان فنجانه ممتلئًا بالقهوة. فنجانًا واحدًا في اليوم يشربه وقتما يشاء، وكيس البن في مكان لا يعلمه. ولما احتدم الحوار بينهما، هز رأسه آسفًا وقال: «بقي دي آخرتها يا أماني؟» رفعت كتفيها بعدم اكتراث، ولما لم يجد حيلة قال مستعطفًا: «يعني هي دي وصية عمتي الحاجة، يصح كده؟» قالت له: «وأنا مالي، الله، بنتك عندك أهي، والدكتور صاحبك. اتصل عليه؟»

التقطت سماعة الهاتف. ورمقته منتظرة ما سيقوله، وظلا صامتين يحدق أحدهما في الآخر. وهو مندهش، يعرف أن لها عزمًا لا يلين، لكن قلبها دائمًا كان طوع بنانه، لكنها لم تكن تحبه كما يريد، كان يخبر نفسه في ساعات اكتئابه، ولم يجد أمامه مهربًا. وآخرة المتمة، رضخ للوضع القائم، مفوضًا أمره لله.

عاد إلى حجرته، وضع الفنجان على الطاولة، وتحرك ناحية الأرفف المثبتة في الحائط على شكل مكتبة تهدلت مع الوقت. انتقى كتابين، وفتح رزمة ورق جديدة، سحب منها حفنة أوراق لتحل محل التي امتلأت، وتركها قبل أن يقرصه الجوع.

عاد وأكمل من جديد.

كان يكتب بشكل متواصل، يمد يدًا نحو هذا الكتاب أو ذاك، ينقل جملة من هنا وأخرى من قصاصة ورق يلتقطها من وسط كومة أوراق، يدعم بها أفكاره التي لا يقرأها سوى الولد خالد ابن نور ابنته الصغرى. يكتب بتؤدة وبتروٍ بالغ ودربة خبير، كأنما يعرف مكان جميع الأشياء في مملكته الصغيرة؛ خارجها يضيع كولد صغير.

كان المكتب يعج بتلك القصاصات المتناثرة. منهمكًا، كان يكتب، يغمض عينيه قليلًا، كأنه يحلم، أو أنه يستحث المعنى على الظهور. وأحيانًا يصاب، كما قرأ ذات مرة عن تلك الحالة المسماة بتعسر في الكتابة، فيظل والحال كهذه يحزق على آخره حتى يدفع ماكينته للعمل من جديد، ويكمل ما بدأه.

ويهتز طربًا بأن أخيرًا المكنة أخرجت قماشًا.

وتتعجب أم هشام لتلك الحيوية التي دبت فيه من جديد. أصبح ينهض وحده في ساعات الليل الأخيرة، يقضيها هكذا، وفي الصباح الباكر يخرج ليشتري الجرائد والطعمية، يأتي بها سرًا، ويأكلها خلسة عند حسنة في الدكان قبل أن يصعد.

منذ زمن والفأر يلعب في عبها من ناحية تلك المرأة. كانت عمته حذرتها، حين كانت عروسًا جديدًا، بأن تحابي عليه ولا تتركه لدماغه، وإن أرادت أن تكسب مودته أن تطيعه فيما يهواه ولا يخالف شرع الله، وأن تخشى عليه من النساء الأرامل، ومن أبناء وبنات الحرام، ولم تفهم القصد ونسيته مع الوقت.

وعندما قرر محمد الدرملي ترك الدكان، لأن ابنه سيصبح ضابطًا، ولا يصح أن يكون والد الضابط بقالًا، واشتغل تاجرًا للغلال. فاقترح عليها أن تؤجره لحسنة. وفهمت العجوز مراده، لكنها تصنعت عدم الانتباه.

قالت: «مين؟!»

قال: «حسنة بنت أم هاشم.»

«البلانة؟»

«المرأة نظيفة كما تعرفين، وزوجها قريبك.»

وكانت تغضب لأنها لم ترَ في قريبها عبد الباري، عامل الشونة، إلا شرابة خرج، لا أكثر ولا أقل. ورفضت أن تؤجره لها، وقرأت في عينيه أنه يخطط لأبعد من ذلك، يريد أن يجدد الماضي.

وفي أيام مرضها الأخير فاتحها من جديد، وقال إن لم تعطه لها سيفتحه مقهى، فوافقت برجفة من عينها، أو هكذا أقنع زوجه، وأخذت حسنة الدكانة، وتغير بقدومها شكل المكان.

 

ولما تحسنت صحتها، كان يخرج معها إلى الشرفة ويجلسان سويًا في الصباح أو ساعة الأصيل، يشربان الشاي ويتابعان الزبائن تدخل وتخرج من الدكانة.

ولم ترضَ عن حسنة إلا بعد معاشرتها، وتبين لها بالفعل أنها غير أمها، من حسن معاملتها وخدمتها لها. ولكنها لم ترتح إلى وقوفه المتكرر معها.

كان المطر ينقر خفيفًا، يسمع وشيش هطوله على أرضية الشرفة. ازداد وأصبح الآن يضرب الشيش بعنف مع هبات رياح شديدة، ولم يكف مزراب السطوح عن القرقعة، وكأن المطر كان وحيًا يهبط على قلبه، فتجول به الخواطر والفكر، دبيبًا كوقع الأقدام الراكضة، تقفز به من مكان لآخر، وتعود بالزمن خفيفًا مثل خيالات متراقصة، كظلال بهية الألوان، فترتسم فوق رقوق بيضاء كالثلج، اكتست لتوها ثوبًا مزركشًا من أبيض وأزرق.

والحقيقة أنه تعود على الكتابة ليلًا. على عكس بعض كتابه المفضلين، أو كما يقول عنهم أصدقاءه الأدباء. وتعلق المرأة: «إلا عمرنا ما شوفنا حد منهم عبرك ولو باتصال.» منذ سنوات وهو يجلس محاولًا أن يعيد كتابة حكاياته التي صاغ مسوداتها وهو شاب، أيامها كانت مسته نار العشق فهصرته، وكانت تعد له الشاي امرأة أخرى.

وفي يوم فوجئت به في كامل أناقته، يرتدي بدلته، ولولا أنها تعرف، لظنت أنه مقدم على الزواج بأخرى. ولما سألته إلى أين العزم، قال إنه مدعو لحفلة تهنئة صديقه الكاتب الفلاني الحائز على الجائزة الكبرى. لم تصدقه في حرف واحد، وخشيت عليه أن يذهب بلا رجعة، لكنها طردت شيطانها، وقالت: «طيب، ابقى سلم لنا عليه، وهات لنا حاجة من عند سيدنا الحسين» وتركته يمضي إلى حال سبيله، وتتوسل إلى كل الأولياء الذين تعرفهم كي يردونه سالمًا. ورغم أنه عاد ومعه كما هائلًا من الكتب، ولم تعرف كيف تمكن من الوصول بهم من المحطة إلى البيت. التقطت كيفما اتفق واحدًا، فقرأت بأم عينيها الإهداء مكتوبًا بخط منمق: «إلى صديقي ومعلمي الأستاذ خليل»، ولم تصدق. حتى أتى يومًا، وكان يزور أحد أقاربه في المنصورة، ودق جرس الهاتف بالترانك، فهوى قلبها في ساقيها، تفلت في عبها واستعاذت بالله من الاتصال والمتصل.

ولما رفعت السماعة، فاجأها صوت بلهجة صعيدية مرحة، كأنه يعرفها أو بالفعل حياها بكنيتها، وسألها عن زوجها. ولما سألته: «مين أنت؟» قال لها: «أنا الأبنودي.» وضحك ضحكته المحشرجة. ووضعت السماعة غير مصدقة.

مرت ساعات الليل بسرعة كالبرق. توقف المطر، ولم يتبقَّ منه سوى رذاذ خفيف. ولم يكف المزراب عن القرقعة. ولم ينتبه للوقت إلا من خلال الصوت الآتي من الشارع، أخرجه من حالة الصبو. كان الصوت القادم من بعيد، متقطعًا، كمن يجر ثقلًا على الأسفلت، ولكنه لا يقوى عليه، فيقف ليلتقط أنفاسه ويستجمع قواه.

كتب آخر سطر، ووضع القلم فوق الأوراق، كأنه يحمي به كلماته. وتمطأ بشعور الممتلئ، نشوة. فرك أصابعه التي انبرت من مسكة القلم. وتأكد له كلام صديقه الكاتب الشاب الذي عرفه بالمراسلة: «عضو واحد يعمل ويصاب باقي الجسد بالتعب.»

ضم يديه إلى صدره قليلًا. ثم انحنى على المكتب، وأراح رأسه وشعر بالدفئ تحت لمبة الأباجورة. عاد الصوت من جديد. أصاخ السمع. كان يتضح الآن أكثر.. فأكثر، كلما اقترب، كأن أحدهم يكحت الأسفلت بصنفرة خشنة.

أطفأ الأباجورة، ثم قام من مكانه، أزاح الستارة وشرع النافذة، ومن بين فرجات الشيش، التي كانت منفذًا لبرد الشارع أن يمر إلى جسده، جال بعينيه. كان الأسفلت لامعًا تحت أشعة المصباح الوسنان المتدلي من قمة عمود الكهرباء عند الرصيف. محدثًا نفسه:

«عيب، إنه هو؟»

«وهل هناك غيره؟»

ظهر من بين فتحات الشباك شبح قصير، لجسد هزيل متداعى، ظهره محني على عكازة، يدق بها ظهر الأرض. يرتدي زعبوطًا، ويلف رأسه بأكمله بشال أبيض يقيه لفحات البرد، يرتدي جلبابًا وفوقه معطفًا طويلًا من الصوف الأسود يصل إلى أسفل ركبتيه، وفوق كتفيه تدثر بعباءة من الجوخ، أثناها طيات فوق كتفيه، حتى لا تجرجر في الماء.

تأكدت ظنونه، لن يخرج في تلك الساعة إلا العم إدريس. كم عامًا مر وهو على حاله لم يتغير؟ لا أحد يقدر على الخروج في تلك الساعات للمسجد إلاه. يشعل اللمبة الجاز، كأننا في زمن بائد، ويفتح الراديو على محطة القرآن الكريم، ويجلس مستمعًا إلى تواشيح الفجر بصوت نصر الدين طوبار أو النقشبندي.

كان يخبره بأنه يحب الآخر، النكلاوي، ولما لم يعرفه، قال له: «ما أنت لو بتيجي كنت عرفته.»

قال له: «يا عم إدريس، هو أنت أصلًا بتسمع؟»

كان يلف إصبعه حول أذنه، كأنه سيرفع الآذان، ولكنه يحلّق على الكلام ويصغي السمع ويهز رأسه، ومن ثم يرد عليه قائلًا: «هه!»

رآه أول مرة عندما دعته عمته للعيش معها، لأنها بلا أحد كما يعرف، وكانت تخشى على نفسها من أولاد الحرام، وأمّن على كلامها، ولم يتمكن من فعل شيء لما استيقظت البلدة على خبر مقتل المرأة الغلبانة التي كانت تعيش وحدها في عشة على المزلقان، على أيدي أشقياء ذبحوها ونهبوا أشياءها، وقيل إنهم وجدوا في الكنبة التي تنام عليها رزم الأموال مرصوصة، وقد أكلها العفن.

مرت أكثر من خمسة عشر عامًا وهو على حالته تلك، لم يتزحزح به العمر قيد أنملة، كأن الزمن قد تجمد لكي يبقى عم إدريس على هيئته الحالية حتى يفتكره ربه. كل كام شهر يكتشف أن امرأته حبلى، ويرزق بمولود جديد.

كان يخبره بذلك صراحة: «إلا قولي أنت بتعمل إيه؟»

 

ويرد عليه الرجل، وعلى وجهه ابتسامة لؤم، قائلًا: «هه!»

فيشير إليه بيديه، ويرفع صوته بحدة مغيظة: «بقولك بتعمل إيه في تلك المسائل؟»

فيهز العم إدريس رأسه، وينظر أمامه بعينين صافيتين كعين الديك، ويرفع يده أمام فمه، ويقلبها ظاهرًا وباطنًا، ويشير بأصبعه نحو السماء.

وعندها يقول له: «أنت مش هتبطل كهن اليهود دا.»

فتتسع عيناه، ويهز رأسه، ويقول بغضب: «لا يا عم، الحاجات دي مفيهاش هزار.»

وينهض منفعلًا، ويمشي دون أن يرمي عليه السلام، ويتركه وحيدًا.

لما توقف عند صندوق القمامة، ظل يتلفت يمينًا ويسارًا، ويحدق نحو النوافذ المعتمة والشرفات الناتئة من جدران البيوت مثل أفواه ثلمت أسنانها، كأنه مقدم على أمر خطير، أو أنه يودع الشارع. وأطال النظر ناحية نافذة الأستاذ محبوب، مدرس الرياضيات، ثم التفت ناحيته، أو هكذا خيل إليه، وشعر بأنه يراه بعينيه الزرقاوين. لا يمكن، من المؤكد أنه لم يفعل، ليس لأن نور عينه كان ينطفئ شيئًا فشيئًا، كأنه يشيخ من عينه فقط! ولكن لأنه كان واقفًا في بقعة ضوء مغبشة لعمود الإنارة، أما العم خليل فكان خلف الشيش واقفًا في ظلام الغرفة.

كانت عيناه تكشف له بالكاد مكان خطوته التالية، لذلك كان يمشي وقدمه شبه ملتصقة بالأرض، فكان يصدر عنها ذلك الصوت الذي يعرفه كل من كان يعرف العم إدريس، مؤذن الزاوية، الغير معين من الأوقاف، لأن موظف الأوقاف ومقيم الشعائر كان لا يدخل المسجد إلا في المناسبات: يوم الجمعة، رأس السنة الهجرية، وأيام الزيارات المباغتة!

حينما لقيه أول مرة، رفع يده قرب رأسه، وحياه ملقيًا عليه السلام، فلم يرد، وطالعه بنظرته التي بدت له باهتة وخالية من كل تعبير، فتعجب ولم يكررها.

وكان يصدف أن يلقاه في الطريق أو على ناصية الشارع، أو في المسجد أحيانًا، والرجل يطالعه بنفس النظرة، حتى شعر بشيء غامض. ولما كان يقارن بين ما يتناقله الناس عن الرجل الذي هبط على المنطقة دون أن يدري أحد متى ولا من أين الله جاء به، لا يعرف له أصل ولا فصل، ولكنه عاش واشتغل وتزوج، ولم يشكُ منه أحد، إلى درجة أثارت الريبة في نفوس الكثيرين؟

الغريب أنه تزوج من أختين. كانت الأولى معه عندما سكن في الدار الملاصقة لماكينة الطحين، ومعه منها ولدان وبنتان، ثم طلقها، ولا أحد يعرف السبب. ثم تزوج من أختها، ولا أحد يعرف كيف أقنعها، وأنجب منها هي الأخرى أربعة بالتساوي.

ولا مجال هنا للتذكير بصوته في رفع النداء، لأنها صورة من كثرة ما تكررت: «المؤذن صاحب الصوت المنفّر»، أصبحت نمطية بصورة مزعجة. مما يحير فعلًا أنهم، أي أصحاب الأصوات البشعة، يتقاتلون على الحديدة، وكما نعرف من الأثر: «أن فوق أو تحت رأس كل حديدة شيطان.»

الحكاية التي تسربت عنه أنه قاتل وعليه ثأر، أو من اليهود الذين كان يطاردهم عبد الناصر، وأتى للعيش مختبئًا في تلك البلدة النائية.

كلما تذكر ذلك، ووقتها كان أكثر شبابًا، وبالرغم من ذلك كان يملأه الخوف من ناحيته. قد لا تعجبه نظراته مثلًا، بحكم أنه أصبح دائم التطلع إليه، بعد تلك الواقعة التي ضبطه فيها وهو يراقبه. فيقرر التخلص منه. هل كان أحد أولاد الحرام الذين أثاروا خشية الحاجة؟

كان الرجل يناديها أحيانًا كباقي أهل المنطقة: «يا حاجة»، أو لما يكون راضيًا عندما تنفحه شيئًا يصيح قائلًا: «يا خالة.» وترد هي بأن عليه أن يستحي، فهو يكبرها سنًا. أمرًا آخر على النقيض تمامًا، كان يرى في عينيه الزرقاوين، بلونهما الرمادي الصافي كعين ماء عذب، شيئًا يبعث على النعاس. أو أن وجوده وتعليقاته القليلة تمنح شعورًا بالسكينة، بينما عيناه تعكسان رحلة حياته كاملة. مع كل رجفة من عينه كانت هناك صورة تجسد شقاءه وما لقيه في رحلة حياته، منطبعة في الغضون المشققة حول عينيه وانحناءة ظهره. صاحب الرجل الكد والتعب حتى آخر يوم في حياته. لم يرقد يومًا، ولم يغب عن الزاوية والصلاة فيها، يكون أول الحاضرين وآخرهم خروجًا. لم ينقطع عن المسجد إلا لما يضيق عليه شلة الحاج حسن الخناق ويمنعوه من رفع النداء، فلا يأتي، ولا تجد الزاوية من يرفع الأذان في وقته، ويسمع صوته مناديًا من ميكروفون الجامع الكبير.

نعم..

وفي لحظة يمكنك أن ترى صورة الماضي القديم لذلك الرجل، الذي قتل عمه ونام مع امرأته وهرب بأمواله دون أن يُعرف له طريق، لكن جميعها خيالات كانت تنقشع فورًا. لا أحد يعرف لماذا طالته تلك الشائعات، فالرجل كان طيبًا كالريح المرسلة، لا يحمل إلا خيرًا، صامتًا وهادئًا وبسيطًا إلى أقصى حد. إلا عندما يخرجونه عن طوره، فيبغبغ بكلام غير مفهوم، ويترك المكان ويغيب ليوم أو اثنين، ثم يعود بعد أن يرسلوا الحاج كمال ليصالحه، لأنه فيما قيل تربطهما صلة قرابة!

على كل حال، ظل ناظرًا ناحية الشباك، وأصر العم خليل على الوقوف ليرى ما سيفعله هذا المجرم القديم، والمتنكر في جسد رجل مسن.

كان ينظر أمامه، وما زال واقفًا، يتكئ على عصاه بكلتا يديه، مثل العم أيوب في المسرحية الجديدة للشاب الموهوب صبحي. ثم أرجع مؤخرته إلى الوراء قليلًا، كأنه يبحث عن قوة تدفعه إلى الأمام ثانية، تذكرك فعلًا بشخصية أيوب. لكنه ظل على حاله واقفًا، وفجأة اهتز جسده، وظن أنه سيقع على الأرض ميتًا.

لا، إنه لم يمت. واتضح أن عشاءه كان ثقيلًا، وأنهى ما وقف لأجله، ثم أكمل طريقه إلى المسجد. بعد أن أصدر صوتًا… انفجر على إثره ضاحكًا من وراء الشباك، حتى أنه لم يتمالك نفسه من شدة الضحك، فاختل اتزانه وتعثر في السجادة أو في شيء آخر، ثم تطوح، وقبل أن يسترد توازنه ارتطم إصبعه في رجل الكرسي، وتأوه بشدة، وأخذ يعض على شفته كاتمًا الضحك قدر الإمكان.

ولما استعاد هدوءه شيئًا فشيئًا، وكلما عاودته ذكرى تلك الليلة، يضحك ويشعر بوخز في إصبعه الصغير، ألمًا يشبه عذاب الضمير.

وعندما نظر ثانية، كان قد انصرف. الآن بات مؤكدًا أنه يعرف أن الأستاذ خليل لم يكف عن عادته السيئة.

حينما كان يقابله في السوق أو على قهوة المحطة، وهو منهمك في البحث عن الكراتين، وتجميعها معًا وربطها، لبيعها بعد ذلك. كان يشفق لحاله، ويود لو يساعده. ومن كثرة ما رآه يحرك رأسه يمينًا وشمالًا في بلاهة قط استيقظ لتوه، ولا يعي ما يدور حوله، لم يقنع بأنه بتلك البراءة وأنه يقوم بها عن قصد. وخدمته الظروف فيما بعد، ولمحه يراقب النساء أكثر من مرة، ويسلط نظراته التي كانت بريئة تجاه الفتيات المدملجات بعينين تتقدان شهوة، في السوق وهن مائلات الجزع ينتقين الخضر والفاكهة، أو وهن يتثنين في الطريق بأجسادهن اللدنة، وتقفز من عينيه شرارات حارقة كلما لمح سمانة عارية أو مفرق نهد.

لاحقًا أصبحا صديقين. يجلسان معًا. يدخنان الشيشة. ويتابعان سويًا المارة، ويستمع منه إلى حكايات كل واحد وواحدة منهن، ويضرب كفًا بكف كلما همس له بسر لا يعرفه أحد، ويكتشف لاحقًا صحته لما يشاع الخبر بين الناس.

كان إذا ما انعدل مزاجه يصفق مغنيًا: «شوفت القمر على صدر جميل»، ويتقافز فرحًا كطفل صغير وهو يقول: «يا لدان.. يا لدان». حتى أن صوته يصبح أجمل من الأذان. وقال له: «لم لا ترفع النداء بتلك الطبقة؟» قال إنه لا يصح. ولما استفهم منه، قال: «عاوزني أقف بين إيدين ربنا سكران. يصح؟»

«لا، ميصحش!»

وفي واحدة من تلك المرات، مال عليه وأطلعه على سر واحد من حياته. هو كل ما ظفر به من تلك الصداقة، عن ماضي العم إدريس. قال في حياء بالغ، كأنه العذراء، إنه من المهاجرين. وعرف سبب ضياع سمعه لما استيقظ هو وكل أهل مدن القنال على أصوات القنابل تهوي فوق رؤوسهم.

لكن قبل أن يكتشف ذلك بكثير، وفي أحد الأيام، ودون أن يخطر له على بال، وكانت ليلة العيد، وكان خارجًا للسهر مع اثنين من أصدقائه من أبناء الجيران، محسن الحلو ابن طبيب الأسنان، وصالح عبد الراضي ابن موظف السكة الحديد. وكانوا يتمشون كعادتهم في آخر الليلة. وفوجئوا به، ولا أحد يعرف من أين خرج، من الممر الضيق ناحية السوق عند دكان البيض، أم من وراء الجامع الكبير. ووقف أمامهم دون أن ينطق بكلمة. ظل واقفًا أمامه، ممسكًا برسغه، يلهث ببطء، ويده ترجف، حتى ظن أنه سيخر ميتًا. لكن على وجهه كانت ترتسن ابتسامته الغامضة، شبه مغضبة وشبه ساخرة. وأخذ يضغط بقوة، بينما كان ينظر في عينيه الصافيتين الدافئتين الهادئتين.

وفجأة مال للأمام ثم «ضرط!» وانصرف إلى حال سبيله.

وعندما مات العم إدريس، وبعد أن فرغا من الجنازة، عاد ولم يصعد إلى البيت. حوّد على حسنة، جلس معها وبكى الرجل كعزيز على قلبه. كانت الساعة قيالة، وبداية الصيف غير مبشرة، ودماغه يغلي من المشوار، ويمسح العرق والدموع في منديله.

ولأول مرة مالت عليه حسنة وربتت على كتفه، قائلة: «البقية في حياتك، محدش يعزيك.» فمد يده بتلقائية وراح يطبطب على ركبتها. قدمت له اللمونادة، وزودت له قليلًا من السكر لما أخبرها بأنه منحفض، وقضيا العصرية يتبادلان ما يعرفانه من الحكايات عن المرحوم. وبعد ذلك قام، وفي يده العباءة التي كانت تغطي الجسد قبل أن يسجوه التراب، وتركها له أبناؤه لما رأوه متعلقًا به قبل أن يغلقوا عليه باب قبره.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع