السائق الوحيد

أمين الساطي

أمين الساطي

هنا لا يوجد صباح. لا برد يلسع المقود، ولا عطر رخيص برائحة الليمون، ولا فيروز في الراديو.

لذلك أتذكر آخر صباح شتوي بتفاصيل لا تُطاق.

كنت حتى ذلك اليوم رجلاً عادياً. والعلامة الوحيدة التي لم تتغير فيّ هي الندبة فوق حاجبي الأيسر. كلما كذبت، أمسحها بيدي لا إرادياً.

أمي كانت تعرف ذلك.

في ذلك الصباح جاء هيثم.

صديق طفولتي، لكنه لم يعد يشبه نفسه.

كان وجهه جامداً كالرخام، وعيناه لا ترمشان. جلس قبلي وتكلم عن ضائقتي كأنه يسمع أفكاري. تحدث عن خطيبتي لمياء وأهلها، وعن البيت الذي لم أستأجره بعد خمسة أشهر من المماطلة.

قبل أن يذهب، مد يده ليصافحني.

كانت باردة جداً، باردة كرخام مغسلة الموتى. سحبت يدي بسرعة.

قال:

ـ إذا كنت مستعداً لتحمل المسؤولية، وجدت لك عملاً ينهي كل مشاكلك.

أخذني بعد دوامي إلى فيلا في منطقة الغوطة. كانت شبابيكها مغلقة في عز النهار، وداخلها شاشات كبيرة تضيء، وتظهر عليها وجوه لا تنظر إليك.

استقبلنا الرائد صلاح. لم يكن كما تخيلت. كان رجلاً عادياً بكرش صغير، يتكلم كموظف بلدية.

ـ مهمتك بسيطة وتخدم الوطن. تقود تاكسي، تدردش مع الزبائن، تعرف همومهم، وتكتب لنا تقريراً كل أسبوع.

ـ وهل آخذ أسماءهم؟

ـ لا. نحن أمن دولة، لا مكتب محاسبة.

ثم وضع أمامي أوراقاً ورزمة نقود وقلماً.

ـ سنشتري لك سيارة تسجلها باسمك فقط. وقّع هذه الكمبيالة. تُدفع عند الطلب، لضمان حق الحكومة.

رأيت السكين على رقبتي، وأحسست بيد صلاح تمسكها. ورأيت الندبة في المرآة خلفه. مسحتها بأصابعي وأنا أكذب على نفسي، وأقول إنها فرصتي الأخيرة.

ارتجف القلم في يدي، وسقطت بقعة قهوة صغيرة من فنجاني على طرف الكمبيالة.

اشتريت السيارة. أخبرت لمياء أنني بعت قطعة أرض ورثتها عن أبي.

وبدأت أقود. أفتح الأحاديث مع الركاب، وأكتب في الليل تقارير مليئة بالأكاذيب التي يريدونها. وفي كل تقرير كنت أمسح الندبة.

حتى جاء ذلك المساء.

اتصل صلاح:

ـ غداً، الساعة العاشرة تماماً، فندق الفورسيزونز دمشق. رجل اسمه جيمس علوان، هبط للتو من بيروت. أحضره إلى الفيلا.

كنت أمام الفندق قبل العاشرة. خرج رجل ببدلة رسمية ونظارة شمسية. لكن حذاءه كان ملطخاً بطين الغوطة.

ركب بجانبي دون سلام.

في الطريق الطويل، ومن دون أن يسألني عن اسمي أو عن الطريق، قال فجأة:

ـ بتعرف يا مأمون شو أصعب شي بالدنيا؟

تجمدت يداي على المقود البارد.

ـ أصعب شي لما تبيع روحك بالتقسيط. أول مرة من أجل بيت لخطيبتك. ثاني مرة لترضي صاحبك. ثالث مرة بتصير البضاعة رخيصة، وما عاد تلاقي مين يشتريها.

كان صوته صوتي. نفس البحة التي تخرج مني بعد سيجارتين على الريق.

ثم نظر إلى يدي وقال:

ـ وما زلت بتمسح الندبة لما بتكذب؟

لم أنطق. كيف يعرف؟

أخرج من جيب معطفه ورقة مطوية وفتحها.

كانت كمبيالة. بنفس المبلغ، وبنفس توقيعي المرتجف، وبنفس بقعة القهوة الصغيرة على الطرف.

وتحت التوقيع تاريخ: 14 آذار 2022.

قال بهدوء:

ـ السيارة… نعم. أما السائق… فلا.

ثم أخرج صورة. سيارتي نفسها، بلوحتها نفسها، واقفة أمام الفيلا ذاتها. وبجانبها رجل يشبهني تماماً. الندبة نفسها، واليد نفسها تمسحها بأصابعها.

شعرت أن يدي أصبحت باردة فجأة. باردة كيد هيثم.

تذكرت.

في 14 آذار 2022، قبّلت لمياء وقلت لها إنني ذاهب إلى العمل.

لكنني لم أعد في ذلك اليوم.

فمن الذي عاد بدلاً مني؟

……………………

*روائي وقاص من سوريا

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع